• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    الجنوح الى الظلام .!

    يوسف جمّال – عرعرة

    جلس على شرفة منزلهم ,التي تطلُّ على حاكورة وبيت جارهم أبي سليم , يراقب المصابيح التي تظهر نورها من بين الظلمات , التي تلفُّ بيوت وشوارع البلد ..
    كان العتمة الحالكة و السكون الثقيل يخيِّمان على المكان ..
    فجأة صادت عيناه شبحاً , يتحرّك بين كتل السواد , التي تغطّي حاكورة جارهم التي تمتدُّ أمامه .
    خرج هذا الشبح من باب منزل جيرانهم .. ومشى باتجاه السنسلة , التي تفصل حاكورتهم عن حاكورة بيتهم .
    هذه السنسلة كانت الوحيدة التي بقيت مبنية من حجارة صخرية “غشيمة ” .. ولم يُبنّى مكانها جدار من باطون , بسبب إصرار جارهم العنيد أن تبقى كما هي , رغم محاولات والده إقناعه بالتغيير .
    “سقط” عليه هذا الشبح من السماء ..وجد شيئاً يشغله بعد أن ” قتله السأم” , الذي وجد نفسه يتقلّى في فراغه قاتل ..
    ترك لعينيه مهمة مراقبة الموقف ..
    تحرَّك الشبح ملوّناً طريقه , بصور متحرِّكة من أشكال من العتمة .. وتوجّه نحو آخر السنسلة ..
    وعندما وصل , بدأت قرقعات خفيفة من الحجارة تصلِّ الى أسماعه .. كانت جمود السكون ينقل كلَّ هسهسة تصدر من حوله..
    كانت الصورة تتبدَّل أشكالها أمامه , لاحظ أنها تصغر وتكبر تتقلَّص وتمتد تهبط وترتفع ..
    سلّط عينيه وأسماعه نحو الأصوات والصور , التى تصدر عن الشبح الذي يتحرك أمامه , فعرف أنها لجاره , يحرّك حجارة السنسلة من مكانها ..
    فصمَّم أن يعرف ما كان يفعله , في هذا الليل البهيم وفي تلك الساعة المتأخرة منه .
    شعر أنه يقتحم أمراً خطيراً .. فتحذيرات أبيه من شرِّ جاره ترافقه منذ طفولته .
    لقد منعته عائلته من الاختلاط بهم أو التعامل معهم , فلم تكن بين عائلتي الجارين تبادل زيارات أو اشتراك بالمناسبات ..
    كانت تقتصر علاقاتهم , على تبادل التحيّات عند التقائهم في الطريق . كان يعرف أن جيرانهم حاولوا أن يبنوا معهم علاقة “جيرة” عادية . ولكن أباه منع ذلك بكلِّ إصرار .
    وهذا جعله يعيش في استغراب ودهشة طوال سنوات طفولته ..
    سأل أمه وإخوته الكبار ..” لماذا يُمنع من اللعب مع أطفال جيرانه. لماذا يُمنع من مرافقتهم في طريقه الى المدرسة !
    لماذا عوقب عندما أخذ برتقالة من زوجة جارهم , قطفتها عن شجرة حديقتهم المحاذية للشارع ”
    الى أن عرف السبب ..
    ************
    في أحد الأيام تجمَّع طلاب صفِّه في ساحة المدرسة , لتنظيم لعبة كرة قدم , وعندما بدأوا بتقسيم المشتركين الى فريقين , أعلن أنه “مش لَعّيب ” وانسحب من الملعب بسرعة ..
    وفي فرصة الاستراحة التالية جرّه أحد طلاب صفه من خناقه , الى أن ابتعدا بحيث لم يبق طلاب بقربهما ,وتأكدّ زميله من أن أحداً لن يسمعه , قرّب فمه من أذنه , وهمس في أذنه بصوت مرتجف:
    “أنا بعرف ليش ” بَطَّلت” تلعب – لأن سعيد ابن جيرانكم إختير في فريقك .!
    وبعرف ليش : لأنهم بقولوا ان أبوه في عصابة إجرام !” .
    أكمل الولد ” قَوْلَته ” ومشى .. وتركه جامداً في مكانه في دوامة , يستعيد ما سمعه عن جارهم وعائلته ..
    “وما هي عصابة الإجرام .!؟ أينما توجد , وكيف تكون !؟.”
    “لا بدَّ أن أعرف ! سأبحث عن معلومات عنها !” .. قال لنفسه بتصميم شديد .
    ولكن أين !؟ وكيف !؟
    ***********
    مرّت عدة سنوات , وهو يحاول أن يجمع معلومات عن عصابات الإجرام , ولكنه لم يحصل إلا على نتفٍّ من هنا وهناك لم تشفي غليله ..
    استنتج أن هذه العصابات تعيش في الظلام , ولا تظهر إلاّ عندما تريد ان تحصل على فريسة , تصطادها وتعود الى عالمها ..
    لأعضائها يوجد وجهان , وجه عادي يظهر لنا في النهار , ووجه آخر مخيف يظهر في الليل ..
    وظهور جاره بجانب السنسلة , وتحريك ونقل حجارتها في أعماق الليل , كانت فرصة له ربما من خلالها , يستطيع الوصول الى مزيد من المعلومات عن هذه العصابات ..
    **************
    فقرَّر أن يخوض هذه التجربة الخطيرة , رغم التحذيرات التي سمعها من كلِّ الذين جرَّب أن يحصل على معلومات عنها .
    جميعهم قالوا ” أبعد عن الشَّر..!” إنهم لا يعرفون الرحمة ولا يرحمون أحد !
    قرَّر أن يعرف ماذا أخبأ جارهم تحت حجارة السنسلة ..
    ************
    انتظر ليلتان يراقب المكان .. مرتا دون أن يشاهد أية حركة تحدث حول السنسلة ..
    في الليلة الثالثة قرَّر أن يغوص ..
    كان حمله ثقيلاً .. دقات قلبه المتسارعة , قدماه اللتان تأبيان أن تتحركا , الظلام الدامس القاعد على عيناي..
    ولكنه مشى يجرجر أذياله .. نزل درجات الشرفة المؤدية الى حاكورتهم – درجة ..درجة , كأنه طفل صغير ينزلها لأوَّل مرة ..
    وعندما لامست قدماه التراب , شعر أنهما تلتصقان به وتأبيان الإفلات منه .
    وفجأة .. وإذا بموجة من قوية تدفعه الى الأمام , لم يبق فيه قوة تستطيع مقاومة دفعها الشديد .
    فساقته بسرعة نحو السنسلة.
    وعندما وصل الى المكان .. المكان الذي كان جارهم يحرِّك حجارة السنسلة , عاد أطرافه ثانية الى حالة الجمود ..ربَّطهُ الخوف .. ضاعت منه يداه وأغلقت عيناه أبوابها ..
    وإذا بموجة أخرى عاصفة تجتاح قواه , وتفلت يداه من تصلُّبها..
    وانطلقتا تحملان الحجارة وتضعانهما على التراب المحاذي للسنسلة..كانتا تعملان بسرعة جنونيَّة ..و بقوة تستمدان طاقتهما من الخوف الشديد الذي يجتاح كيانه .
    حجر ..! حجران ..! الثالث ..
    وإذا بيدٍ تمسك بيده .. فسقط الحجر من يده على قدمه , فلم يشعر بألم ..
    لا .. ! لا تخف .!
    سمع همساَ حنون من وراء ظهره ..
    بقيَّ متجمّداً ..
    شعر بيدٍ كلُّها حنيّة وحنان تلامس وجهه .
    استعمل كلَّ بقايا قواه كيّ يميَّل وجهه قليلاً , ليمكِّن طرف عينه من لمح وجه الرجل , الذى يقتحمه من الخلف ..
    فاصطدمت عيناه بوجه جارهم أبي سليم ..كانت ابتسامة عريضة ترتسم على شفتيه .
    شعر أن موجة من الهلع تجتاح كيانه .. غامت عيناه وشعر أنه سيفقد توازنه , بعد أن فقد الإحساس برجليه , وأنه سيسقط على الأرض ..
    تقدم أبو سليم من السنسلة , وأكمل ما كنت قد بدأه أحمد من إزالة حجارتها , حتى بدأت تتكشِّف أمام ناظرية ألواناَ من الأسلحة والذخائر .
    تناول بارودة منها ومدَّها باتجاه أحمد ..
    هذه إلك ! همس أبو سليم .. وعيناه تحثانه على تناولها , ولا تتحملان الرفض .
    والتحق بركبهم .!

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.