رواية أهل الجبل[1]: التاريخ والثقافة والمقاومة

تاريخ النشر: 15/12/14 | 22:03

هل كان إبراهيم جوهر[2] يكتب رواية أم أنه كان يقارن بين مدينتين؟ هل كان الكاتب المقدسي يتأمل التاريخ والجغرافيا أم كان يبني حدثا روائيا محدودا؟ هل كان السارد العليم الخبير بكل شيء يسائل هذا الواقع أم أنه كان شاهدا عليه فقط؟ كل تلك الأسئلة ولها كثير من المعتكفات والمنعطفات والمنحنيات أخذت تتشكل وتتصالب وتتراص أمامي وأنا أتأمل رواية أهل الجبل، تلك الرواية/ البحث في أهل الخليل وطباع أهل الخليل، الذين ربتهم الصحراء وسقتهم تاريخها ووسمتهم بميسمها!
ربما كان البناء الروائي بسيطا وقريبا غير مبني على فلسفة معقدة من البناء الفني للرواية الحديثة على الرغم من أن الكاتب قد لجأ أحيانا إلى تقطيع الحدث الروائي لتتداخل المشاهد بين مكانين وزمانين أو بين مكانين في زمان واحد، على الرغم من تلك البساطة إلا أن الرواية قد استندت إلى مجموعة من الفنيات الرصينة التي أعطتها قيمة فنية وأدبية، وفيما يأتي سأقف عند جملة من القضايا التي أثارتها الرواية في بعديها المعرفي والفني.
الموازنة بين المدينتين (الخليل ورام الله)
يتضح في الرواية أن الكاتب يحمل وجهتي نظر متناقضتين حول تينك المدينتين، وقد عبر السارد المشارك بالأحداث كأحد شخصيات العمل الروائي عن هاتين النظرتين، فقد بدت رام الله مدينة الغربة والغرباء، وتبحث عن ذاتها في ذاتها، مدينة الصابون والرمل والزجاج، مدينة السرعة والفنادق والوجبات السريعة، مدينة تأكل أبناءها، مدينة بلا تاريخ، تأكل الماضي كله، مدينة عصرية مغرية ومغوية، تمني زائرها الأماني الخادعة، يركض فيها من أتاها ليحقق ذاته وإذا به يركض وهو محله، ظانا أنه قد أحرز شيئا وإذا به كما هو، لذلك فهي مدينة الأحلام والانكسار والخيبة، مدينة بلا ظل وبلا ملامح مفتتة ومشرذمة، ولكنها هي المركز!
تلك الصورة القاتمة لمدينة رام الله تقابلها الخليل مدينة الأصالة والعراقة والتاريخ والمقاومة، مدينة فيها كل شيء مختلف له طعمه ودلالته حتى المباني والأسماء، وعلاقة الناس فيما بينهم وعلاقتهم بالطبيعة والصحراء والتراب والجبل والهواء علاقة تماهٍ واندماج، فهم منغمسون في الأرض والتراب، لم يضيعوا في موجات التغريب والقشور الزائفة القادمة مع مشروع السلام الميّت، فظلوا متمسكين بالأصالة والوطن، ولم يتنكروا للتاريخ، سواء في ذلك تاريخ المدينة الخاص أم تاريخ الجغرافيا الأكبر لفلسطين كلها، لذلك كان واجبا وطنيا وأخلاقيا وإنسانيا من (إسحق الحروب) ليجمع التاريخ ويعيد تشكيله من تلك القطع الأثرية، إذ تحول منزله إلى متحف تاريخي وإنساني واجتماعي، وكأنه يقاوم على طريقته.
مدينة تخلق مزاجها من كينونتها الخاصة عبر أربعة من العناصر (التراب، والهواء، والارتفاع، والدوالي)، لتقف هذه العناصر في تحد ومواجهة مع تلك العناصر الفلكية التي تصنع الحظ والتاريخ الفردي للبشرية والمعروفة عند أصحاب الفلك (التراب، والماء، والهواء، والنار) لنجد الناس عند هؤلاء مجموعة أمزجة نابعة من واحد من هذه العناصر، هنا تجد التراب والهواء مشتركا عاما، ولكنه ليس ذلك التراب العام، إنه تراب الجبل، وليس الهواء الملوث إنه الهواء ذو التيارات الخاصة بالتشكل في فضاء الجبل، وليكون الارتفاع عنصرا ماديا وحضاريا وإنسانيا مكانا وتاريخا يليقان برمز المنطقة الدّال عليها كالعلامة الخاصة المميزة، وهو الدوالي، فهنا إذن أنت في الخليل، بكل تلك السمات الخاصة التي شكلت إنسانها وإن كان فيه صلابة الصحراء وقوتها وشموخ الجبل إلا أنه أصيل وطيب وخلوق وإنساني وبسيط ويحب الخير ويفهم الأرض وسر الأرض، ومع كل ذلك فإن المدينة هي هامش تدخل في صراع خجول غير معلن مع رام الله/ المدينة المركز، وهي بذلك تصنع وجها آخر من وجوه المقاومة!
إن هذا كله جعل أهل الخليل وحدة إنسانية خاصة، يشتركون فيما بينهم في مجموعة سمات عامة، ومع وضوح تلك السمات العامة إلا أنها لم تلغ الخصوصيات الفردية لآحاد الناس، ولذلك حرصت الرواية عبر الحدث الروائي أن توضح هذين الجانبين الخصوصية الفردية لابن الخليل، والسمات العامة للناس بشكل عام، وجعلت الإنسان الخليلي ابن الجبل المتشبع بالسمات العامة في مواجهة مدينة الضياع، إذ لا وجه لها غير وجه استهلاكي سريع متضخم يركض فيها الشخصُ دون أمل، تأكله الأحلام، وتسحقه التمنيات، ولا يظفر بغير الحسرة والندم، الناس فيها غرباء فلا يشفع فيها الحب ولا تنفع فيها الصداقة، ولا يؤثر فيها التاريخ، مدينة تشبه بهية عبد السلام أم أن تلك المرأة حالة بشرية مجنونة من صناعة مدينة لا تتمتع بالبهاء ولا بالسلام!!
إن هذه المقابلة بين المدينتين يطرح تساؤلا صفته الأولى سياسية عن علاقة المركز بالهامش، وهي علاقة خلقتها كثير من الظروف السياسية المستجدة على المدينة المركز، إذ لم تكن كما هي الآن، لقد تحولت سريعا لتكون العاصمة السياسة والثقافية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية، والكل يسعى إليها ليستظل بظلها، وهنا تطرح الرواية إشكالية كبرى ما زالت تتعمق يوميا، ليزداد المركز تبؤرا، والهامش انفلاشا وابتعادا ليكون أبناء الهامش على ما هم عليه من أصالة وتاريخ خدما لأبناء المركز على ما هم عليه من تغريب وعصرنة لها سمتها غير محمودة النتائج!!
اللحمة الثقافية والجسد الروائي
يوظف الكاتب في روايته الكثير من الإشارات الثقافية، مؤكدا بتلك الإشارات الثقافية ما يرمي إليه الكاتب من رؤيا عامة وفلسفة ينطلق منها الحدث الروائي، فتجد حضور المنطقة، منطقة جبل الخليل، والتي تشمل عدا الخليل، القدس وبيت لحم، في كثير من المؤلفات الإبداعية التي يذكرها السارد، وقد تحدثت عن تلك المنطقة، وكأنه يشير من طرف خفي قدر تلك المنطقة وأهميتها إبداعيا وثقافيا، فقد تجلت في فرس العائلة لمحمود شقير، وكلب البراري لجميل السلحوت، ونار البراءة لمحمود شاهين، وقبلة بيت لحم الأخيرة لأسامة العيسة.
كما ظهرت أهمية تلك المدينة ثقافيا في جهود أحد أبنائها (إسحق الحروب) في الحفاظ على التراث والتاريخ من الضياع، ليدخل في منافسة مع الإسرائيلي الذي يدفع المال من أجل أن يستولي على تلك الآثار ليزَوِّر التاريخ، فكما قاوم أهل الجبل مشروع روابط القرى في ثمانينيات القرن العشرين، فهم أيضا يقامون بالثقافة والامتداد عبر التاريخ والجغرافيا معا، فحركة المقاومة للمدينة حركة مستمرة، والسياق الذي جاءت فيه الرواية يبين ذلك في حديث الرواية عن تداعيات ما قبل الحرب والتي بدأت في جبل الخليل وكهوفها، حيث اختفى ثلاثة من المستوطنين، اتهمت “إسرائيل” بعض المقاومين من الخليل بخطفهم ثم قتلهم بعد ذلك!
إن ذلك الرجل التسعيني الذي يحفظ الأحداث المهمة ويسردها بحرقة، لم يكن إلا وجها آخر من وجه المدينة الزاخر بالمعرفة السياسية والتاريخية المعاصرة، فإن كان ذلك الحاج قد تحدث بإسهاب عن نكبات الفلسطيني، فقد أعطى دلالة ثقافية مهمة، تقف جنبا إلى جنب مع سعيد الظاهر وهو يتأمل لوحة “الفتاة الضاحكة” المعلقة في أحد مقاهي رام الله ويدعى “ملتقى عشاق القهوة”، إنه الإحساس بالجمال الذي رافق ابن الجبل في البيئة الطارئة!
وما بين هذين البعدين في الإحساس بالجمال والتاريخ، تتسلل إلى لغة الكاتب وعلى لسان السارد والشخصيات مجموعة من النصوص الأدبية شعرية ونثرية من مخزون الثقافة العربية الحية، فتحضر الأمثال العربية القديمة، والأحاديث النبوية والآيات القرآنية، والحكم، وكما وقفت الآثار القديمة بجمالها ودلالتها في تآلف تام فيما أشرت إليه من أمر اللوحة والقطع التراثية، تجد المواويل والأغاني والأمثال الشعبية حاضرة بتآخي الصياغة مع تلك المنتخبات من الثقافة العربية القديمة، لتبدو كل العناصر في تراصف يفضي إلى لحمة ثقافية مكتنزة تساهم في تشكيل الجسد الروائي الذي غدا جسدا صلبا متينا!
البناء الروائي
للغة في وعي الكاتب أهمية خاصة، فجوهر يرى أن “اللغة هويتنا ووسيلة إبداعنا وحاملة فكرنا، ويجب أن تكون حية نابضة”، ويتجسد هذا الرأي في أهل الجبل؛ إذ جاءت اللغة متينة السبك، واضحة، متسلسلة، لا تكاد تجد خطأ لغويا نحويا أو إملائيا، لغة تدل على شخصية كاتبها بالدرجة الأولى، وعدا ذلك فهي كانت حاملة لأفكار الكاتب ورؤياه، لغة واقعية لا تجنح إلى التصوير أو التهويل أو الزخرفة البيانية من أي نوع، وكانت تعتمد على سلاستها وجريانها بتدفق دون عناء، لأن الكاتب مشبع بالفكرة، وهما تتدفقان (الفكرة واللغة) معا ويتوغلان في وعي القارئ وفكره لتشكيل النص، ليبوح بما باح به فيه!
واستندت الرواية في بنائها الفني على تقنية السرد المباشر، يؤديها أحد شخوص الرواية، وهو سارد عليم بمفهوم النقد الروائي، يعلم الظواهر والبواطن، ويعرف الحدث قبل وقوعه، سارد لم يكن بطلا بالمفهوم التقليدي للبطولة، كان شاهدا على بطولة الجبل وأهل الجبل، إذ لا بطل تقليديا هنا ولم تعتمد الرواية على حكاية لشخصية ما، وإنما أراد الكاتب أن يمنح تلك البطولة للمكان والتاريخ والناس كشخصية عامة تمثلت في الخليل أرضا وتاريخا وإنسانا!
ومع ذلك الملمح الفني في الرواية استحضر الكاتب أدواته ليكون هناك شيء من مساءلة الواقع بأحداثه الراهنة الحقيقية، وليست الواقعية فقط، إذ لا داعي لنكتب خارج الحدث الحقيقي، وإن لم يرد الكاتب أن يؤرّخ للأحداث، لكنه أراد التعريف والبيان، ولم يصل الأمر في هذه النقطة بالذات إلى حد المسائلة المفصلية، وغلبت مناقشة الأفكار في حوار الشخصيات، ولم تحفل الرواية برسم أي ملامح خاصة لأولئك البشر المتحركين في الرواية، فلا تكاد تشعر بهم على المستوى الإنساني، فقد غلبت الفكرةُ، الفنيّةَ الروائيةَ، فبدت الشخصيات فكرية فقط!
لقد اعتمد الكاتب على البعد اللغوي كثيرا في رسم الشخصيات، فاختار لها الأسماء التي تتوافق والبعد الفكري في الرواية، وهنا أصبحت الشخصيات بأسمائها حاملة للمفاهيم الفكرية التي تحملها الرواية، فمن خولة، وراشد إلى سعيد الظافر وبهية عبد السلام، تقف الدلالات شواهد على الفكرة، فقد أنهى الكاتب إهدائه للرواية “وإلى الغزالة الباقية هنا”، والخولة هي الظبية كما جاء في المعجم، فارتبطت الشخصيتان معا في العتبة النصية الأولى (الإهداء) وفي المتن الروائي، فهناك ظهرت على المسرح الموصوف بالإهداء بأنه (هنا)، التي كانت تلك المرأة التي ساعدت السارد خلال رحلته إلى مدينة الخليل، وبرزت شخصيتها الفكرية وطبيعة أفكارها، عندما أخذ الكاتب ينقل لنا من كتاباتها التي تدونها على صفحتها في الفيس بوك، فبدت امرأة واعية متناغمة فكريا مع أفكار السارد.
أما الشخصية الثانية والتي رافقت السارد خلال رحلته إلى الخليل، فهو راشد البلد، وراشد كما يبدو من المتن الروائي شخص يعرف تفاصيل الجبل وأهل الجبل، وحتى فلسفة الأسماء ودلالتها للقرى والمواقع، فهو بطبيعة دوره في الرواية استحق اسم راشد، وهو الراشد فعلا، في وعيه ونضوجه ومعرفته التي رأيناها في الرواية.
أما الشخصية الثالثة فهي شخصية سعيد الظافر، وهنا الدلالة ضدية، وهي دلالة مقصودة، وقد عرّض الكاتب بهذا الاسم، لافتا النظر أنه لم يظفر بشيء، وبالتالي فإنه لم يكن سعيدا في البيئة الجديدة رام الله، في حين أنه لو بقي في الجبل/ الخليل لظل سعيدا ظافرا، فقرر العودة ليكون من اسمه نصيب، وتشترك بهية عبد السلام بجزء من هذه الدلالة الضدية، فقدت بدت امرأة مختلفة تماما عن نساء الجبل، وبرزت في تضاد كامل مع خولة العايد، بدت انرأة جريئة، رسمت ملامح جرأتها من خلال لغتها العفوية المنسابة، وارتيادها للمقاهي وطبيعة حديثها مع سعيد الظافر، فيخيل إليك أنها تتمتع بالبهاء، ولكنك تكتشف أنها امرأة مصنوعة على عين المرحلة والمدينة الجاذبة المركز وكأن المدينة والمرحلة هما بهية، أو كأن بهية هي صناعة تلك المدينة وهاتيك المرحلة، تلك المدينة التي شكلتها ثقافة السلام في مرحلة السلام، فيدت بهية عبد السلام نتاج المرحلة والمدينة الزائفتين، لتبدو المرأة هنا فكريا نموذجا إنسانيا هشا لأنها تعبر عن مرحلة ومدينة تعانيان من الهشاشة أصلا، فصار الاسم يدل دلالة عكسية على حقيقته، وكأن إبراهيم جوهر ذا اللغة المكتنزة بالموروث الشعبي يريد أن يقول “من برة ألله ألله ومن جوّة يعلم ألله”، فكان ذلك ينطبق على الثلاثة معا؛ المرحلة، صناعة المدينة، صناعة الشخصيات، بهذه التفاهة المحضة!
وبالانتقال إلى جانب آخر فيما يخص الشخصيات، فإن الدارس سيلاحظ أن الكاتب قد سيطر سيطرة كاملة على الشخصيات، فلم تفلت منه الشخصيات لتعبر حسبما يراد لها القدر الروائي، وذلك لأنها مسيرة بالكامل بإرادة مسبقة من سارد عليم يريد منها أن تقول وتفعل ما يريد، وربما يندرج في هذا السياق تلك النهاية المحكومة بالقدر الروائي المشار إليه سابقا، فقد انتهت الرواية باحتجاج من سعيد الظافر على ما شاهده في مشغل الخياطة، بدا المشهد باهتا إذ لم يكن هناك سبب مباشر أو قشة لتقصم ظهر البعير لتجعله ينتفض تلك الانتفاضة التي رأيناها ليعود أدراجه إلى حيث أتى، مختارا عن قناعة بلده وأصالته، إنها الفكرة التي فعلت كل تلك الأفاعيل!!
وبعد:
ربما لم ينته الحديث حول هذا العمل الموسوم ب “أهل الجبل” والمصنف على أنه رواية، ففيه الكثير من الجوانب التي توقفت عن الحديث فيها خشية الإطالة والإثقال على القارئ، ولكنها بالتأكيد عمل فنيّ ممتع وذو دلالة في وصف المكان بعموميته وفي مزاج أهله وثقافتهم، ينمي الذائقة ولا تخاف على نفسك من التورط إلا في حب الخليل وأهل الخليل، الذين يستحقون المجد والرفعة والجمال والحب، فيا نعم ذلك التورط الجميل، فهم عرق الوطن الأصيل والنابض حياة وشموخا!!

[1] صدرت الرواية عن دار فضاءات، عمان، 2014، وتقع في (164) صفحة من القطع المتوسط.
[2] من مواليد القدس عام 1957، حاصل على ماجستير أدب أطفال من جامعة القدس، ويعمل محاضرا في كلية الآداب للبنات/ جامعة القدس، صدرت له العديد من الأعمال القصصية، منها “الديك المغرور”، و”تذكرة سفر”، و”سر الغولة”، و”قمر السعادة”، وفي الدراسات الأدبية، صدر للكاتب “الأرض في القصة القصيرة الفلسطينية”. وإبراهيم جوهر من مؤسسي ندوة اليوم السابع في القدس، وهو مديرها الحالي.
بقلم فراس حج محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة