• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    بوتقة ذكريات

    بينما اغرورقت وجنتا الشمس بخجل الشفق الأحمر مسلِّمة مفاتيح مشغلها لقمر آتٍ من بعيد, تَدثر علي بين هيكل سريره غارقاً في بوتقة الذكريات التي لا تنتهي..

    وتتالت اللهثات تؤازر إحداها الأخرى لتُجَلِّد نِصابها لقرار آل إليه ذاك الأب الجاحد ليشرذم صفحات كتاب كان علي أحد سطورها ويلقيها على أرصفة تَهَوُّرِه تاركا العائلة تلملم جراحاتها وقد احتجزت وجهه ابتسامة إنكار تُملي عليه الصمود على قسوته.. تركهم ليسلم نفسه لضلال امرأة باعت حياتها لتمتلكه..

    وفي جنح الليل تكورت بقايا نفوس على جانب الطريق لترمق شرق البلاد بنظرة أخيرة تحاكيه عن الأسى الذي يكتنزها. ويمسكون بأشلاء  أشياء من شَرْقِيَّة حياتهم,  والتي طوّقت دربهم آبِِيَةً البقاء دونهم, أغراض هي الوحيدة التي ما قابلت براءتهم بالنكران.

    ومن حرقة الدموع يلوحون لأرض باتت بعيدة يلوحون لذكريات , يلوحون بمرارة الوداع للا شيء.

    ومع ترتيل الساعة دقات عملها الروتيني يستشعر علي نقاء البلاد ومن عطر هوائها يتنسم ريح الأهل والأحباب, يعودون إلى إسبانيا حيث أخواله يتمركزون, ليرمي جسدا متهالكا من عبء المعاناة في أحضان حنانهم يخبرهم بدموع  لا سبيل لها لتَرْكِنَ فيه, عن عائلة جميلة كسرت لذات الحرام هيبة وقارها.

    وتتبارى الأيام لاهثة , لتصارع من أجل تنسيق خبر جديد في مذكرة الحياة, مفسحة المجال لطفلنا الصغير ذي العشرة أعوام استطلاع أروقة الحياة الجديدة..

    وبينما اغرورقت وجنتا الشمس بخجل الشفق الأحمر ينتشله صوت أمه من بحيرة أفكاره لينفض نفسه من الذكرى:

    –         علي , أما زلت على حالك يا بني, قم واستفد من وقتك!

    –         حاضر يا أمي, ها قد أتيت.

    وقبل أن يَهِمَّ بالخروج من باحات وحدته, يلقي نظرة على أشياء شَرقِيّة ما قابلت براءتهم بالنكران, يتحسسها بلطف وبحركة بهلوانية من يديه يمسكها داسا إياها في جيبه, ويخرج من غرفته وبريق العزم يتأجج في عينيه..

    –         مالك يا علي, هل من سوء؟

    –         لا يا أمي, أبدا لا..

    ويرمي بنفسه لنسيم أتى من الزقاق, ونفسه تهمهم بعزمه, تطرح أفكارا  لِلَمِّ شمل شرقيّة الأغراض بما تعطيه إسبانيا ليخرج لدرب العلاقات بنتاج جديد…

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    1. رائــــــــع !!! بارك الله بكِ يا أخت إسراء !! رائـــــــــــــع !!!
      كل الإحترااااام .. وفقّك الله عزيزة

    2. رائع وشيق جداً
      يعطيك العافيه …
      عنوانه جذاب أيضاً، والبوتقة (Crucible) عبارة عن إناء على شكل الفنجان يستعمل في المختبرات الكيميائية وذلك لكي يحوي العينات المخبرية عند تسخينها لدرجات حرارة مرتفعة، على سبيل المثال عند وضع العينات في المرمدة.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.