تشابهات أو تماثلات في النصوص

تاريخ النشر: 19/03/16 | 2:43

ثمة تشابه كبير بين بعض ما قيل، وبين قول جاء بعده، وليس لنا أن نؤكد النقل أو “السرقة”، فقد “يقع الخاطر على الخاطر كما يقع الحافر على الحافر”- كما قال المتنبي، بعدما اتهم أنه أخذ معنى لشاعر سبقه.
..

ثمة الكثير مما تتوارد فيه الخواطر، فاسمحوا لي أن أقدم لكم بعض النماذج المتماثلة:
يقول الحلاج:
يا كل كلي، فكن لي *** إن لم تكن لي فمن لي

( قاسم عباس: كتاب الحلاج- الأعمال الكاملة ، ص 319)

وهذا المعنى كان قد ورد في “فصول الآباء” بالعبرية (פרקי אבות)- פרק א, משנה י”ד:
“אם אין אני לי מי לי”. أي إذا لم أكن لي فمن لي؟
….
وكنت قرأت في مسرحية (يوليوس قيصر) لشكسبير ما قاله كاسيوس لبروتس:

I’ll be your mirror” ”
وقد وردت في الفصل الأول ضمن المشهد الثاني:
..
“I’ll tell you, good Brutus. And since you know you can see yourself best by reflection, I’ll be your mirror and show you, without exaggeration, things inside you that you can’t see”

وهذا القول الشكسبيري ورد متماثلاً بتغيير طفيف لما جاء في حديث شريف، وبوسعك ملاحظة التشابه القوي بين القولين:
“المؤمن مرآة أخيه”- المؤمن،
وأصل الحديث المرفوع:

” حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” الْمُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ ” .
….
في لقاء مع صديقي الأديب لؤي مصالحة ذكر لي أن شوقي (ت. 1932) في مسرحيته (مجنون ليلى)، وفي الفصل الرابع الذي يتحدث فيه عن الجن قال على لسان قيس:

“يا عجبا كل العجب *** الجن مني عن كثب
سود دقاق في العيون كالدخان في الحطب
يخرج من أفواهها ومن عيونها اللهب”
فذكر لي أن السطر الأخير سبق فيه والت ويتمان الشاعر الأمريكي (ت. 1892) إذ قال في قصيدته-
As I Ponder’d in Silence:

As to me directing like flame its eyes””

بحثت عما ذهب إليه بعض النقاد إلى أن قولة محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة” مأخوذة من قول لنيتشه (ت. 1900) حرفيًا.
بحثت في (ديوان نيتشه)، وقد وجدت النص حقًا في الكتاب- ترجمة محمد بن صالح- الصادر عن دار الجمل – 2005، ص 244، وفي فصل (أغنية للشرب) يقول:

“أصدقائي ، قال أشد الناس قبحًا ما رأيكم؟ إن هذا اليوم هو ما جعلني على رضا بأنني عشت كل هذا الوجود…
على هذه الأرض ما يستحق الحياة، يوم واحد قضيته مع زردشت علمني أن أحب الأرض”.
..
لا ضرر ولا ضرار في رأيي إذا وجدنا تماثلاً هنا أو هناك، فعلينا أن نعرف كيف قيل كل قول، ومتى، وما السياق، فدراسة الأدب تستلزم البحث عن النص وجمالياته وتناصاته، والإفادة من السابقين، وحري بنا إذا اقتبسنا أن نشير إلى ذلك.
..
ويبقى الموضوع مفتوحًا للنقاش.

faroqmwaseee

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة