• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    الدكتور محمود أبو فنه يسترجع ذكريات كفرقرع

    أبى الجيل الذهبيّ، المتعلّمون الأوائل المربّون من الرعيل الأول والذين شكّلوا معا الرافعة الأساسية في الصعود والنهضة في كفرقرع، البلدة “المتعلّمة” التي تنافس أهمّ المدن والقرى في البلاد من حيث المستوى التعليميّ، ان يتركوا كفرقرع ويجلسون جانبًا تاركين الجيل الحاليّ في مهمّته لبناء مجتمع صالح وحده، فلازال في مكنون هذا الجيل الكثير ليقدموه للبلدة التي تفخر بهم.

    فكما ساهم هذا الجيل في ما وصلت اليه قرية كفرقرع التي حازت على فخر “القرية المتعلّمة” لأنّها تعتبر من أكثر القرى والمدن من حيث نسبة الخريجين الجامعيين وخريجي موضوع الطب خاصة، كان لا بدّ أن نسلّط الضوء على هذه الشخصيات العريقة التي بذلت جهدها لتخرّج جيلا متعلّما محبّا للعلم، رغبة منّا لإطلاق العنان لكلمات شكر عجزت إلّا أن تكون بهيئة تفاصيل وذكريات تخصّ تلك الشخصيات.

    الدكتور محمود أبو فنه، من المربّين الأوائل الذين ساهموا في نهضة كفرقرع، يملك باعًا كبيرا في كلّ ما يتعلّق في التعليم، من طالب ناجح الى مربٍّ كادح ثم إلى مفتش نشيط خدم التعليم العربيّ بكلّ ما أوتي من حكمة، والآن هو عضو فعّال ورئيس لجنة في مجمع اللغة العربيّة – الناصرة، كذلك يشارك في فعالّيّات ونشاطات محلّيّة وقطريّة متنوّعة.

    ولد الدكتور محمود أبو فنه عام 1945 في قرية كفرقرع، واليوم هو والد ل 5 أبناء ذكور أنهى جميعهم التعليم الجامعيّ ولديه 14 حفيدًا وحفيدة، المربّي أبو فنه أنهى تعليمه الابتدائيّ في مدرسة كفرقرع الابتدائية ونجح آنذاك في امتحان كان يعدّ للصفوف الثامنة، حيث شجّعه هذا النجاح لمواصلة دراسته لأنّ ذلك يعني أنّ الطالب أصبح معفيّا من الأقساط التي تدفع في الثانوية وشجع عائلته بالمثل على تأمين كافة الاحتياجات لابنها من أجل ارتياد الثانوية واستكمال مشواره العلميّ، فقد توجّه بعد ذلك الى الثانوية في طيرة المثلث.

    يحدّثنا المربي أبو فنه عن هذه الفترة من حياته بالإشارة الى فترة التحاقه بالثانوية، بأنها شكّلت منعطفًا هامًّا في حياته، فقد سكن خلال 4 أعوام في غرفة مستأجرة، وكان لا بدّ من أن يعتمد على ذاته من أجل أن يقوم بكافة الأعمال “المنزليّة” بعيدًا عن أسرته، من غسيل لملابسه وإعداد الطعام وغيرها وبذلك أصبح المربّي أبو فنه أكثر استقلاليّة ويعتمد على ذاته بشكل كبير في سنٍّ مبكّرة، من ناحية أخرى فإنّ هذه الفترة شهدت له نجاحات في امتحانات البجروت وبذلك أثبت الطالب أبو فنه حينذاك أنّه أهلٌ للدراسة الجامعيّة.

    بدأ دراسته الجامعيّة في الجامعة العبرية في القدس بعد الثانوية مباشرة، أي في عام 1963 حيث أنهى اللقب الأول في موضوعين: اللغة العربيّة وآدابها وتاريخ العرب والإسلام، ويذكر الدكتور أبو فنه أن فترة تعلميه الجامعيّ كان لها تأثير كبير أيضا في حياته، خاصة أنّه تعرّف على عالم واسع وثقافات مختلفة، كما اعتمد على ذاته بشكل كبير في هذه الفترة حيث عمل في مهن مختلفة من أجل أن يساهم في نفقات دراسته الجامعيّة والتخفيف من العبء الملقى على عائلته.
    بعد أن أنهى السيد أبو فنه اللقب الأول وحصل على شهادة التدريس بدأ في مهنته كمدرّس للغة العربية والتاريخ في ثانوية باقة الغربية والثانوية في كفرقرع التي كانت تعتبر مدرسة مهنيّة في ذلك الحين.

    إلا أنّ طموح المربّي أبو فنه لم يتوقّف عند هذا الحدّ، ولم يكن اللقب الأول كافيا لإشباع رغبته في التعليم، بل ان طموحه المنساب دفعه لمواصلة تعليمه حيث بدأ عام 1971 في دراسته للقب الماجستير “لقب ثاني” في الجامعة العبرية في القدس، ولم ينقطع عن العمل في التدريس، وقد حصل بعد سنوات من التعلم على شهادة الماجستير بتفوّق.
    أعقب ذلك تعيينه كمحاضر في كلية إعداد المعلمين في يافا، التي انتقلت بعد سنوات إلى هدار عام ثمّ إلى بيت برل.

    واصل المربّي أبو فنه دراسته بعد زواجه، وعلى الرغم من مسؤوليته كأب وراعٍ لأسرة إلا انّه لم يرف له جفن بينما أخذ يقرأ ويكتب ويتعلم بنهم، حتى أنهى عام 2000 لقب الدكتوراه في تخصص أدب الاطفال.

    عام 1977عين السيد أبو فنه مفتشا مركّزا للغة العربية، ومركزا لإعداد مناهج اللغة العربيّة في وزارة التربية والتعليم كما وعمل في ذات الفترة كمحاضر في كلية إعداد المعلمين العرب في حيفا، و استمر عمله بهذه المهامّ حتى خرج إلى التقاعد عام 2009، و لم ينقطع السيد أبو فنه خلال كل تلك الفترة عن التعلّم والدراسة.

    عاد المربّي أبو فنه يقلّب في شريط ذكرياته عن قرية كفرقرع في الماضي فقال: أذكر كيف كانت قرية كفرقرع قرية بسيطة صغيرة جميلة، تعتمد على الزراعة لم يكن بها لا شبكة مياه ولا شبكة كهرباء، ورغم قلة توفر الموارد المادية لكنها مع كلّ ذلك كان أناسها طيبين، يقدرون العلاقات الاجتماعية جيدا، كان الاهالي يسهرون مع بعضهم البعض يفترشون الحصر، ويتسامرون، وفي هذا الصدد كتب الدكتور أبو فنه نصوصًا وخواطر تتحدّث عن الماضي الجميل وما حدث من تحوّل في العادات ومنها نصّ: “آه يا زمان” والتي آثرنا ان نقتطف منها هذه المقطوعات:
    أيّتُها الطفولةُ الحالمةُ الواعدة – كم نفتقدُك؟
    لم نعشْ في أحضانِ التلفزيونِ ولا المذياع،
    وما أبحرْنا في عالمِ الشبكةِ العنكبوتية،
    بل كانت لنا حكاياتُ الأهلِ وليالي السمر!
    لم نعرفْ مدنَ الملاهي ولا الألعابَ العصرية!
    بل كانتْ هناك ألعابُ الطفولةِ البريئة!
    …………………………………….
    كمْ كنّا نجري ونمرحُ في أحضانِ الطبيعة!
    وكم لهوْنا على ضفافِ الوادي والغدران
    وكم جمعْنا الأزهارَ وشقائقَ النعمان
    وكم راودنا العصافيرَ وطيورَ الحجل!
    …………………………………..
    بيوتُنا ما عرفتِ الكهرباءَ ولا المكيّفات
    وفي الليلِ كانت تضاءُ بالقناديلِ وبالسُّرج
    وكم مرّة هبتِ الريحُ فعمّ الظلام!
    وفي الشتاءِ نتحلّقُ حولَ كانونِ النار
    فتشعُّ العيونُ ببريقِ الدفءِ والحبور!
    …………………………………………
    أعراسُنا كانت قليلةً وساحرة
    يشاركُ فيها الصغارُ قبلَ الكبار!
    تضاءُ الساحاتُ بالمشاعلِ أو النيران
    والحداءُ و”السحجة” كم أطربتِ القلوب
    أما وليمةُ العرسِ فكانت فرصةً لا تُعاد!
    …………………………………………..
    وعندما كانت تحدثُ وفاةٌ تفجعُ القريةُ كلُّها،
    الحدادُ والحزنُ يعمُّ الجميعَ بلا استثناء
    فلا أفراحَ ولا أعراسَ لأسابيعَ طوال!
    والكلُّ يشاطرُ أهلَ الفقيدِ مصابَهم الجلل!
    ……………………………………………….
    اليومَ… تبدّلتِ الأحوالُ وتغيّر السكان!
    وتخلخلتْ أواصرُ القربى وعمتِ البغضاء
    فكم من أخٍ يخاصمُ أخاه في جفاء
    وكم من جارٍ يقاطعُ جارَه بازدراء
    وكم من عُرسٍ يجاورُ بيتَ عزاء!

    وقال متحدثا عن سلبيّات الماضي: ما كان يزعجني أن الفتيات حينذاك لم يكنّ يتعلّمن وحين بدأت أدرّس كان في الصف طالبتان فقط، بينما اليوم يفوق عدد البنات عدد البنين وهذا الأمر يفرحني، فقد استطاعت الفتاة أن تثبت أن بإمكانها النجاح في تعلّمها وفي عملها وأن تكون جزءًا من التغيير للأفضل في المجتمع.
    وعن نقطة التحوّل بحياته أشار المربّي أبو فنه أنّ خروجه للتعلم خارج القرية كان نقطة التحوّل والمحطة الحاسمة في حياته حيث تعرّف حينها على عالم واسع، فقد “اكتشفت أنّ الإنسان كلّما عرف أكثر اكتشف أنه لا يعرف أكثر”.
    وتحدث الدكتور أبو فنه عن أنّ التعليم العربيّ في البلاد شهد قفزة نوعيّة وحقق رفعة نسبية، مشيرا إلى أن التعليم العربيّ لم يكن كما كان في وقت سابق، والدليل على ذلك النسبة الكبيرة من الخريجين والمتعلمين اليوم مقارنة في السابق، ومع ذلك نصبو لتحقيق المزيد من التقدّم لمسيرة التعليم.
    وقال: في إحصائيات قام بها زميل لي، اتضح أن هناك 210 أطباء اليوم (هم من خريجي موضوع الطب) في قرية كفرقرع، ولم تشمل الإحصائية الطلاب الذين ما زالوا يدرسون الطب هنا وفي الخارج والذين هم بأعداد كبيرة.
    وبالإضافة لذلك فإن قرية كفرقرع تحوي المئات من: المحامين، المدرسين، المهندسين، وغيرهم من الجامعيين.
    ويُذكر في هذا السياق أنّ عدد المربين المتقاعدين في كفر قرع يتجاوز170 مربيًّا.
    وأضاف: دليل آخر على النقلة النوعيّة في جهاز التعليم العربيّ ومن الإنجازات التي نفخر ونعتزّ بها هو دخول الفتاة إلى مجال التعلّم والعمل، حيث أثبتت جدارتها، فعلى سبيل المثال في قرية كفرقرع هناك 6 مديرات يُدرن بنجاح 6 مدراس في القرية وكذلك عندنا مفتشة من القرية.

    وعن تجربته كمفتش للغة العربية وللمناهج قال الدكتور أبو فنه: دأبت خلال عملي كمفتش على إعداد المناهج التعليمية التي تعزّز انتماء الطالب بتراثه ولغته وقوميّته وكذلك إنسانيته، ومن هنا بودّي أن أتحدث عن الفرق بين المناهج التعليميّة والكتب المدرسية: المنهج الجديد في اللغة العربيّة للابتدائيّة لم يذكر ولم يحدّد النصوص التي يجب أن تُدرَج في الكتب، كذلك في المنهاج الجديد لم نتجاهل التراث والقومية، وفي نفس الوقت لم نتجاهل الواقع الذي نعيشه.

    ووجه الدكتور محمود أبو فنه كلمة للشباب حاثًّا إياهم على التمسك بالقراءة وقال: أن تكون صديقًا ومستخدمًا للتقنيات ووسائل التواصل الاجتماعيّ ذلك لا يغنيك عن القراءة، فلا بديل عن الكتاب والمطالعة، نريد ان تصبح القراءة عادة متجذّرة، وأردف: ما أن التقى بشاب أو متعلم أسأله أولا ما ذا يقرأ؟ وأتعجب ممن يجيبني: انا طبيب – مثلا – وأكرّس جهدي لاختصاصي، فأردّ علية: كونك طبيبًا لا يعني أن لا تقرأ موادّ في الشعر والنثر والفكر، فالقراءة تثري الحياة وتجمّلها، لذلك أناشد الشبان أن أبحروا وغربلوا ومحّصوا في استعمال الوسائل التقنية ولكن لا تهجروا المطالعة!

    وأضاف في خاطرة كتبها:
    “عشقتُ المطالعةَ مُنذُ نُعومةَ أظفاري، في البداية كنتُ أستعيرُ الكتبَ من المعلّمين أو الأصحاب، ومع مرورِ السنين، وتحسّنِ الأوضاع المادّية، بدأتُ أشتري الكتبَ الأدبيّةَ، خاصةً الرواياتِ ودواوينَ الشعر. وكم كانت سعادتي غامرةً وأنا أرى رفوفَ الكتب عندي تزدادُ وتزدانُ بالكتب الجديدة، لم أجد التشجيعَ من الأهل – لأسبابٍ عديدة – على شراءِ واقتناءِ الكتب، ومع ذلك حرصتُ على توسيعِ مكتبتي وإثرائِها بكتبٍ جديدةٍ وفي مجالاتٍ متعددة: صرتُ أقتني كتبًا في النقدِ الأدبيّ، وفي التربيةِ وأساليبِ التدريس، وفي الفكرِ والفلسفةِ وعلمِ النفسِ والتاريخِ والتراثِ و…بعدَ الزواجِ، صارت الكتبُ تحتلُّ كلَّ مساحةٍ مُتاحة في بيتي، لم أراعِ طلباتِ الزوجة بالتخفيف من هذا الولعِ بالكتبِ واقتنائها، رفوفُ المكتبة ما عادت تكفي للكتبِ الجديدة الوافدة، تغلغلت الكتبُ لمعظمِ خزائنِ البيتِ وأدراجِها، واليوم، جاء منافسٌ عنيدٌ للمكتبة وللكتب، إنّه الحاسوبُ والشبكةُ العنكبوتيّةُ – الانترنت! لكنَّ عشقي سيظلُّ للكتاب، إنّه الحبيبُ الأوّلُ الوفيُّ، وأنا لن أفرّطَ بهذا الصديقِ المخلص، وسيبقى يحتلُّ حيّزًا كبيرا من غُرَف بيتي، وسيظلُّ خيرَ جليسٍ وخيرَ رفيقٍ لي ما حييت!!”

    أجرت المقابلة  –   هديل محمّد إغباريّة

    drm7modabofne

     

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    1. كل الاحترام دكتور لا بد من سرد التاريخ اما الصغار لكي يتعرفوا على اهمية وجودنا وتمسكنا بترابنا وتقاليدنا الاصيلة والتي كانت نيرة تتحلى بالاخوة والمحبة بين الجيران وابناء الاحياء لقد كانت الامكانيات قليلة لكن السعادة كانت كبيرة .

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.