د. محمود أبو فنه “التعليم في فنلندا “

تاريخ النشر: 27/11/16 | 12:04

تشير الدراسات والبحوث في العقدين الأخيرين – من هذا القرن – إلى القفزة النوعيّة التي حقّقها نظام التعليم في فنلندا، فنتائج الامتحانات الدوليّة تضع فنلندا في طليعة الدول في التحصيل، وفي ضآلة الفروق في نتائج التحصيل بين المدارس والطلاب فيها. وفي استطلاع مجلة نيوزويك لعام 2010 ورد أنّ فنلندا تعتبر “أفضل دولة في العالم من حيث الصحة والاقتصاد والتعليم والبيئة السياسيّة ونوعيّة الحياة، كما تعتبر فنلندا ثاني أكثر البلدان استقرارًا في العالم” .
من هنا لا غرابة أن كثُر “الحُجّاج” لفنلندا للاطّلاع والتعلّم من تجربتها الفريدة! وسنحاول في هذه المقالة التعرّف على أبرز العوامل والأسباب التي حقّقت لنظام التعليم في فنلندا هذه القفزة والمكانة المميّزة. تُعتبر فنلندا من الدول الإسكندنافيّة وتقع في شمال القارّة الأوروبيّة، ويحدّها من الغرب السويد، ومن الشمال النرويج، ومن الشرق روسيا، ومن الجنوب أستونيا. تمتدّ فنلندا على مساحة 338,145 كم مربع ويبلغ تعداد سكانها حوالي 5.5 مليون نسمة، وهي من أقلّ الدول في العالم من حيث الكثافة السكّانيّة. وعاصمتها مدينة هلسنكي. تغطّي الغابات معظم أراضي فنلندا، وتكثر فيها البحيرات.
في الماضي، اعتمدت فنلندا في اقتصادها على الزراعة وتصدير الأخشاب، ثم أخذت تتحوّل تدريجيًّا للصناعة، خاصة الصناعات التكنولوجيّة والإلكترونيّة المتطوّرة. تُستعمل في فنلندا لغتان رسميّتان: الفنلنديّة والسويديّة، ولكن الأولى أكثر انتشارًا وشيوعًا. عام 1917م أعلنت فنلندا استقلالها عن روسيا، وفي عام 1995 انضمّت للاتحاد الأوروبيّ.

يعتمد نظام التعليم في فنلندا على رؤيا/فلسفة تربويّة أصيلة منبثقة من ظروف الحياة والواقع المعيش في فنلندا، وطبعًا هذا لا ينفي الاطّلاع على تجارب الآخرين والتأثّر بها، ولكن بدون النسخ والنقل الحرفيّ عن مصادر خارجيّة أجنبيّة! كذلك، لم تتمّ عمليّة الإصلاح والتغيير في نظام التعليم في فنلندا طفرة، بل مرّت بمراحل واحتاجت للوقت والجهد والمثابرة، ورافق ذلك البحوث والدراسات النظريّة والتطبيقيّة الميدانيّة من الخبراء والأخصّائيين في التربية وعلم النفس والمربّين في الحقل. تؤكّد الرؤيا التربويّة في فنلندا على مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلّمين، فالمدارس حكوميّة مدعومة ومموّلة من الدولة، ولا فرق في المستوى بين مدارس المدن أو الأحياء الميسورة والمدارس في مجمّعات قرويّة أو أحياء شعبيّة. وحظّ المدارس الخاصّة في فنلندا شبه معدوم، ولا تشجّع الدولة على فتح مثل هذه المدارس! ويضمن دستور البلاد حقّ التعليم المجانيّ للجميع وفي كلّ المراحل، ولا فصل أو عزلة للطلاب ذوي الاحتياجات الخاصّة، بل يتعلّمون مع بقية الطلاب، ويحظون كغيرهم للعناية والاهتمام. والتعليم في فنلندا يهدف إلى تنمية شخصيّة الطالب المتكاملة في جوانبها وأبعادها المختلفة: العقليّة والبدنيّة والنفسيّة والروحيّة والاجتماعيّة والجماليّة. وتؤكّد الرؤيا، كذلك، على إكساب منظومة قيم إيجابيّة للطلاب تتمثّل في غرس قيم الاستقامة والعدل والتسامح والتعدديّة وقبول المختلف والانتماء والعطاء. توفّر فنلندا للطلاب مؤسسات ومدارس عصريّة، فالمباني والغرف واسعة مزوّدة بجميع التجهيزات ووسائل الراحة والتعليم، وهناك المختبرات وأماكن الاستراحة والأكل، وهناك مرافق أخرى كالمكتبات والملاعب الرياضيّة وقاعات الأنشطة والمسارح وكلّها مجهّزة لتستجيب لحاجات المتعلّمين للعب والتسلية والتعلّم والرياضة.

dabus1

يحظى المعلّمون في فنلندا بمكانة مرموقة قد توازي مكانة الأطباء والمحامين– وربّما تزيد أحيانًا – وتسعى الدولة إلى جذب الممتازين واستقطابهم لهذه المهنة، وتقوم بإعدادهم وتأهيلهم بصورة مكثّفة وموسّعة في الجامعات في مواضيع تخصّصهم وفي مساقات علم النفس وأساليب التربية – النظريّة والعمليّة – المتنوّعة الحديثة التي تمكّنهم من أداء مهامّهم والتعامل مع مستويات الطلاب وقدراتهم المتباينة، ويلاقي المعلّمون الدعم والتشجيع والإثراء بعد تخرّجهم وانخراطهم في العمل في المدارس مع الطلاب. ومن الجدير بالذكر أنّ معلّمي فنلندا للمراحل الابتدائية والإعداديّة والثانويّة من حملة شهادة الماجستير أو الدكتوراه. ولتسهيل العمل ونجاعته لا يدرّس المعلّمون أكثر من 4 حصص/دروس في اليوم، أمّا بقيّة الوقت فيقومون بالتخطيط والتحضير لعملهم أو بإرشاد الطلاب وتوجيههم، أو بإثراء أنفسهم بكلّ جديد يرتبط بعملهم، أو بالتشاور والتنسيق والتعاون مع بعضهم البعض. يتمتّع المعلّمون بالاستقلاليّة في التدريس وبالمشاركة الفعّالة في إعداد المناهج الدراسيّة وبلورتها، وفي اختيار المضامين التي تلائم طلابهم. يتّصف المعلّمون بالحرفيّة/المهنيّة في عملهم، ويعتبرون التدريس رسالة ومسؤوليّة وطنيّة، ويتحلّون بالدافعيّة والحماس في ممارسة عملهم، ولا يشعرون بالملل والإحباط، وغالبًا ما يستمرّون في وظائفهم حتّى الخروج للتقاعد. أمّا علاقة المعلّمين ببعضهم – داخل مدارسهم أو مع معلّمين خارجها – فهي علاقة ودّيّة وتعاون وانفتاح ممّا يثريهم ويرقى بمعارفهم وأدائهم.
أمّا علاقتهم بالطلاب وتعاملهم معهم فتعكس الاحترام والاحتواء والتشجيع والتوجيه والإرشاد، فنراهم يراعون “الإيقاع” الخاصّ لكلّ طالب، فلا يكلّفونه فوق طاقته، ولا يتهرّبون من واجبهم تجاه كلّ طالب في المدرسة ليلجؤوا إلى إعطاء دروس خصوصيّة – خارج المدرسة – كما هو حاصل في دول أخرى! أمّا طرائق التدريس المتّبعة فهي متنوّعة مراعاة للتمايز والتباين بين الطلاب، ومراعاة لتعدّد الذكاءات، ويحرص المعلّمون على دمج وسائل التكنولوجيا الحديثة من الآيباد والحاسوب والتلفزيون والأفلام والمسلاط والأقراص المدمجة، لذلك يستغني الطلاب في فنلندا عن الحقائب الثقيلة المضرّة! يبتعد التعليم في فنلندا عن أساليب التلقين والحفظ والإيداع، بل يهتمّ بتعليم الطلاب المهارات الأساسيّة، وتنمية التفكير والإبداع والنقد، وإكساب مهارات التعلّم الذاتيّ لمواجهة ظاهرة انفجار المعرفة وتراكمها وتقادمها، من هنا حاجة المتعلّم للتعلّم الذاتيّ، وللبحث والتمحيص والغربلة، واتخاذ المواقف والأحكام، وللتعلّم الدائم بعد التخرّج.
ولا يُثقل المعلّمون على الطلاب، فلا اختبارات ولا امتحانات معياريّة خارجيّة مُرهقة ومزعجة، ولا وظائف بيتيّة مملّة – إلّا ما ندر ولوقت محدود جدًّا – ودور المعلّمين هو تشخيص الطلاب ومعرفة قدراتهم ومستواهم ليلائموا لهم المواد والمضامين التي تتناسب مع التشخيص.

كما ذكرتُ إنّ رؤيا نظام التعليم في فنلندا تؤكّد على: ” مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلّمين…، وحقّ التعليم المجانيّ للجميع وفي كلّ المراحل” – من هنا نستخلص أنّ الطالب هو محور العمليّة التعليميّة التعلّميّة في فنلندا، وهدف التعليم هو إعداد المتعلّم للحياة بإكسابه المهارات والمعارف والقيم التي تمكنّه من المساهمة في تقدّم وطنه ورفاهيته واقتصاده، وليحقّق نوعيّة حياة جيّدة مُرضية له ولأسرته وأبناء وطنه. وقد حرص نظام التعليم في فنلندا على مراعاة حاجات وميول وقدرات المتعلّمين منذ طفولتهم الغضّة المبكّرة. وقد لمسنا ذلك في رياض الأطفال التي سعت لتوفير أجواء اللعب والتسلية والمتعة والحرية للصغار، فلا مضامين ملزمة حتّى سنّ السابعة وبداية المرحلة الأساسيّة للتعليم التي يبدأ فيها المتعلّمون عمليّة التعلّم. وحرص هذا النظام على توفير المساواة وتكافؤ الفرص لجميع المتعلّمين، فلا مدارس خاصّة انتقائيّة، ولا تمويل مختلف أو تخصيص معلّمين ذوي كفاءة وتأهيل أفضل. والصفوف في المدارس تضمّ بين جدرانها الطلاب العاديين والطلاب ذوي الاحتياجات الخاصّة، فلا فصل بينهم، والمحتاجون للعناية كلّهم يحظون بها. والتعليم مجانيّ للجميع، والكلّ يحظى بوجبات الطعام المجانيّة، والسفر مجّانا لكل من يسكن 3 كم بعيدًا عن المدرسة، والكلّ، حتّى بداية المرحلة الثانويّة، يحظى بالكتب والقرطاسيّة مجّانًا.

والصفوف واسعة مريحة وغير مزدحمة أو مكتظّة، فالروضة لا يزيد عدد طلابها عن 12طالبًا، والصفوف الابتدائيّة الأساسيّة عدد طلابها لا يتجاوز 25 طالبًا، وأحيانًا يقسّم الصفّ نفسه لمجموعات صغيرة (6 – 7 طلاب) مع معلّم/مرشد لكلّ مجموعة. وعدد ساعات مكوث الطلاب في الصفوف للتعلّم قليل وقد لا يزيد عن ثلاث ساعات في اليوم، وبقيّة اليوم لفعاليّات ممتعة مثرية، والاختيار أمام الطلاب واسع! فلا امتحانات مخيفة ثقيلة ولا وظائف منزليّة مملّة – إلّا ما ندر ولوقت قصير جدًّا – والتركيز على التشخيص ومعرفة مستوى كلّ طالب لاختيار ما يناسب هذا التشخيص. ويتمتّع الطلاب بحرية كبيرة، وبحقّ المشاركة في القرارات واختيار ما يروق لهم، وهم لا يلتزمون بارتداء زيّ موحد، كذلك يسمح لمن أراد بخلع حذائه، ويُتاح لمعظمهم الاشتراك في حركات الشبيبة التي تنمّي المهارات الاجتماعيّة، وتعزّز روح الانتماء والعطاء. إنّهم، في فنلندا، يطبّقون الشعار: ” إنّ كلَّ تلميذٍ يعتبرُ مُهمًّا”.

أعترف أنّني بعد القراءة والاطّلاع على نظام التعليم في فنلندا من المصادر الورقيّة وأهمها كتاب مترجم للعبريّة لمؤلّفه الفلنديّ فاسي سالبرغ – وهو أحد كبار المنظّرين والمبادرين والراعين لهذا النظام – بعنوان: “نتعلّم من فنلندا” – تبصّرات من نظام تربويّ ناجح (بالعبريّة: לומדים מפינלנד- תובנות ממערכת חינוכית מוצלחת)، وكذلك قراءة العشرات من الصفحات في المصادر العديدة في الشبكة العنكبوتيّة، بعد هذا الاطّلاع صرتُ من المعجبين والمقدّرين لهذا النظام لما حقّقه من جودة وتميّز.

لم أغطِّ بالتفصيل جميع العوامل والأسباب التي ارتقت بهذا النظام، وقد يكون لي عودة للموضوع في المستقبل.
وهنا أسجّل/أطرح بعض الأسئلة:
1. ماذا يمكن أن نتعلّم من تجربة فنلندا الناجحة؟
2. وهل نستطيع، في مجتمعنا العربيّ، أن نطبّق هذه التجربة ولو جزئيًّا؟
3. وما هي الصعوبات التي تحول دون تطبيق هذه التجربة عندنا؟
للإجابة الموجزة والسريعة عن هذه الأسئلة أقول:
لا يُمكن تطبيق تجربة فنلندا بحذافيرها في جهاز التربيّة في مجتمعاتنا، ولكن نستطيع استلهام بعض التوجّهات والأفكار من هذه التجربة، أذكر بعضًا منها:
1. العمل الجادّ – بعد الاطّلاع الواعي – على بلورة رؤيا/فلسفة تربويّة لمدارسنا تكون أصيلة منبثقة من ظروفنا وواقعنا وطموحاتنا وغير مقتبسة أو مستعارة من مصادر خارجيّة!
2. مراجعة سياسة القبول للكلّيات والجامعات للمرشّحين لمهنة التعليم، وتشجيع قبول المتفوّقين المتميّزين مع بحث إيجاد سبل لدعم الملتحقين بهذه الأقسام ماديًّا ومعنويًّا.
3. المطالبة من الجهات المسؤولة في الدولة والسلطات المحليّة – وبدون تخاذل- بتغيير وتحسين البنيّة التحتيّة لمدارسنا بحيث تلائم متطلّبات التعليم والتربيّة في القرن الحادي والعشرين!
4. مراجعة أساليب التدريس المتبعة في مدارسنا وقضية الامتحانات وما تسبّبه من قلق وهلع لدى الطلاب.
5. مراجعة دَوْر المعلّمين واستقلاليّتهم في التعليم وتطبيق المناهج، وعلاقتهم مع بعضهم في مدارسهم وخارج مدارسهم بحيث نؤكّد على التعاون والمشاركة والإثراء المتبادل وليس على التنافس!
6. مناقشة مدى حريّة الطلاب وإشراكهم في القرارات وفي العمليّة التعليميّة التعلّميّة.

د. محمود أبو فنه
dabus2

‫3 تعليقات

  1. معلومات جديرة بالدراسة والتأمل حول التعليم والأستفادة منها ، مما لا شك فيه فقد تكون نتائج التعليم في هذه البلاد من الأوائل على مستوى العالم . فبالنشاط والمباثرة واختيار ما يلائم مجتمعنا يمكن التوصل الى نتائج ايجابية لصالح ابنائنا المتعلمين . مشكور يا دكتور أبا سامي على هذه المعلومات.

  2. أحيّي من القلب جميع القرّاء الذين قرأوا المقال،
    وأخصّ بالذكر أستاذنا المربّي خيري عثامنة الذي
    عقّب على المقال بموضوعيّة وبكلمات مؤازرة.
    د. محمود أبو فنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة