المعلّمُ الذي لا يُنسى!

د. محمود أبو فنه

تاريخ النشر: 31/05/23 | 13:02

المعلّمُ الذي لا يُنسى!
قيل عن المعلّم الجيّد الكثير…
هو صاحب رسالة سامية!
وهو مربّي الأجيال، وصانع المستقبل!
وقال أميرُ الشعراء أحمد شوقي:
قم للمعلّم وفّه التبجيلا – كاد المعلّم أن يكونَ رسولا
أرأيت أشرفَ أو أجلّ من الذي – يبني وينشئ أنفسًا وعقولا
وأثر المعلّم في تلاميذه – إيجابًا وسلبًا – يبقى ولا يُنسى مدى الحياة!
وهذا ما لمستُه وتأكّدت منه يوم أمس حين التقيتُ بابن بلدي الجدّ الوقور الذي رُزِق بدزينة من الأبناء والبنات الناجحين الذين تزوّجوا، جميعهم، وأنجبوا العشراتِ من الأحفاد الواعدين!
هذا الجدّ المكافح، ورغم مرور أكثرَ من خمسة عقود، لا يزال يذكر معلّمَه من المرحلة الابتدائيّة!
لأسباب عديدة لم يُكمل الجدّ تعلّمَه بعد الابتدائيّة، ومع ذلك، ذكرى ذلك المعلّم لا زالت عالقة وباقية في وجدان الجدّ!
إنه يذكر إلمامَ المعلّم بموضوعه وسعة اطّلاعه!
يذكر ابتسامته الرقيقة وتفاؤله!
يذكر حبَّه لطلابه وتشجيعَه الدائم لهم!
يذكر طرائقَه في تحبيب الدروس!
ويذكر القصائدَ التي علّمها ف”انغرست” في نفوسهم!

كم انفعلتُ واندهشت وأنا أسمع ذلك الجدّ الوقور البشوش وهو يُلقي على مسامعي أكثرَ من قصيدة، وأكثر من بيت شعر بصوت جهوريّ معبّر!
عشت مع الجدّ أوقاتا ممتعة وهو يستحضر تلك القصائد الرائعة التي نجح المعلّم في تحبيبها وترسيخها في عقول البراعم الغضّة!
فصدق القول: العلم في الصغر كالنقش في الحجر!
تلا الجدّ أكثرَ من قصيدة وأكثر من بيت شعر وعيونُه تُشرق بالأمل والتفاؤل والاندهاش!
حلّقتُ مع الجَدّ في أبيات حزينة للخنساء في رثاء أخيها صخر:
أعينيَّ جودا ولا تجمــــــدا – ألا تبكيان لصخر الندى
ألا تبكيان الجريءَ الجـميل – ألا تبكيان الفتى السيّدا
طويل النجاد رفيع العمـــاد – ساد عشـــــيرته أمردا
……..
وعشت معه أجواءَ البطولة والحبّ الصادق في أبيات من معلّقة عنترة بن شداد:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ – أم هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بعدَ تَوَهُّـمِ
يَا دَارَ عَبْلـةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمِـي – وَعِمِّي صَبَاحًا دَارَ عبْلةَ واسلَمِي
هَلاَّ سأَلْتِ الخَيـلَ يا ابنةَ مالِـكٍ – إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِـمَا لَم تَعْلَمِـي
يُخْبِـركِ مَنْ شَهَدَ الوَقيعَةَ أنَّنِـي- َأغْشى الوَغَى وأَعِفُّ عِنْد المَغْنَـمِ
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ نواهلٌ مني – وبِيضُ الهندِ تقطُرُ من دمي
فودِدْتُ تقبيلَ السيوفِ لأنّها – لمعت كبارقِ ثغرِكِ المتبسّم
…..

وشعرتُ بالحزن والأسى وأنا أُصغي لقصيدة الأرملة المرضعة لمعروف الرصافي:
لَقِيتُها لَيْتَنِـي مَا كُنْتُ أَلْقَاهَـا – تَمْشِي وَقَدْ أَثْقَلَ الإمْلاقُ مَمْشَاهَـا
أَثْوَابُـهَا رَثَّـةٌ والرِّجْلُ حَافِيَـةٌ – وَالدَّمْعُ تَذْرِفُهُ في الخَدِّ عَيْنَاهَـا
بَكَتْ مِنَ الفَقْرِ فَاحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا – وَاصْفَرَّ كَالوَرْسِ مِنْ جُوعٍ مُحَيَّاهَـا
مَاتَ الذي كَانَ يَحْمِيهَا وَيُسْعِدُهَا – فَالدَّهْرُ مِنْ بَعْدِهِ بِالفَقْرِ أَشْقَاهَـا
المَوْتُ أَفْجَعَهَـا وَالفَقْرُ أَوْجَعَهَا – وَالهَمُّ أَنْحَلَهَا وَالغَمُّ أَضْنَاهَـا
تَمْشِي وَتَحْمِلُ بِاليُسْرَى وَلِيدَتَهَا – حَمْلًا عَلَى الصَّدْرِ مَدْعُومًا بِيُمْنَاهَـا
…….
وعندما سألتُ الجدَّ كيف نجح ذلك المعلّم في “تحفيظ” طلابه هذه القصائد الجميلة أجاب:
لم يكنِ المعلّمُ يرغمنا على حفظ القصائد، لكنّه كان، وبأسلوبه الجذّاب الساحر، يحبّبنا بها، فنتفاعل مع كلماتها ومعانيها، فترسخ في نفوسنا، وتظلّ ترافقنا حتّى بعد مرور هذه الأعوام!
أبعد هذا، ألا يصحُّ القول: إنّ ذلك المعلّمَ، حقّا، هو إنسانٌ فنّان ومبدع، وذكرُه سيبقى حيّا لا يُنسى!!

د. محمود أبو فنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة