النرجسيُّ بيننا .!

يوسف جمّال - عرعرة

تاريخ النشر: 19/09/22 | 11:06

استمراراً للمقال الذي نشر بتاريخ : 22-9- 17
والنرجسيُّ لا يقرأ, لأنه مضطَّر ان “يسمع” بعينيه كلام الآخرين , الذين يفوقونه معرفة من الكتّاب والمفكرين , فحسب رأيه : طه حسين أعمى معتوه , وتليستوي مجنون , ومحمود درويش ” بياع حكي” ! ..والصحافة “هَبَل ” !
وهذا بالتالي يجعله قليل المعرفة بالمعارف والمعلومات .
وأذن فكيف يغطِّي المساحة الكبيرة من وقت الكلام الطويل , الذي يحتكره ويستولي عليه في جلساته مع مستمعيه !؟
بطريقتين :
الأولى – التكرار : حيث “يقطِّع” لحم الناس , فيحكي نفس الحكاية آلاف المرات , ولا يرحم مستمعيه .
والثانية – بالكذب : حيث يسوق حكايات لم تحدث , ويقتبس من كتب لم يقرأها , من برامج لم يسمعها أويشاهدها , أو روايات ينسبها للغائبين والأموات .
والنرجسيُّ لا يرى .. لا يرى إلا الأمور والأشياء التي يريدها , فمثلاَ لا يرى عمارة كبيرة لغيره يمرُّ بها , ولا أرضاَ متقنة العناية تصادفه , ولا سيارة فاخرة تمرُّ به ..
ألم نقل أنه لا يقدر على رؤية نجاحات الآخرين !؟
والنرجسيُّ لا يسمع .. فأذناه تعوّدتا على انتقاء المسموعات ..
المسمواعات التي تمدحه وتعظِّمه فقط .
فهو لا يستطيع سماع خطب الآخرين , حتى ولو كانت أروع الخطب وأبلغها .
ولا يستمع الى الأخبار لأنها لا تحكي عنه . ولا الأغنيات لأنها لا تغنّي له , وبلغ ببعض النرجسيين أنهم لا يؤمون المساجد لأن الصلوات تُؤدّى لغيره .. حتى ولو كانت لربِّ هذا الكون !
والنرجسيُّ يعلِّم زوجته وأولاده أصول النرجسية منذ الصغر ..
وأوّل الدروس الذي يلقِّنها لهم , هي كيل المديح والتهليل له في كلِّ مكان وزمان , في البيت في المدرسة , في أماكن لقاءاتهم مع أصدقائهم .
وإن لم يجدوا ما يقولونه , التجأوا الى درسه الأول لهم هو الكذب.!
فيصبح الكذب جزءاً أساسياً من حياتهم .
وهو بالمقابل لا يترك مناسبة إلا ويكيل المدائح لهم , فهم في قمة النجاح في معاهدهم في وأعمالهم وفي حياتهم .
ليس لأنه يحبّ أولاده أكثر من الناس العاديين , بل لأن يشعر أنهم جزء من نجاحاته وعظمته , وأنه هو الذي نجح في تربيتهم وصناعة نجاحاتهم .
وإن تعثَّروا في حياتهم , تجاهل سيرتهم وامتنع عن ذكرهم , خوفاً من أن يمسّوا ولو شعرة من كيّان العظمة , التي بناها بين الناس .
أما الزوجة فعليها أن لا تتوقَّف عن مدحه – في البيت أمام الأولاد , في المناسبات العائلية , في الأفراح والأتراح في أماكن العمل ..
فهو الزوج المثالي , والأب الذي لم تلد الأمهات مثله , فهو البطل المغوار , الذي يعرف كلّ شيئ , ويتقن كلّ ألوان المهارت . فتتحوّل الى طبلٍ فارغٍ يطبِّل له .
وإن نفذ مخزون مدائحها له , لجأت الى درسه الأول الذي لقَّنه لها من يوم أن عرفته :
الكذب .! ,
فتعتاد عليه ويصبح جزءاً من حياتهما ..
يكذب عليها وعنها .. وتكذب عليه وعنه !
وقد ينتفخ هذا البالون وينتفخ , حتى ينفجر ويدمِّر حياتهما ..
أما هو فيمدحها في كلِّ مناسبة ومحفل , ليس لأنه “يموت” في حبِّها , بل لأنه هو الذي اختارها , وأنَّها قطعة من هيبته , ووساماً يضعه على صدره , وجزءاً من تعظيماته لنفسه .
والنرجسيُّ ليس له أصدقاء حقيقيون .. فقربه لهم يتناسب طردياً أو سلبياً حسب كثرة مدائحهم له وسلبياً مع قلّتها .. فإذا تلاشت – ” قتل ” صداقته معهم .
والنرجسيُّ دائم القلق والتوتر .. لأنه يقضي معظم وقته في البحث عن مستمعين له , بعد تناقصهم , بعد أن ملّوه وكرهوه ..
ومنهم من أصابتهم الشفقة عليه ..
فقد سمعت أحدهم يقول :” أن قوايَ محدودة , وأنا لست طبيباً معالجاً لمثل هذه الحالات !” .
والنرجسيُّ هو في تكوينه ليس ديمقراطياً .. بل دكتاتورياً ..
متسلِّط لا يؤمن بحرية الرأي وإن إدَّعى ذلك .. لأنَّ الدكتاتورية تمكِّنه من التحكِّم بالآخرين , كي يحوِّلهم الى آذاناً صاغية لأحاديثه معهم التي لا تنتهي .
في الجزء الثالث سأكتب عن المصائب والكوارث التي يسببها النرجسيُّ لمجتمعنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة