• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    سرُّ بيتنا القديم

    أمس كان آخر أيام بيتنا القديم ..
    قرَّر أبي هدمه كي يبني مكانه بيتاً جديدً .. سيقيم فيه أخي , بعد زواجه القريب ..
    و أخيراً عرفنا السِّر المدفون فيه, منذ سنوات طوال .
    إثنان كانا يعرفان هذا السر .. جدّي والبيت القديم .
    تجمع أهل الحارة .. والحارات المجاورة , أثناء عملية الهدم , آملين أن تنكشف لهم بعض من أسراره .
    لعبنا , نحن أطفال الحارة , حوله ولم ندخله ..
    قال لنا الكبار , ان جِنيّة تسكنه .. ولم يدخله أحد ,منذ أن تركه جدّي , وانتقل ليقيم معنا , بعد ان توفيت جدّتي .. بذل والدي جهداً مضنياً, حتى أقنعناه بتركه .
    ولم نراه يدخله بعد ذلك ..
    وتأكدنا من وجود الجنيّة في البيت, عندما حاولت جرارات الدولة اقتحامه من أجل هدمه , وفتح شارع للمستوطنة , التي بنوها فوق بلدنا على قمة الجبل .
    تقدَّم الجرار الأول من البيت , وعندما أصبح على بعد أمتار منه , تجمَّد مكانه كأنه صخر غشيم , لم يتحرك الى الأمام شبراً واحداً , وكل محاولات سائقه والفنيين ,الذين استدعاهم لمساعدته في تحريكه , باءت بالفشل .
    استدعوا جرارات أخرى , فحدث لها ما حدث للتي قبلها ..
    كان جدّي يراقبهم, وابتسامة سخرية , ترتسم على شفتيه
    وبعد انساحاباتهم المتعددة خائبين , كان جدي دائماً يعلق قائلاً : “هذا بسبب الجَعّارة..! ”
    وعندما سألته , من تكون الجعّارة هذه , وماذا يعني بهذا القول, سكت وانسحب الى غرفته , التي لا يخرج منها إلا نادراً.
    وعشنا مع جِنيّة البيت في سلام – هي في بيتها لا تخرج منه .. ونحن لا ندخله !
    قبل ان تفارقنا جدّتي, حكت لي قصصً كثيرة, عن جدّي في أيام الثورة .
    إحداها عندما أنقذ عشرة ثوار, كانوا محاصرين على الجبل .
    ركب فرسه , وتناول بارودته , وركب حصانه, وطار الى الجبل المقابل , وبدأ بإطلاق النار باتجاههم , متنقلاً من موقع الى موقع , حتى يظنوا ان الثوار ,استطاعوا التسلل ,الى الجبل المقابل , فركبوا سياراتهم ,واسرعوا باتجاه الجبل ,الذي أطلق منه النار .
    وبذلك انقذ الثوار , الذين انسحبوا آمنين .
    أما هو فغادر المكان مسرعاً , ودخل بيته, واختبأ في خابية القمح.
    فتش العسكر القرية بيتاً بيتاً , فلم يعثروا على أحد من الثوار , فغادروا البلد .
    ذات يوم , وكان ذلك في العاشرة من عمري ..
    اقتحم صديقي أحمد غرفتي ..واقترب من أذني وهمس :
    – زَلَمي ..!
    – شو بِدّك ..!؟
    – ندخل على بيت جدِّك .!
    – مجنون .. ! والجِنيَّة .!؟
    – مبين بتأذيش أحد .! بنطل شوي وبنرجع .!
    – وينته ..!؟
    – في الليل ..!
    بعد صلاة العشاء . كنا – أنا وسعيد – على باب البيت القديم.
    دخل أمامي , يشق طريقه من بين كتل الظلام ,التي كانت “تكبس ” على المكان , مددت يدي كي أمسك به , كي لا نضيِّع بعضنا , في قاع هذا الظلام المخيف , وعندما مسكت بيده , اجتاحني ارتجافها الشديد , فضاعف أمواج الخوف التي كانت تسري في عظامي , فشعرت أني على شفا الإنهيار .!
    – تعال نرجع ! همستُ , وأنا أشدُّ بيده الى الوراء.
    – مالك .!؟ خايف ..!؟ قال بصوت مرجوج , وهو يستمر بالسير الى الأمام .
    وعندما أعاقت أقدامنا, كتل الحجارة والطين ,المكوَّمة على مصطبة البيت , أضاء سعيد مصباحاً صغيراً كان معه.
    ضوء المصباح, رسم على حيطان البيت ,صوراً و أشباحً تصغر وتكبر , تمتد وتتقلَّص مغيِّرة أشكالها , فتحوَّل خوفي الى هلع شديد.
    – وَقْفوا .!! وارفعوا إيديكم ..!! فجرَّ صوت هادر ,سكون المكان ..فتحولنا الى كتل متصخِّرة , من الخوف المذبوح .
    تسللت عيني الى الأمام ,كي تسرق لمحة , من مكان مصدر الصوت ..
    كان هو..
    جدّي ..!
    كان جدّي واقفاَ بالبالطو الطويل, كأنه جبل أُقتطع من عزرائيل , رافعاً رأسه الكبير الى أعلى , كمثل حوت طار من البحر, شاهراً بندقيته , التي كانت مصوّبةً نحونا.
    صنع مع صور الأشباح و الظلال , التي تتشكَّل وتتحرك على حيطان البيت .
    فزادت من خوفنا وهلعنا أضعافاً , فشعرت أن , رجلاي لم تعد قادرة على حملي , وأني على شفا الإنهيار .
    وعندما ” قَشَعَنا ” ..صرخ جدي :
    – شو مْفَوِّتكم لهون ..!!
    صرخته هزَّت أركان البيت , وحوَّلتنا الى أصنام متحجرة .
    أنزل جدّي البندقية , وغاب عن أعيننا للحظة خلناها الدهر , ورجع بدونها .
    فعرفنا انه يخبئها في مكان ما في البيت ..!
    فتقدم مني , وأخذني بيده , دون ينطق ولو بكلمة واحدة , وقادني على أضواء مصباح سعيد , لذي كان يتبعنا الى خارج البيت القديم , وأوصلني الى فراشي .
    وعرفنا انه يتسلل ليبيت في البيت القديم .. وأدركنا اننا يجب علينا حفظ سرِّه هذا !
    ولم ندخله بعد ذلك ..!
    ولكن رغبتنا الشديدة , في العثور على البندقية, ظلت تراود أحلامنا ..
    وعرفنا أن أبي , يلحُّ في إقناع جدّي بهدم البيت ..ولكن دون جدوى ..كان يقول :
    “لن يهدم البيت وأنا حي .! ” .
    سنة كاملة , ظلَّت روح جدّي تحمي البيت, وتخيف كل من يحاول التفكير في هدمه .
    ولكن بعد انتهائها استطاع والدي , وبعد تردد شديد , أن يتغلَّب على مخاوفه , ويقرَّر هدم البيت القديم , وبناء بيت جديد لأخي ,المقبل على الزواج قريباَ ..
    وأخيراً جاء يوم الهدم ..
    كانت جميع أعين أهل الحارة , تراقب ماذا سيحدث للجرار, الذي بدأ أسنانه ,تقترب من حيطان البيت ..
    ولكن في هذه المرة , استطاع الجرار , اسقاط الحيطان , وتحويلها الى ركام منثور.
    وقفتُ – انا وصديقي سعيد – نراقب الموقف, منتظرين ظهور البندقية , التي لا يعرف سرِّها سوانا ..
    ولما غادر الجرار المكان , صحت بسعيد : ” دوِّر عليها بين ركام الخابية .!” .
    وإذا بسعيد , يرفعها من بين ركامها .. !
    أسرعنا هاربين بها من أعين المتواجدين , خرجنا من الحارة الى المقبرة ,وهناك وضعناها تحت الحنفية , حتى نَظِفتْ من التراب ,الذي كان يغطيها .
    فتكشَّف لنا السِّر, الذي كان جدي قد نحته عليها :
    ” الجَعّارة ..! ” ..جَعّارة الروحة ..
    بلد جدتي المهجَّرة , قبل ان يتزوجها جدّي, وانتقالها للسكن معه في بيتنا القديم قي بلدنا..والتي روت لي الكثير , عن حياتها فيها , وعن تشتت أهلها, بعد طردهم منها بعد النكبة .
    وفي طريق رجوعنا , أخبأنا البندقية , بين حجارة سنسلة كرم زيتوناتنا ..
    “ليش بتبكي .!؟” سألني سعيد ,بعد ان رأى سيلان الدموع من عيوني.
    ” على بيتنا القديم ..!” أجبته, وبركان البكاء المحموم, ينطلق من مكانه المحبوس .

    قصة بقلم : يوسف جمّال – عرعرة

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.