• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    كلُّهم أحبوا سلمى .!

    جميع طلاب الصف أحبوا سلمى ..
    ولكن الذين حظوا بالتفاتة منها , لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة..
    ولم تكن هناك عدالة في توزيع حبُّها بيننا ..
    فقد تمرُّ أيام لا يحظى الواحد منا بالتفاتة منها ..
    وقد يأتي يوم تجعله يظن أنه هو حبُّها الوحيد .. فتغدق عليه من نعم الحب جنّات , فيقنع نفسه أنه قد ملكها ..
    ولكنها في اليوم الذي يليه , قد تتعامل معه, وكأنها لم تعرفه من قبل.!!
    سلمى كانت ملكة الصف بلا منازع .. ولم ترث ملكها من أحد ..ولم ينتخبها أحد .. ولم تفرض نفسها على أحد ..
    كانت تتربع على عرشها , كأنه خلق من أجلها , وهي خلقت من أجله, ولا يمكنك تخيّله بدونها , ولا يمكن تخيّلها لا تجلس على كرسيه العالي ..
    وسلمى لم تكن أجمل بنات الصف شكلاً , ولم تكن أكثرهن ذكاء أو تفوقاَ في الدراسة, ولكنها كانت أكثرهن حضوراً , والقائده التي تفرض شخصيتها على الجميع ..حتى المعلمين والمعلمات سلموا بقيادتها .
    واصطدامها مع جهاد كان حتمياً ..
    فجهاد أبن مختار البلد ..وهذا جعل كل من حوله يتعاملون معه على هذا الأساس – عائلته , أهل البلد , المعلمون , الطلاب – ..
    “وابن الزعيم.. زعيم .!” .. قول كان يُسمع في كل مكان .!!
    وكل من حوله سلَّم بزعامته.. إلا سلمى .!!,
    ولكننا – في الصف – شعرنا ان هنالك علاقة خفية تربط بينهما – بين جهاد وسلمى – حاولنا ان نتحسسها .. ان نحلَّ طلاسمها , فلم نستطع ان نربط خيوطها , فبقيت تسبح في فضاء الصف , وعجزنا عن الامساك بها .
    سألني ابن صفنا أحمد مرة والحيرة تقطع قلبه: سلمى هل تحبُّ جهاد أم تكرهه .!؟
    فسكت عاجزاَ عن اسعافه بجواب .. وظل كغيره من طلاب الصف غارق في حيرته .!!
    حتى كان يوم ..
    .. دخل مربي صفَّنا – الصف الثامن- , وطلب منّا ان نختار بين رحلتين : الى الى طبريا والشمال, أو الى تل أبيب والمركز .. فانقسم الصف الى فريقين : سلمى وفريقها الى الشمال , وجهاد ووفريقه الى المركز ,
    فقرَّر المربي ان تكون الرحلة حسب رأي الأغلبية ..
    وكانت هذه المرة الأولى , التي تخسر فيها سلمى معركة .. والمرة الأولى التي يفرض عليها أمراً لم ترغب به .!!
    ولكن سلمى ليست من الذين يستسلمون .. فقررت ان تدخل في معركة مع جهاد ..
    وفي اليوم التالي , بينما كنت أتجوَّل معه في ساحة المدرسة, حيث دعاني جهاد لأشاركه احتفاله بفوزه أمس بمعركة الرحلة , وإذا بسلمى تقترب مّنا , وتوجه لي كعادتها في التعامل معنا أمراً:
    ” تعال عاوزتك ..!!”
    فهمس أحمد في أذني صرخة, كادت أن تخترق طبلتها :
    ” ترُحِّش ..!! ”
    فسلطت نحوي عينين , تطلقان نظرات تفلق الصخر, تختلط فيها أمواج من التهديد والوعيد والانتظار ..
    فلم أستطع الصمود , فتركت جهاداً ورائي “متسمرا” يشرب كأس القهر والذهول في مكانه , وتوجهت نحوها ..
    وقبل ان أقترب منها , مشت خطوات الى الأمام, ” لتسحبني ” خلفها مسافة , جعلتها تتأكد أننا بعيدين عن مجال سمع جهاد ..
    قالت بلهجة لا تحتمل الاعتراض أو المناقشة :
    “ماتمشيش مع جهاد ..! هذا أبوه جاسوس .!! “.
    وعندها أنقذتني رنّات جرس المدرسة , معلنة انتهاء زمن الاستراحة ويداية الحصة , أسرعت الى الى غرفة الصف ” هارباً” من نظرات جهاد, التي تأكدت من ملاحقتها لي , دون ان اجرأ على النظر الى الوراء.
    وعندما انتهت الحصة, تقدم مني جهاد , وسألني بلهجة يملأها اختلاط من العتاب والتهديد:
    ” شو قلتلك .!؟ ” .
    فأجبته وأنا ” أسحب ” وجهي من هجوم عينيه الجامحتين :
    ” لا شيئ .!” .
    أنت تعرف أنني ” لما بدّي ” أعرف شيئ أعرفه .!! ”
    قال وهو وهو يتركني رجعاً الى مكانه , يجرُّ ورائه أثقال الخيبة والحقد والوعيد .!!
    وفي طريقنا عائدين من المدرسة الى بيوتنا ,أسرع خطاه ليلحق بي..
    مدَّ رأسه ليقترب من أذني وصرخ هامسا :
    ” إبن جاسوس ..ها .!؟ ” .
    وتركني “أتمرمغ” في أوحال حيرتي , حول كيفية وصول ما قالته لي سلمى إليه .
    ولما أنهينا الصف الثامن .. تفرقنا الى ثانويات في بلدان مختلفة , لإفتقار بلدنا لواحدة منها ..
    ولم تصلني من أخبار طلبات وطلاب صفي إلا نتفاً , ولم التقِ بهم الا قليلاً , نتبادل تحيات أوبعض ذكريات سريعة , فرضتها بقايا حنين لم يمحه النسيان .
    ولكن أخبار جهاد اخترقت ذاكرتي بعنف ,عندما تناقلت وسائل الإعلام أخبار اتهامه بتفجير احد المصانع , في إحدى المدن في البلاد.. والحكم عليه بالسجن لسنوات طويلة ..
    أصبت بصدمة وذهول .. جعلتني أعيد الى ذاكرتي شريط ذكرياتي في صفوف الإبتدائية, وخصوصا العلاقة بين سلمى وجهاد ..
    واستغربت اختياره لي لأكون محاميه .. وذلك لأننا افترقنا في نهاية سنتنا الابتدائية الأخيرة, ونحن في علاقة متوتره , لا يسودها الوفاق , وتفارقنا دون وداع , وذلك بسبب انضمامي الى حزب سلمى .. وعندما قابلته في سجنه لأول مرة كان سؤاله الأول :
    ” ماذا يقولون عنّي في البلد ..!؟ ”
    وسرعان ما انتقل الى السؤال , الذي أراد ان يصل إليه , والذي كان ينتظر جوابه على أحرِّ من الجمر:
    “ماذا قالت سلمى , عندما سمعت أخبار اعتقالي .!؟” .
    فأصابني الذهول , عندما تأكدت ان اهتمامه برأي سلمى فيه , كان أكثر من اهتمامه بمصيره في قضيته .
    ولما استنتج , أنني لا أستطيع ان أروي عطشه لأخبار سلمى , طلب مني بعد تردد شديد ,ان أتصل بها وأسألها باسمه عن أخبارها , وأزوِّدها بأخباره, فوعدته بذلك .
    ولكني لم أجد الطريقة للوفاء بهذا الوعد.. ولما لاحظ أنني لم أثر هذا الموضوع , تأكد أنني غير راغب في الخوض فيه , فلم يطرقه مرة أخرى.
    حتى جاء يوم ..
    رنَّ هاتفي النقال , وعندما تفحصت رقم المتصل , تبيَّن لي أنه رقم غريب عني ..
    “أنا سلمى ابنة صفِّك .!!” .
    صوت له صدى في نفسي تسلل الى أسماعي .. كان نفس الصوت الذي فارقني منذ سنوات طويلة ..
    ” كيف لا أذكرك يا سلمى.. يا ابنة صفي .!؟ “.
    قلت وأنا أنتشل الكلمات , التي ضاعت في بحر ذهولي , من المفاجأة غير المتوقعة التي هاجمتني .
    ذكرتني باسلوبها القديم بالتعامل مع أبناء صفنا , ولكن في هذه المرة كان تشوبه لمسات من الحزن .
    حددنا اللقاء بعد يومين في بيتي . . وأصرَّت أن يكون في الليل.. وان يكون لنا بعض الوقت نخلو به لوحدنا ..
    وكانت تقصد ان لا تشارك زوجتي – على الأقل – في جزء من اللقاء ..
    فوعدتها ان أنفذ كل ما طلبته .!! .
    وحضرت سلمى في الوقت المحدد ..
    كانت كما هي بوجهها الأبيض المربوع , الذي أصبح أكثر اتساعاً, بحيث أنك لا بد ان تتوه في بحر صفحاته , وعيناها اللتان تشعان اخضراراً قاتلا طالما عانينا – في طفولتنا – من سهام ضرباته , وشعرها الأشقر الشيطاني , ما زال- كما هو- ينساب, بحرية لا تقاوم,على عنقها الطويل , ويستمر بالجريان حتى يكاد يغطي ظهرها كله.
    وفور جلوسنا قالت بسرعة , مستغلة انشغال زوجتي في تحضير القهوة:

    “أريد ان أزوره ..!
    من .!؟
    جهاد ..! قالت وهي تغرز عينيها في وجهي , لتفحص ردّ فعلي..
    ” أنه في السجن .! !”

    ” أعرف .!” قالت محاولة ردَّني الى نباهتي .
    وضعت زوجتي القهوة أمامنا على الطاولة , وانسحبت بهدوء الى المطبخ .لأنها فهمت ان موضوع حديثنا لا يحتمل وجودها معنا .
    “ولكنك تعرفين انه سجين أمني, ولا يُسمح بزيارته إلا لوالديه وزوجته وأولاده..!” .
    قلت محاولاً إرجاعها الى حقيقة , ربما غابت عنها .
    أني أعرف كل ذلك .!!” ردَّت ردَّ الذي يعرف ما يريد.”
    وكيف إذن ستزورينه .!؟
    “سأتزوجه .!”رمت قنبلة في وجهي , فشلَّت كل حواسي , وجمدت كياني ..
    “مالك صامت لا تتكلم .!؟ ولم تعلِّق على ما قلت .!؟”حثَّتني على الرَّد عليها دون شفقة أو رحمة.
    ” ولكنك متزوجة .!” قلت كأني وجدت شيئا أحتمي به منها .
    “لقد تطلَّقت .. ولم أعد متزوجة .!!”
    ردَّت مبطلة سلاحي الذي حاولت أن أحتمي به.
    “وكيف عرفت أنه سيوافق على الزواج منك .!؟” سألتها مستعملاً آخر أسلحتي معها .
    “سيوافق .!!” قالت بلهجة المتأكدة .
    وكيف ستتم إجراءات الزواج .!؟” سألتها. ”
    “هذا الذي جئتك من أجله .. ألست محامياً .!؟ المحامي الذي وكلك للدفاع عنه .!؟” .
    ضربتني ضربة قاتلة , كانت قد بيتتها لهذا الموقف .
    سكتت لبرهة قصيره لتجعلني “أوخذ نَفَسي ” , لتعدَّني لاستقبال ضربتها القاضية .
    “ولكن لي شرط واحد على هذا الزواج .!!” أكملت وهي ترميني بسهام عينيها القاتلة .
    ما هو .!؟” سألتها بعد ان شعرت ان صبري سيتفجَّر .”
    “أن يطلِّقني حالاً بعد خروجه من السجن .!!” .
    فقمت من مكاني هارباً من وجهها , تاركاً لزوجتي الفرصة لتريحني منها .
    وتزوجت سلمى جهاداً .. ودأبت على زياته كل شهر .. ولم يبقَ على خروجه من السجن سوى سنتين .. فهل سيفصل الطلاق بينهما .!؟

    قصة بقلم : يوسف جمّال – عرعرة

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.