الشريف الرضيّ يصف مجتمعًا فيه

تاريخ النشر: 03/03/18 | 9:05

من الجدير أن نبحث في تاريخنا الأدبي عن ظواهر أو مظاهر نجد على غرارها اليوم، فالشريف الرضي (ت. 1015 م) يتناول في قصيدة له هذه الفئوية والطائفية والخلافات المذهبية التي يلقي بذورها عدوٌّ للأمة وللدين، الأمر الذي جعل قومه متنابذين متنازعين، وبالتالي فالشاعر يدعو إلى الثورة ضد هؤلاء المتآمرين الذين يكيدون لهم كيدًا، وهم سبب ما يعانون منه.
يقول الشريف (ديوان الشريف الرضي- المجلد الثاني، ص 451- 452):
إلى كمِ الرَّحِمُ البَلهاءُ شاكيةُ *** لها من النعيِ إعوالٌ وإرنانُ
(الرحم البلهاء هنا تعني ذات المكانة والرزانة، فإلى متى يشكو الإنسان العاقل منا، ويبكي على حاله)
حَيرى يُضلونها ما بيننا ولَهًا * ** منا على عُدَواء الدار نِشدان
(هي حيرى والذين يضللونها هم بيننا، وينشدون منا البعد عن الدار)
النجر متفق والرأي مختلف *** فالدار واحدة والدين أديان
(النجر: الأصل)
وأسأل:
أليس هذا حالنا اليوم؟ الدين أديان؟
وثَمَّ أوعية الاحسانِ مُكفأةٌ *** فوارغٌ، ووعاء الشر ملآن
(فلا إحسان بيننا، بل الشر هو الطاغي)
إنّا نُجِرُّهمُ أعراضَنا طمعًا *** في أن يعودوا إلى البقيا كما كانوا
(نجرهم: نتركها لهم- أي للمفسدين ليصنعوا ما يشاءون)
أنّى يُتاه بكم في كل مُظْلمةٍ *** وللرشاد أمارات وعنوان
فإلى متى يعبث المفسدون فيما بيننا، ونحن لا نهتدي سبل الرشاد مع أنها بيّنة.
إزاء ذلك يدعو الشاعر المتنابذين إلى السلام، وإلى أن يستوضحوا الحق الظاهر:
ميلوا إلى السلم إن السلم واسعةٌ *** واستوضحوا الحق إن الحق عُريان
فهوحزين على مصير قومه:
أبلِغْ على النأي قومي إن حللتَ بهم *** أني عميدٌ بما يلقَون أسوانُ
ثم قال محفزًا قومه لاتخاذ موقف، فالحِلم الزائد مضرة، ولا يشفع لهم:
يا قومُ إن طويل الحِلم مَفسدةٌ *** وربما ضرَّ إبقاءٌ وإحسان
فيصف حالتهم، وما أصابهم من مذلة:
ما لي أرى حوضَكم تعفو نصائبُه *** وذَودَكم ليلةَ الأوراد ظمآن
مدفَّعين عن الأحواض من ضَرَع *** ينضو بهامِكُمُ ظلم وعدوان
فنصائب حوضكم أي الحجارة حولها اندثرت وعَفَت، والذود (3-10 من الإبل) عطاش عند ورود الماء.
وأنتم تُدفعون عن الأحواض رغم تضرعكم، ورءوسكم يمسها البغي والعدوان.
لا يُرهب المرء منكم عند حِفظته *** ولا يُراقب يوما وهو غضبان
لقد بلغ الأمر بهم أن استهانوا بكم، حتى بالحِفْظة- ساعة الغضب والحمية، ولا يهمهم كيف تغضبون ومتى.
إن الألى لا يُعزُّ الجارُ بينهم *** ولا تهابُ عواليهم لذُلاّن
كم اصطبارٌ على ضيم ومَنقصةٍ *** وكم على الذل إقرار وإذعان
وفيكم الحاملُ الهمهامُ مسرحُه *** داجٍ ومن حلَق الماذيِّ أبدان
والخيل مُخْطَفة الأوساط ضامرة *** كأنهن على الأطواد ذؤبان
الذل كل الذل لمن لا يكون جارهم عزيزًا، ومن لا يُحسب حساب لرماحهم، فإلى متى تصطبرون على الضيم وتذعنون له؟
إلى متى وفيكم يا بني قومي الحامل الهمهام= الأسد، ومكان ثباته في ظُلمة الليل، ودرعه من حديد؟
وها هي خيولكم ذات قدرة على القتال ليست بدينة بل ضامرة، وهي كالذئاب في الجبال.
فماذا ينقصكم؟
يختم الشاعر بالدعوة إلى الثورة:
اللهَ اللهَ أن يبتزَّ أمركم *** راعٍ رعيَّتُه المَعْزِيُّ والضان
ثوروا لها ولْتَهُنْ فيها نفوسكمُ *** إن المناقب للأرواح أثمان
فهل التاريخ يعيد نفسه؟

ب. فاروق مواسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة