النرجسيون بيننا ..

يوسف جمّال - عرعرة

تاريخ النشر: 17/09/22 | 15:14

النرجسية ظاهرة مرضية .. المصاب بها ,إما أنه لا يعرف أنه مبليٌّ بها , أو أنه يعرف وراضي بها ,لأنها حسب رأيه , تخدم ميوله وأهدافه ومصالحه ومطامعه ونفسيته..
فتراه في جلساته مع الناس , يسيطر على الجلسة , يتكلّم بلا فواصل أو انقطاع , ولا يعط لمجالسيه فرصة للكلام . ضليع في جميع المواضيع , يعرف كلّ شيئ عن كلِّ شيئ . فهو أكثر الناس فهماً في الذرة ,وعلم الجينات , والصواريخ العابرة للقارات , وعصور التاريخ ودهاليز السياسة .
غالبية حديثه تتمحور حول بطولاته في كلِّ المجالات , ويهزأ من الآخرين فلا يعجبه أحداً من الساسة والعلماء والمعارف والجيران .
وأكثر ما يكرهه نجاحات الآخرين , فكأنهم نهبوا نجاحاتهم من أملاكه .
حتى مجالسيه , يحاول إفهامهم بكلِّ الطرق أنهم أغبياء جاهلون , وعليهم الانصات له ليفهمهم حقائق الحياة وخفاياها .
وإذا حدث وأن “اغتصب ” أحدهم من لمحة من الوقت ليقول شيئاَ , فلا ينصت النرجسيّ له , بل يتشاغل عن حديثه بأمور أخرى , مثل البلفون , أو ينقطع الى سهوة , أو يميل بالكلام مع شخص يجلس بالقرب منه , حتي يغتنم أقرب فرصة مواتية , “ليختطف ” ناصية الكلام ثانية , ليوصل ما انقطع من حديثه السابق .
والمغالون في النرجسية يكرهون نجاحات الآخرين , ويكرهون أكثر أن ذكرت في حضرتهم من قبل أحد الحاضرين , فإنك ان نظرت الى وجوهههم , ترى ألوانها تتشكَّل وتتقطّب , وكأن المتكلم يقطَّع لحمهم .
الطريق الوحيدة لكسب مودَّتهم , ” ان استطعت أن تخطف فرصة للكلام من أنيابهم ” فما عليك إلا أن تكيل لهم أكيالاَ وقناطير من المديح .
فتقول للواحد منهم أنه : أعلم من أدسون , وأرجل من صلاح الدين , وأكرم من حاتم الطائي ..
وكلّ الرؤساء والسياسيين الكبار صغار أمام زعامته , وكلُّ الوجهاء أصفار أمام وجهه , وكلُّ الأذكياء أغبياء بالمقارنة مع ذكائه .
ويصبُّ جام غضبه ,على المجتمع والعائلة وأهل البلد وأبناء شعبه وشعوب العالم لأنهم , لم يمنحوه , حسب رأيه , حق قَدره العظيم , ولا يعترفون بمواهبه الفريدة , وبسببهم لم يصل الى المكانة التي يستحقها.
وقد يظنُّ البعض , أن هؤلاء النرجسيين سعداء في حياتهم .
ولكني على يقين أنهم أشدُّ الناس تعاسة ..
فهم يقضون حياتهم بشعور, أنهم لم يحصلوا على ما يستحقونه من الجاه والزعامة والممتلكات .
فهم يعرفون أن كراهية الناس تلاحقهم , فإن اقترب منهم أحد , كان في سبيل المجاملة , وتمرير وقته معهم بسلام متجنباً الصدام معهم .
وإذا حدث وأن عارضهم أحد في شيئ , فإنَّه سيتلقى أنواعاَ لا تحصى من التعنيف واللوم في حضوره ,الشتم والسباب غيابه ..
فهم في ذلك , يمتازون, عن غيرهم , لأنَّ ألسنتهم تطلق نيراناّ من السموم
واللعنات .
فإنك ان فعلت ذلك , فكأنك اختطفت لحمة من فمِّ قط مسعور .
وهؤلاء النرجسيون يعيشون في حالة دائمة من الشعور بالظلم , فالمجتمع لم يعطهم حقهم في الزعامة والرئاسة والقيادة والجاه .
فالبلد ملعونة لأنها لم تعطه رئاستها ..
والعائلة ملعونة لأنها لم تعطه زعامتها ..
والدائرة ملعونة لأنها لم تعطه إدارتها .. وهكذا ..
قد يصل البعض منهم الى مواقع ومناصب ذات شأن , ولكنه سيطلب المزيد والمزيد , وكلَّما ” أطعمته الحياة أكثر سيزداد جوعه وطمعه , وتزداد كراهيته للناس ..وبالتالي كراهية الناس له , فتزداد تعاسته ..
أما عن أصل وجذور النرجسية , فسأوافيكم به في مقال آخر أن شاء الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة