قراءة في رواية “لفح الغربة” للأديب عبدالله دعيس

تاريخ النشر: 17/03/15 | 10:04

صدرت رواية “لفح الغربة” للأديب المقدسشي ابن بلدة بيت حنينا عبدالله دعيس عام 2015 عن دار الجندي للنّشر والتّوزيع في القدس. وتقع الرواية التي يحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّانة المقدسية جيهان أبو رميلة في 219 صفحة من الحجم المتوسّط.
عرفت الأديب عبدالله دعيس منذ أكثر من عام عندما شاركنا لقاءات ندوة اليوم السّابع الثقافيّة، ولفت انتباهي بعمق أدبه وهدوئه، وعمق تحليلاته للكتب التي تناقشها النّدوة، إلى أن فاجأنا بروايته البكر “لفح الغربة” التي نحن بصددها، وكانت مفاجأة مدهشة حيث وجدت نفسي أنّني أمام أديب يمسك ناصية الّلغة، ويتقن السّرد الرّوائي بطريقة فريدة…فروايته يمكن قراءة فصولها الخمسة عشر كقصص قصيرة، وكلّ قصّة منها تكاد تكون رواية، ويمكن أيضا قراءتها كرواية أحسن البناء الرّوائيّ فيها…فقد ربطها بخيط لتكمل كرواية، لا ينقصها عنصر التّشويق الذي يجذب القارئ إليها. وكانت مفاجأة أخرى من حيث المضمون، فموضوع الرّواية يعالج قضية الهجرة والاغتراب وما يعانيه المغتربون اللاهثون وراء بريق الدّولار. وهكذا فإنّنا أمام عمل متميّز شكلا ومضمونا يكاد يكون غير مسبوق. وهكذا فإنّ أديبنا الذي هو على عتبات الخمسينات من عمره، لم يتعجّل النشر؛ لتكون بداية إصداره قويّة ولافته، فنجح في ذلك.
وهذه الرّواية التي اعتمدت على قصص واقعيّة مطعّمة بخيال واقعي، يهديها كاتبها” إلى كلّ من ترك الحياة الرّغيدة في الغربة وعاد ليرابط في وطنه”ص9 وهذه تجربة مرّ بها الكاتب نفسه، حيث كان مغتربا في أمريكا، واختار العودة للعيش في بلدته بيت حنينا، ووطنه فلسطين رغم قسوة الحياة في هذه البلاد التي تئن من ثقل بساطير جنود الاحتلال. ويواصل إهداءه:”إلى كلّ أمّ اختارت أن تربّي أبناءها في وطنها، فكانت لهم الأب والأمّ معا…إلى أمّي”ص9، وسواء عاشت والدة الكاتب مأساة هجرة الزّوج وتركها حاضنة لأبنائها أم لم تعشها، إلّا أن هناك آلاف النّساء اللوّاتي هاجر أزواجهنّ وتركوهنّ مع أبناء أو بدون أبناء، غير عابئين بمعاناة هذه النّساء الصّابرات المحتسبات. وهكذا فإنّ الكاتب بإهدائه هذا يختزل الرّواية مشجّعا المغتربين على العودة لأرض الوطن “للرّباط” فيه، ولم يكن استعماله للرّباط عبثا فله دلالاته أيضا، وهو أيضا يطرح معاناة زوجات المغتربين.
ومعروف أن بلدة الكاتب بيت حنينا الواقعة شمال القدس في الطّريق إلى رام الله غالبيّة مواطنيها من المغتربين في الأمريكتين. ممّا ترك أثارا كبيرة على البلدة. والقارئ للرّواية سيكتشف ما يرمي إليه الكاتب من خلال فهم ما بين السّطور…التي تنبّه من بداياتها إلى ضرورة التّفكير مرّات ومرّات قبل الهجرة من الوطن، وأنّ هناك مبالغات كبيرة في ثروات البلاد التي يهاجَر إليها، ويتخيّل البعض أنّه سيحقّق طموحاته بالثّراء بيسر وسهولة. عدا أنّ الهجرة من بلادنا فيها مخاطر تفوق فرقة الأهل ومعاناتهم، وتتعدّى إلى المساهمة في ضياع وطن يتكالب الآخر على الهجرة إليه واستيطانه لذا فإنّ “الصّوص” وهو من أوائل المهاجرين يتساءل:” لماذا يأتي هؤلاء اليهود من بلادهم إلى هنا؟ فأصحاب البلاد أنفسهم يتركونها ويهاجرون طلبا للرّزق؟ ما الذي يأتي بهم؟ وكيف تسمح لهم حكومة السّلطان والصّدر الأعظم بالمكوث في هذه البلاد المقدّسة؟”ص20.
وتفريغ البلاد من أهلها لم يبدأ بالهجرات الطّوعيّة فقط، فقد سبقه حروب العثمانيّين في أواخر عهدهم، وكيف كانوا يأخذون المجنّدين إلى حروبهم في البلقان وغيرها، فيكونون وقودا لتلك الحروب وتننقطع أخبارهم.
والهجرة لم تكن سهلة أيضا، فالصّوص عندما هاجر تمّ تهريبه مع شخص من مدينة البيرة إلى سفينة بخاريّة خفية عن الرّبان…وبقوا يعبئّون الفحم في “موقد”السفينة بعيدا عن عينيّ الرّبان، الذي ما كان ليتردّد بالقائهم في البحر لو اكتشفهم…ليصلا بعد ذلك إلى جزيرة في عرض البحر، وليعملوا كرقيق لدى أحد الأشخاص هناك في ظروف لا إنسانيّة مقابل طعامهم…ولمّا اكتشفهم الأمن الأمريكي تمّ وضعهم في معسكرات كأسرى إلى أن انتهت الحرب؛ ليتمّ ترحيلهم إلى بلدهم ثانية. ويعود الصّوص إلى بيته بعد أن خسر زوجته وابنيه.
ويلاحظ في الرّواية أن هموم ما جرى ويجري في بيت حنينا يشكّل عبئا كبيرا ما كان ليحصل لولا هجرة أبنائها…وهذه الهموم جعلت الكاتب يركّز على ذكر أسماء العديد من الأماكن في البلدة، والتي لم يعد أحد يذكرها لتغيير ملامحها…واطلاق مسميّات جديدة عليها…ولا ينسى الكاتب دور السّماسرة في عمليات بيع الأراضي حتى لجهات معادية، مستغلّين طيبة بعض النّاس تارة وبالاحتيال تارة أخرى.
وتعرّج الرّواية على جدار التّوسّع الاحتلالي وكيف مزّق البلدة إلى أشلاء غير مترابطة، وما ألحق ذلك من أضرار بالبلدة ومواطنيها. وتبلغ المأساة ذروتها بقوانين الاحتلال التعسّفيّة والتي تجرّد المواطنين أرضهم وعقاراتهم، فحامد الذي استولى أحد السّماسرة على بيته، حكمت المحكمة بابطال عمليّة البيع بالتّزييف، لكنها حوّلت البيت إلى حارس أملاك الغائبين بحجّة غياب مالكه مع أنّه موجود في المحكمة، والسّبب هو تقسيمات الاحتلال الاداريّة التي لا تعترف بوجود من لا يملك “بطاقة الهويّة الزّرقاء الاحتلاليّة” ضمن قانون جائر لا مثيل له في العالم وهو قانون”الحاضر الغائب”.
والقارئ للرّواية سيجد نفسه أمام مأساة متراكمة عمودها يتمثّل بالهجرة من البلاد، وبالاحتلال وقوانينه وممارساته العنصريّة.
ويتضّح من الرّواية مآسي الهجرة وترك الوطن، ولوعة الأمّهات اللواتي كنّ ينتظرن عودة أبنائهن دون جدوى، ولم تتوقّف حياة بعض من اغتربوا على ترك الوطن والأهل والضّياع التي يعيشونها في غربتهم، بل تعدّت ذلك إلى عودة البعض منهم لا من أجل الاقامة والاستقرار، بل لبيع ما تبقّى لهم من أملاك هنا، غير عابئين بمن تبقى من أهلهم كالزّوجة وبعض الأبناء والأمّهات.
وقد أبدع الكاتب بوصف حالة رزق الذي عاد إلى البلدة بولد وبنت من زوجة أمريكيّة ماتت في حادث طرق حسب زعمه، ليزوّج ابنته لابن المختار وتهاجر مع زوجها إلى أمريكا مصطحبا معه ابنه ليضيع هو الآخر هناك، في حين ترك ابنيه ” شان” الذي أصبح اسمه “شعلان” وابنته” تين” التي أصبح اسمها “تينة” في رعاية زوجته هنا، فتربّيهم أحسن تربية، وتعلّمهم في الجامعات، وتتعلم تينة وتصبح طبيبة، ويتعلم شعلان ويفتتح معرضا للألكترونيّات، وعندا عاد الأب لبيع البيت بمائتي ألف دولار، اشتراه ابنه هنا، أي أن الابنين اللذين تربيّا هنا –مع أنّ أمّهم أجنبيّة- توفّقا ونجحا في البلاد، في حين فشل أبوهم في أمريكا. وهذه دعوة إلى الصّمود، ومن يجدّ في هذه البلاد سينجح بالتأكيد، وكما يقولون” من لا يثمّر في بلده لن يثمّر في بلاد الغربة”.
والرّواية التي بطلها الحقيقي هو بلدة بيت حنينا بأبنيتها التّاريخيّة، وبأسماء تلالها وسهولها وأرضها تحتاج إلى دراسات معمّقة لتعطيها حقها، وتكشف جماليّاتها وأهدافها النّبيلة، وهي تشكّل إضافة نوعيّة للمكتبة الفلسطينيّة والعربيّة.

جميل السلحوت

02

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة