• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    ندوب من التغريب .!

    قصة سليمان الحسين وزوجته فوزية , مع حرس الحدود , تكاد تختفي من ذاكره أبناء بلدنا ..
    حتى أبنائهم , التي هي السبب في بقاء أمهم في البلد , يكادون لا يعرفون عنها شيئاّ ..
    ولكن كبار السِّن, ما زالوا يذكرون قوته الجسمانية , التي كانت تكاد أن تكون خارقة ..
    يحكون أنه أدار حجر الطاحونة بيديه , عندما نفق الحصان الذي يديره , ظلَّ يديره حتى وجدوا حصاناً قوياً يحلُّ محلَّه ..
    وهو الوحيد الذي كان يقدر , على رفع حجر بئر البلد الثقيل ..
    أحرن مرة حماره , فاشتعل الغضب في قلبه , فرفع الحمار بيديه ورماه في صبره البلد ..
    وكان يثور بسرعة , فيغضب من حوله , ولكنه سرعان ما يعود الى هدوئه وطيبته, ويعتذر للذين أغضبهم , ويرجوهم أن يغفروا له ..
    وعلى رأس الذين كانوا يعانون من “شرِّه ” .. زوجته أم أحمد .!
    فكان يعنِّفها في كلِّ يوم .. ” يمطرها ” بوابل من السّباب والضرب أحياناً , ولكنه عندما ” تذهب السكرة وتعود الفكرة ” , يعود الى مراضاتها , وتشُّفعها من أجل أن تغفر له وتسامحه , مستعملاً
    كلَّ الطرق حتى البكاء . و “تبويس رجليها” .. ولا يتوقف عن ذلك حتى ترضى عنه وتغفر له .!
    ولكن أحياناً كانت تشعر أن السَّيل قد بلغ الزُبّى .. وبالغ وتمادى في الشجار معها , فتغتنم فرصة خروجه الى عمله , فتترك البيت و ” تحرد ” عند أهلها .
    وعندما يرجع من العمل مساء , و لا يجدها في البيت , ويعرف من أبنائه أنها ” حردت ” عند أهلها , كان يتجه الى بيت أبيها في , وعند وصوله , يبدأ بذرع الزقاق , المحاذي لبيتهم , ذهاباً وإياباً , حتى يراها خارجة من باب سور الدار , فيهجم عليها ويرفعها بيديه القويتين عن الأرض , ويضعها على ظهره , ويسير بها نحو بيتهما , غير آبه بما تطلق من صرخات واستغاثات , وما تكيل له بكفيها وأظافرها , من لطمات وجروح , ولا ينزلها حتى تعده أنها ستعود معه الى البيت .
    وكان لا يكترث بما يقوله الناس ,الذين يمر بهم , وهو يحملها على ظهره . ولا ردِّ فعل أهلها ,عندما تصلهم أنباء فعلته .
    كانت بداية وقوع البلد , تحت سيطرة جيش اليهود ..وبداية الحكم العسكري البغيض ..
    اشتدت قبضة حرس الحدود على البلد , وزادت ساعات منع التجوّل , فقد امتدَّت طوال ساعات الليل , منع فيها أهل البلد من الخروج من بيوتهم , وكان كلَّ من يقبض عليه متلسباً ” بجريمة ”
    الخروج من بيته , كان يتعًّرض للضرب والسجن ودفع غرامة باهظة ..
    رجع سليمان من الحراثة , فلم يجد زوجته في البيت .. إنه يعرف سبب حردتها .. فقد كان قد تشاجر معها , حول عدد المدعوين , الى حفلة طهور ابنهم.!
    ” ولّ يا فوزيّة ما حرديتيش إلاّ اليوم!؟ .. اليوم إلي بدّنا ” نطهِّر” الولد فيه !؟” قال في نفسه والحسرة تقطِّع قلبه ..
    ” والله يا سليمان , هذا لسانك دايماً معثرك .!” أكمل وهو يستعيد ما فعل بزوجته ليلة أمس .
    ” باطل أنا أبوك يا محمد .!” قال وهو ينظر في وجه ابنه , الذي كان مستسلماً لسلطان النوم .
    ” والله ما بتنام الليله إلا في حضن أمك .!”.
    كانت معظم بيوت القرية متلاصقة .. ” الحيط على الحيط ” ..
    خرج الى فناء بيته , وصعد درجات السلم الى سطحه , ومشى يتنقَّل من بيت الى بيت , حتى وصل بيت أهل فوزية .. فعل ذلك لكي يتجنَّب حرس الحدود ,الذين يجوبون أزقَّة البلد بحثاً عن ” صيدة “, يضعون سمومهم فيها ..
    تأكد من وجود السّلم ,الذي يوصل بين فناء البيت وسطحه ..
    انبطح على بطنه على سطح بيتها , بحيث يستطيع أن ير ما يخرج أو يدخل من والى الفناء ,عاقداَ العزم , أن ينزل من الٍسطح إذا ما خرجت فوزية إليها ,ويحملها على كتفه , ويصعد بها الى السطح , ويعود بها طريق السطوح الى بيتهما ..
    بقي منبطحاً على السطح , ساعات يراقب ما يجري .. وإذا به يسمع طرقاً خفيفاً على بوابة البيت .. سبح الى جهة الزقاق , بحيث يستطيع رؤية من يقف بجانب البوابة ..
    كانوا أربعة جنود من حرس الحدود .!
    تسارعت دقات قلبه .. ترى ماذا يريدون في هذه الساعات من الليل.!؟
    بقي متجمِّداً في مكانه .. وعيناه منصبتان الى أسف نحو الفناء وبوّابته , يراقب ما يجري .. رأى شبحاً يخرج من باب الغرفه , ويتَّجه الى البوابة ويفتحها , يبادلهم بعض الكلمات الهامسة , فيعود متجهاً نحو باب البيت , ويدخل الجنود وراءه , ويقفون في الفناء . .
    مرّت عليه لحظات خالها الدهر ..
    وإذا بجميع أفراد عائلته ,يخرجون تباعاَ ويتجِّهون نحو البوابة .. وكنت زوجته فوزية معهم ..
    كانوا يحملون في أيديهم وعلى ظهورهم , محتويات البيت : فراش , أدوات منزلية ..
    خرجوا من البيت ..فتبعهم .. كان يحبو على ظهر السطوح المحاذية للزقاق , الذين يمشون فيه , إلى أن وصلوا سيارة شحن, كانت تقف في ساحة المسجد , وبدأوا يحمِّلون أغراضهم فيها .
    فأصيب بصدمة كادت تودي به ..غامت الدنيا في وجهه ..
    عرف أن حرس الحدود , يريدون ترحيلهم الى بلاد الشتات , مثلما فعلوا مع الكثيرين , من أبناء بلده وسكان القرى المجاورة .. أقنعوهم بالترهيب والترغيب , على الرحيل من بيوتهم وبلادهم ..
    وفوزية , إن لم يفعل شيئاً , سترحل مع أهلها , ولن يراها ثانية .!
    لا بدَّ من إنقاذها من الرحيل , إن أولادهم ينتظرونهم في البيت .
    نزل بخفة عن السطح مستغلَّاً انشغالهم بالتحميل , وغطاءات الظلام التي تلفِّع المكان , اقترب من فوزية التي كانت تقف خلف السيارة , رفعها على ظهره , أرادت أن تصرخ فوضع يده على فمها , وأسرع الى أقرب خشَّة واطئة ,ورماها بكلِّ قوَّته على سطحها.
    ووضع يديه على حافة السطح , ورمى بنفسه عليه .
    تناول فوزية , ووضعها على ظهره , ومشى على السطوح باتجاه بيته .
    “وين بقيته رايحه يا فوزيه .!؟” سألها لائماً .
    ” قالوا لنا – بنا نغيب اسبوعين ونرجع .!”
    “هيك قالوا لكم ..!؟.. اليهود بدهم يرموكم , ويرموا غيركم ورا الحدود .! بدهم يفرغوا لبلاد من أهلها العرب .!” ردَّ عليها مقاطعاً واالغضب يكاد يفجِّر قلبه . .
    “سليمان معك سكينة .!؟ سألته برجاء ..
    “لإيش .!؟” أجاب مستغرباً..
    “نزِّلني واعطيني إياها .!” .. همست في أذنه ,بحزم وإصرار..
    في الصباح وجد أهل البلد , في ساحة المسجد , شاحنة مثقوبة الإطارات .!

    يوسف جمّال – عرعرة

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.