أحادي اللون رباعي الأبعاد

تاريخ النشر: 26/04/16 | 0:34

مثل نسمة من ” ريح تمر” ( ) من العام المنطوي (24.04.2015) .رحل الشاعر وحل الشعر! شِعر لا يحفر الضاد إلا ليرقد في كل شبر من الأبدية . انها الذكرى الأولى لرحيل السيزيف الأسمر ذو الأيادي البيضاء الشاعر محمد مفتاح الفيتوري . هذا العملاق القادم من عصر الكلمات , معتمرا عمامة الأبجدية الأزهرية , متعطفا بجبة عنترة بن عبس , معتلياً مطية شِعره الأسود المكلل بديباج البياض…مُهرقاً دواة العبودية السحماء على صحائف الشمس المشعة …. يعود بذكراه اليوم إلينا… بعبق روح تعتلق صبابة وجدانها بأربعة أقطاب : شَدّتها خيوط من حرير المعاناة لتسمو بها نحو ذرى سماوات الرؤى , فتفشي ما تفشيه في شطحاتها , وتسفر عما يؤرجها من بديع أسرارها وفاتن أنوارها
مسيرة لطالما قدمت قرابينها على موائد الفكر والوعي ومنابر الذائقة مانحة خبزها المقدس المعجون بمائهِ المطيب ب :
أفريقانية ناصعة الزنوجة ,
ثورة لا ساحل لها ,
صوفية أسمرية
وعروبة بامتياز :
ابعاد تجلت في شعر هذا السيزيف الأسمر : السوداني المولد , المصري النشأة , الليبي الجنسية , اللبناني الهوى , المغربي المقام والأجل والأزل . يمزج بعجائبية – أين منها أسرار جبل قاف – مِدادِ الشرق بالغرب , في معادلة كيميائية ناصعة الرذاذ فوق جغرافية سوداء عطشى للحرية.
ولد محمد الفيتوري بحسب شهادة والدِه في 24.11.1929 في قرية الجنينة ( ) والجنينة اسم على مسمى قرية خضراء مطلة على النيل في غرب السودان وعاصمة لدار مساليت ( ).
والد الشاعر ليبي الأصل من مدينة زليتن ( ) التي تقع على الساحل الغربي من ليبيا ينتمي الى قبيلة الفواتير ومن هنا تأتي تسميته بالشيخ مفتاح رجب الشيخي الفيتوري شيخ سجادة صوفية وخليفة من خلفاء الطريقة الشاذلية( ) العروسية ( ) الأسمرية ( ).
أما والدته فسيّدة جَهمِية سليلة احد البيوتات البرقاوية وهي (عزيزة علي سعيد) وتنتسب الى احدى الأُسر الشريفة من قبيلة الجهمة العربية الحجازية الأصل ( ) . وهي ابنة ل ( علي سعيد بن يعقوب الشريف ) جد الشاعر , الذي “كان تاجر رقيق وعاج وذهب وحرير. وكانت له
صلات بسلاطين أفريقية والسودان ,( ) وكان يتّجر عن طريق( درب الاربعين )( ) التي تربط ما بين السودان وليبيا .”
أما جدَّته لأمه وتدعى (زهرة) فأصلها من قبيلة فرسان وهي أميرة سوداء جميلة ابنة شيخ احدى أهم القبائل ما بين الجنوب السوداني وغربه,
وتحديدا من منطقة بحر الغزال في قبيلة (القرعان) , تم اختطافها عنوة في سن 9 سنوات من خلف الكثبان الرملية( ) وهي تملأ الماء وإهداءها كجارية الى جد الشاعر , هذا الجد الذي أعتقها وجعلها حرة , ليس لجمالها فحسب بل لكونها أبنة شيخ قبيلة كبار قومها, وتزوجها فأنجبت له ذكرا توفي وانثى ( ) وهي عزيزة والدة الشاعر( ).
في حضن هذه الجدة السمراء المعذّبة (زهرة) تربى محمد الفيتوري مدة ما من حياته وكان لها تأثيرها العميق في تكوينه النفسي والشعري ( ) هذه الجدة الجارية المخطوفة, المهداة الى تاجر رقيق هي التي ستوقظ مارد التناقضات من قمقمه, وستُشعل لاحقاً بقصصها ومأساتها جذوة معانى ضِرام العبودية , في كيان الحفيد الطفل ,لتسطع في مآقيه وقلبه الصغير أقباس مرآة الآلام الافريقية بأقدارها الجريحة وكلومها النازفة ,فيكبر ويجد نفسه كما يصف بكلماته ” واقفا على صراط ما بين الحرية والعبودية.. هذه الجدة مستعبَدة .. هذا الجد تاجر رقيق.. وأنا طفل صغير لا يعرف معنى العبودية ولا معنى الحرية ..اعتقد أن هذه السيدة هي التي بذرت هذه البذرة التي لا أقول انها سوداء , وإنما البذرة النارية في روحي.. البذرة التي أشعلتني”( ).
تألفت أسرة الفيتوري من الاب والأم وشقيقة واحدة ومنه. فقد توفي لها ذكور ثلاثة وهم محمد ,وإبراهيم , وعبد السلام ( ).” ثم هاجرت هذه الأسرة الجديدة الى مصر وبالتحديد الى الإسكندرية منشأ الفيتوري( ).
التحق الفيتوري بالمدرسة الأولية (مدرسة الاخلاق) للشيخ عبد الخالق البسيوني لحفظ القرآن, تأهباً لدخول الأزهر الشريف كما قضت بذلك رغبة والديه, إذ نذراه ليكون خادماً لكتاب الله العزيز ( ) وقد التحق بهذه المدرسة في سن كبيرة نسبياً أي بعد أن تجاوز الحادية عشرة من عمره( ).
ثم تابع دراسته في المعهد الديني في الاسكندرية التابع للأزهر وهناك تقدم لمباراة شعرية بقصيدة ( واجب الطالب) ففاز بالمرتبة الثالثة وبجائزة قدرها 10 جنيهات. انتقل للقاهرة فأمضى عامين في كلية دار العلوم في الأزهر الشريف لكنه لم يتخرج بل اتجه الى العمل الصحفي والى كتابة الشعر
عمل الفيتوري محررا ادبيا بالصحف المصرية والسودانية كما عين خبيرا للإعلام بجامعة الدول العربية في القاهرة ثم مستشارا ثقافيا في السفارة الليبية بايطاليا , ثم مستشارا وسفيرا بالسفارة الليبية في بيروت , ثم مستشارا للشؤون السياسية والإعلامية بسفارة ليبيا في المغرب
اسقطت عنه الجنسية السودانية عام 1974 بعهد جعفر النميري وتم سحب جواز السفر السوداني منه لمعارضته نظام الحكم لكن العقيد معمر القدافي منحه جواز سفر ليبي واستقبله في ليبيا
في عام 2005 بحسب ما يذكره الصحافي السوداني الاصل طلحة جبريل والذي يعيش في المغرب انه اجرى مع الفيتوري اتصالا في بيته بالرباط وكان قد اصبح مريضا طريح الفراش , زاره اثره في منزله وكان يعاني من شلل نصفي في الجزء الأيمن من جسده ( ) فيخلد الفيتوري الى المنزل لكن مع سقوط نظام القذافي تسحب منه السلطات الليبية جواز السفرالليبي فيستمر في الاقامة بالمغرب مع زوجته المغربية (رجات ارماز) في ضاحية سيدي العابد في الرباط ( ) وفي عام 2014 تعود الحكومة السودانية فتمنحه جواز سفر دبلوماسي ( ).
وفي تاريخ 24.4.15 يفارق الحياة في مستشفى الشيخ زايد بالرباط ويدفن في مقابر الشهداء في الرباط
وشعر الفيتوري رباعي الابعاد ( الزنوجة ) (الثورة ) (العروبة) (الصوفية ) لا يضم تحت اجفانه القارة السوداء فحسب بل كل الوطن العربي بأزماته وأفراحه وتطلعاته ؟ أو كما يصفه الكاتب اللبناني عبده وازن ” شاعر التخوم ,لا ينتمي الى وطن نهائي, فهو يقيم على تخوم الخارطة العربية والافريقية وعلى تخوم العروبة والزنوجة أيضا “( ).
البعد الزنوجي في شعره :
يتجلى في الكثير من اعمال الفيتوري الشعرية , بريق ذلك الصراع الأزلي ضد الرق والاستعباد والاستعمار والقمع والقهر مناقشا قضية الزنوجة . نابذا لكل ألوان العنصرية , موقظا للشعوب المقهورة من سباتها داعيا إياها الى الاعتزاز والفخر بلونها الأسود والذي ينبغي ان لا يقل شأنا عن اللون الأبيض المستعمر . كاشفا عن اهتمام بالغ بالحركات التحررية الافريقية على طول القارة السمراء.
هادفا من الزنجية الى المحافظة على العرق الأسود ومنع ذوبانه في الكيانات الاستعمارية البيضاء , واثبات حق الأسود في الحياة , وتحطيم الخرافة القائلة (بتفوق الأبيض) عاملا على غرس بشاعة ما اقترفته ايادي الأبيض في الذاكرة الجماعية مناديا بالاعتزاز بالافريقانية والزنجية
” أنا زنجي..
وأبي زنجي الجد ..
وأمي زنجية ..
أنا أسود ,,
أسود لكني حر أمتلك الحرية
أرضي إفريقية ..
عاشت أرضي ..
عاشت إفريقيا ! ” ( )
مستخدما كل ما يخص المجال الافريقي وطوطميته الطبول , والغاب , والنار , والسفينة :
“كافريقيا في ظلام العصور
عجوز ملفعة بالبخور
وحفرة نار عظيمة
ومنقار بومة
وقرن بهيمة
وتعويذة من صلاة قديمة”( )

البعد الثوري في شعر الفيتوري
يقول الفيتوري ” انني أضرب على الأبواب المؤصدة حتى تدمي كفي…اكون في حالة تمرد على الحصار النفسي والسياسي والمكاني ..وعندي رغبة في تمزيق ستر الظلام ..وعندما افعل ذلك تسقط الابيات على الورق” ( ).
” ولدت فوق عتبات الصمت والغضب
أنا تمرد التعب
أنا تجسد الذهول “( )
روح ثائرة مُثَقَّلة بالغضب هكذا هو الفيتوري , وهذا ما يقوله محمد علي شمس الدين أيضاً : “عرفت محمد الفيتوري شخصيا أثناء إقامته في بيروت مندوبا سياسيا لليبيا في سبعينات القرن العشرين …وكان أبرز ما يطبع شخصه أنه انسان شموس (شموص) , بمعنى أنه مُستفَز , بل حاضر للاستفزاز , واغلب الظن انه ينطوي على روح معذبة وكبرياء مجروح “( ) شخصية متوترة استفزازية غاضبة حانقة متمردة ثائرة على كل شيء , اللون, الشكل, التمييز العنصري , الحب ,الاسترقاق , الاستعمار ,الهوية المذوّبة , الشعر , المكان, الزمان . ثورة عارمة متأججة بنار ما تتغذى عليه من ومما يختلج وجدانه من تناقضات , الاسترقاق والسيادة , الأسود والأبيض , العبودية والحرية , الوطن والمنفى. شاعر مطبوع بموهبة متوهجة متدفقة الوجدان والوجد , الهدوء والعنف , وحمى السؤال والتخبط.
لا يقتصد الشاعر في احضار كل الرموز الثورية والشخصيات : لومومبا ونكروما قائد ثورة العبيد والسلطان تاج الدين ومانديلا وعمر المختار والكردي وجميلة بوحيرد وستانلي فيل , وهاييتي, والكونغو :

” لا تطرقي رأسك يا جميلة
لا تخفضي جبهتك النبيلة
خُوّف جنود الإمبراطورية
قفي بوجه العذاب
شامخة بالعذاب
لا تدعي نقتهم تقتلك
لا تدعي رحمتهم تغسلك
إنك قبر الإمبراطورية ( )

بُعد العروبة في شعر الفيتوري
ان الفيتوري كما نعلم ابن الوطن العربي بأسره , وكما وصفه محمود مين العالم ” لم يكن يستشعر انتسابا حقيقيا الى وطن”( ) ولد في السودان ونشأ في القاهرة وعاش في ليبيا وعمل في بيروت واستقر في المغرب وورِي الثرى فيه .
لقد تنبه وعيه على الحياة بكل مناقضاتها, بكل الآمها , كيف لا وهو الذي خبر العديد من المجتمعات واحتك بكل العرب , مطلعا على أزمات الامة العربية , يشارك بالأحداث المتفجرة في المنطقة , مواجها اياها بإدراك إنسان معاصر متعاملا مع احداثها بفكر متحضر كاشفا عن مسار وعي سياسي جديد للفيتوري ,ينم عن تعايشه وتفاعله مع الاحداث اليومية على المسرح السياسي العربي في المنطقة , يتصادم مع الأنظمة العربية تارة , ويثور تارة اخرة ويهادن مرة ثالثة , مجتهدا في التعبير عن خلجات الامة من خلال مشاعره الفردية واحاسيسه ,فتارة تراه يهاجم عبد الناصر في مصر وتارة يرثيه , ويمجد بن بللا في الجزائر, ويمدح الشابي التونسي وينشد للعراق , ويرثي عبد الخالق محجوب ورفاقه ,ويهجو الصادق المهدي في السودان, ويكتب عن حرب بيروت, وأطفال الحجارة في فلسطين , والقذافي في ليبيا , فالجماهير عنده ” مصدر الفن والفكر والحياة والتاريخ , وهي تيارات نهر الإنسانية العظيم الذي لا يتوقف ” ( )
“حين يأخذك الصمت منا
فتبدو بعيدا..
كأنك راية قافلة غرقت
في الرمال
تعشب الكلمات القديمة فينا
وتشهق نار القرابين
فوق رؤوس الجبال
وتدو بنا أنت
يا وجهنا المختفي حلف الف سحابة
في زوايا الكهوف التي زخرفتها الكآبة
ويجر السؤال ,السؤال
وتبدو الإجابة نفس الإجابة”( )
ويضيف:
” في غبار الحرب الكونية ( 1939-1945) تلاشى وهج كل ايديولوجيات النظم العربية القديمة , وفي نكبة 1948 دقت نواقيس افلاس النظم العربية القائمة. وفي هزيمة 1967 تكرس عجز الجيل العربي الحاكم عن قبول التحدي ومكانية المواجهة . وفي السبعينات أمكن للخيانة وحدها , ولروح الهزيمة أ، تسود الساحة , وأن تشق لها طريقا متعرجة عبر طريق النضال المسدود . ومع تتابع حلقات سلسلة النماذج أو المواقف المفرغة , تستفحل ظواهر عقمنا الفكري والسياسي , ويزداد الواقع العربي ضعفا وفسادا , بانتظار قدوم الثورة الاجتماعية , والشاعر العربي العظيم. “( ).
” الآن وانت مسجى
انت العاصفة ..الرؤيا.. التاريخ .. الاوسمة.. الرايات
الآن وانت تنام عميقا تسكن في جنبيك الثورة ..ترتد الخطوات
تعود الخيل مطأطئة من رحلتها .. مغرورقة النظرات “( )
ويتغنى الفيتوري بكل المدن التي عاش فيها او مر منها حتى القدس وفلسطين التي لم تطأها قدمه :
” ليبقى كل بطل مكانه
ولتصعق الخيانة
ولتخرس الرجعية الجبانة
فالشع سوف يغسل الإهانة”( )
وللقدس: “شوارع القدس الإلهية
تصفر في أرجائها الريح الرمادية
وعطر راشيل اليهودية
وتستحم الأرض بالدماء
حيث مشى الأنبياء”( )

البعد الصوفي في شعر الفيتوري
بعد نكسة 1967 كتب الشاعر الفيتوري مجموعه (معزوفة لدرويش متجول)أراد من خلالها ان يصور رحلة هذا الدرويش في الطريق الصوفي حين ينتابه القلق والشك , مما يجعله يفكر في وحدته وضياعه تماما مثل المريد الذي يتعلق بشيخه رغبة منه في المعرفة يقول الدكتور ابو الوفا الغنيمي التفتازاني التصوف فلسفة حياة تهدف الى الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقيا وتتحقق بواسطة رياضات عملية معينه تؤدي الى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الاسمى , والعرفان بها ذوقا وعقلا وثمرته السعادة الروحية ويصعب لتعبير عن حقيقته بألفاظ عادية لأنها وجدانية الطابع وذاتيته ( )
ان التصوف معروف في كل الحضارات والأديان منذ القدم وعندما تستخدم كلمة صوفية Mysticism في اللغات الأوروبية فهذا للدلالة على الصوفية بوجه عام اما كلمة تصوف Sufism فهي كلمة حديثة استخدمت لأول مرة عام 1821 بألمانيا كما يقول ادريس شاه”( )
ولو وضعنا تعريفا للتصوف باعتباره سلوكا , في مقابل تعريفه باعتبار فلسفة او نظرة في الحياة لتبين لنا ان التصوف في جانبه السلوكي هو اقرب الى التصوف الديني , واما تعريفه باعتباره نظرة او فلسفة حياة فهو فكر وفلسفة كما نراه عند الفيتوري , فعندما تخلص الشاعر من عقدة اللون ومن نبشه في الذات الافريقية المعذبة واشتعال احاسيس الحقد والنقمة والغضب دخل الى عوالم الوجدان الصوفي , وراح ينظر في داخله , ليفجر ما بداخله من قوى روحية مؤسسة على تراث ثر مثل مجموعة (معزوفة لدرويش متجول) أو (ابتسمي حتى تمر الخيل) وراح يصعد بالإنسان نحو الإلهي, راح يرفع الناسوت الى اللاهوت محاولا ترقية درجة العبد من مكانته الى درجة تليق بمقام الانسان في حضرة الله عز وجل , وهو ليس بغريب على من نشأ في بيت تتلى به الأذكار وتقام فيه الحضرات وهو ابن شيخ السجادة الشاذلية العروسية الاسمرية:
“في حضرة من أهوى
عبثت بي الاشواق
حدقت بلا وجه
ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي
وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق “( )
في هذا المقطع يحس الشاعر بانه مثل ابن الفارض أو سلطان العاشقين في رقصه الصوفي وما يمثله من وحدة كونية ورمز للتوحد مع الحقيقة المطلقة والفناء , يصور لنا حالة عشق وتوحد مع المحبوب وهي غاية هذه الطريق
ففي الرؤية الصوفية للعالم يتقدم الذوق والكشف, ويتأخر العقل, لأنه عاجز عن الوصول الى الحقيقة امام الله, والعالم , والانسان
فالله هو الحقيقة المطلقة والصوفي هو من يجتهد من اجل الفناء : أي امّحاء الذات البشرية الفردية في الذات الإلهية :
” شحبت روحي صارت شفقا
شعّت غيما وسنا
كالدرويش المتعلق بقدمي مولاه انا
اتمرغ في شجني
اتوهج في بدني
غيري اعمى مهما لن يبصرني
فأنا جسد…حجر
نرى الفيتوري من خلال هذه السطور كالصوفي الذي يستعد من اجل الحضرة لان ما يسمى بالشهود ( حدقت بلا وجه) والفناء (صارت شفقا) هما آخر الطريق الى الحضرة : أي الى المثول امام الحقيقة المطلقة و الحضرة الإلهية , وهذا لا ينتج الا عن حالة وجد , فحالة الشهود والغياب في الوجد , والفناء في الحضرة انما هو دنو من ذات الحق من فرط المحبة ومن فرط الرغبة في المعرفة ولهذا قال النفري( من احببته اشهدته , فلما شهِد حبّ)( ) والفيتوري يرغب في خوض التجربة ويبحث عن طريق الضياء والنور:
“قنديل زيتي مبهوت في اقصى بيت في بيروت
أتألق حينا ثم أرنّق ثم أموت”( )
وحينما يخاطب الشاعر بيروت فلأنه أقام فيها مدة طويلة وأحبها وأحس فيه بالانسجام والطمأنينة والاستقرار وفجأة يوح أمامه شبح الرحيل , لأسباب سياسية واحيانا لأسباب أخرى تصير علاقته بهذه المدينة علاقة عشق بل فناء
ان الفيتوري بتجربته الصوفية هذه انا يطلب (عمق الحياة ) والفن والجمال والحب وبه ظمأ لهذه الصوفية الفكرية , فهو فنان, والفن قباس من السماء وهو يبحث ويبحث عن نشوته الروحية عساه يجدها في الفكر والمعرفة.

بقلم : شادية حامد – حيفا/ شاعرة وباحثه من فلسطين

12

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة