• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    الخبز والعمل ..!هنا ينام ..!

    أذا مسحتم قليلاَ من الغبار ,الذي يغطي حجارة قبر منسي,على الطرف الغربي من مقبرة بلدنا, ودققتم النظر في حجارته ,ستجدون هذه الكلمات ,مكتوبة عليها,بأحرف أكلتها الأيام ,حتى كادت تمحوها : ” هنا ينام رجل أسمه : الخبز والعمل !” .
    أني أرى الآن في خيالي ,سحب الأستغراب والدهشة التي قفزت الى وجوهكم .. ” الخبز والعمل !؟ ” .. أسم رجل.!؟
    توافقوني بدأ عمي أبو زهير روايته ..رواية الحلواني , لو كان لا يحمل هذا الأسم الغريب ,لكان مثل آلاف الناس ,الذين عاشوا في بلدنا, وماتوا, وآثارهم ذابت في جريان ,تيار تاريخها الرتيب .
    بالطبع لم يكن هذا الأسم الذي ولد معه .. ولم يختاره هو ..حتى أنه لا يعرف من الأول, من سكان البلد الذي أطلق عليه هذا الأسم .
    “هي وقائع الأيام ,التي طبعت عليه هذا الآسم ..!! ” هكذا تابع عمي أبو زهير حديثه .. آخر المتبقين من جيل أحمد ابوالحلاواني” .. عندما طلبت منه أن يقص لي قصته ..
    وأسم ” أبو الحلواني” له قصة :
    بدأ عمي أبو زهير يروي حكايته .. وعيناه تغوصان عميقا لتغرفان من ماض بعيد ..
    كان ذلك في بداية النكبة ..واستيلاء اليهود على بلاد وأراضي العرب وطردهم منها..
    صادرت السلطات أرضه في الروحة جميعها ,ولم تبق له منها ” لا باع ولا ذراع” .
    فصار يزرع في أراضي غيره ..فكان أذا فلح أرض الأقطاعي .. ” أكله ” ,ولم يُبق له مؤونة, تسكت بطون سبعة من عيال على المسطبة ,وأذا أخذ قطعة أرض على ” الضمان ,” أكل” انحباس الأمطار ,وحشرات الأرض وآفاتها نتجها.
    وكان البصل آخر جولة له في ميادين الزراعة .. قلعه ,ونشره على سطح بيته, المطل على الشارع الرئيسي للبلد ,فلما قامت مظاهرة في البلد, احتجاجاَ على قتل أطفال صندلة من قبل الجيش .
    وبدأ حرس الحدود ,برمي المتظاهرين ,بقنابل الغاز المسيل للدموع ,صعد ابو الحلاوي ,وبدأ يرمي برؤوس البصل باتجاه المتظاهرين , وهو يصيح :” يا أبن عرعرة يا بطل ..عندهم الغاز, وعندنا البصل ..!!”.
    وظل يرمي ببصلاته للمتظاهرين, حتى لم يُبقِ منها شيئاَ ..!
    أشار عليه أحد الذين أوجعهم حاله, أن يترك الزراعة ومصائبها, ويمتهن التجارة ,لعلها تنشله من براثن الفقر , فاقتنى جحشاَ , ووضع على ظهره خرجاَ , وضع فيه رطلين من الحلاوة , ودار في طرقات البلد وأزقتها ,وهو يصيح : حلاوة .. حلاوة لكل من يحب الحلاوة .. !!”
    ثم يضيف ,وعلامات اللذة تتراقص ,على تقاطيع وجهه : “أِلي معها توكل, ولي ما معها توكل ..!!” فهجمت نساء البلد, على حلاواته ,على مبدأ : ” أِلي أِبلاش كثرْ منه..!! ” ” فطارت ” الحلاوات في أول زقاقين, من أزقة القرية , ولم بقيت علبة ” الغلة ” خاوية ,ألا من قروش معدودة ,لا تقترب من مقدار رأس المال.
    “الناس بشتغلوا عند اليهود..!” قالت له زوجته .. محاولة أفهامه أن باب التجارة , لا يستطيع النفاذ منه , والأفضل له أن يبحث له باباَ آخراَ للرزق ..
    “ولكن يا أم أحمد .. لا يعطون التصاريح ,ألا لقلة من أعوانهم , وبعد أن يعصروهم مثل الليمونة ..!” أجابها بنغمة يختلط فيها المرارة واليأس.
    ولكن تحت وطأة ” جوع ” زوجته وأولاده , قرّر أن يجرّب حظه ,فذهب والتحق بجموع ” الغلابة ” المنشورين تحت لهيب الشمس, في ساحة مركز الشرطة , منتظرين “رحمة” العسكر , كي يظفروا بتصريح عمل, يمكنهم من لملمة لقيمات تخفف من عناء عائلاتهم .
    قضى ثلاثة أيام ,تحت لهيب الشمس, من مطلعها حتى مغيبها , في الساحة التي تحيط بمركز الشرطة ,منتظراَ أن ينادى على أسمه ,ليدخل الى “المسلخة ” ,كما كان أهل البلد يسمونها , وفي نهايتها أُذن له بالدخول , وقبل ان يتمكن من الوقوف, صرخ به الضابط ,الذي كان يجلس وراء الطاولة :
    – ماذا تريد ..!؟ بسرعة ” خلصني ” !
    – تصريحاَ – يا سيدي ..
    – لماذا تريده ..!؟ قل بسرعة ..لا وقت لدي ..! قاطعه ..
    – للشغل .. ! رد برجاء مقهور .
    – اليوم ما في تصاريح ..! أرجع غدا ..! نادوا أِلي بعده.. ..أكمل دون ان ينتظر خروجه من المكتب .
    خرج من مكتب الضابط, وعواصف من قهر المحموم ,تعصف به ,وتهز كيانه , شعر أن بركاناَ يغلي في داخله , بدأ يعلو ويعلو . وأنه على شفا الأنفجار , حاول خنقه , ولكنه أجتاح كل السدود, التي وضعها أمامه .. فصار يصرخ من قحف رأسه : ” الخبز والعمل ..! نريد الخبز والعمل ..! الخبز والعمل مطلبنا .. ! لن نغادر هذا المكان قبل أن نحصل عليها..! “.
    تجمع المتواجدون في الساحة حوله .. في البداية , أعتقدوا ,ان مساَ من الجنون قد أصابه .. ولكن مزيداَ من الأصوات ,بدأت شيئاَ فِشيئاَ, تنضم الى صوته , وصارت تزيد وتزيد .. وانضمت اليها جموع غفيرة من البلد والقرى المجاورة , حتى تحولوا الى تيار جارف, أحاط بمقر الشرطة كالسوار , وهم يصرخون : ” الخبز والعمل ..!!” ” .. لن نخرج من هنا ,دون أن تُنفذ مطالبنا .. الخبز والعمل ..! الخبز والعمل . .! الخبز والعمل..!”
    تقدم شاب وطويل القامة وقوي البنية , و”تناول ”
    “أبوالحلاوي” ورفعه وأجلسه على كتفه , فتمكن من مشاهدة سيل الجماهيرالذي يحيط به, وعندما لاحظ أن كل العيون تتجه أليه, صار يهتف عالياً , بكل ما لديه من قوة , وكل الحناجر تهتف وراءه :
    الخبز والعمل ..! الخبز والعمل ..! شعبنا البطل يطالب بالخبز والعمل ..!!
    خرج بضع أفراد الشرطة , محاولين أسكات صوت الجموع الجبارة , ألا أن هدير الجماهير أبتلع أصواتهم , وأصوات أسلحتهم , فدخلوا الى داخل مقر الشرطة ,وأغلقوا أبوابه خلفهم .
    واتصلوا بقيادتهم المركزية ,كي تخلصهم من الجماهير الغفيرة ,التي تحاصرهم .
    ولما حضرت قوات الجيش والشرطة .. تلقتها الجماهير الثائرة بصدورها .. وأشتعلت معركة بين الجانبين .
    المتظاهرين بالهتاف والحجارة ..وأفراد الشرطة والجيش بالقنابل الغازية ,والأسلحة النارية .
    ولما تحقق الجنود من أن الحلواني , المرفوع على أكتاف ألرجال , هو قائد المظاهرة , أطلقوا عليه النار فسقط في أحضان الرجال .. وهو يهتف : ” شعبنا البطل .. يطالب بالخبز والعمل ..! شعبنا البطل يطالب.. بالخبز والعمل ..!”
    وبعد أيام مات .. وقبل أن يمت , أوصى أن يكتب على ضريحه :
    هنا ينام رجل اسمه : ” الخبز والعمل ..!”

    قصة بقلم : يوسف جمّال – عرعرة

    .

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.