رواية سبيطة-الأيّام قبل الأخيرة في- ندوة اليوم السّابع

ديمة جمعة السّمّان

تاريخ النشر: 20/07/23 | 20:52

القدس: 20-7—2023 من ديمة جمعة السّمّان: ناقشت ندوة اليوم السّابع الثّقافيّة الأسبوعيّة المقدسيّة رواية” سبيطة- الأيّام قبل الأخيرة” للأديب المقدسي عبدالله دعيس، وتقع الرّواية الصّادرة عام 2023 عن مكتبة كل شيء في حيفا في 242 صفحة من الحجم المتوسّط، وهي من اخراج وتوضيب شربل الياس.

افتتحت الأمسية مديرة النّدوة ديمة جمعة السمان فقالت:

رواية “سبيطة” للروائي عبد الله دعيس تحرّك المياه الراكدة في نفس كل من يقرأها، فتصعد إلى سطحها مخلفات بعض الأنظمة البائسة، التي تقتل شعوبها قهرا وحسرة على أوضاعهم الأليمة، التي صمّموها بأياد شيطانيّة، ليعتلوا ظهور شعوبهم البسيطة الآمنة، الذين سلبوهم أمنهم وأبسط حقوقهم الإنسانيّة، وعلى رأسها كرامتهم متمثّلة بالحريّة التي تضمن لهم العيش الكريم. انتهكوا حقوق شعوبهم ليحققوا مصالحهم الدّنيويّة بدعم من أذنابهم ممن رضوا على أنفسهم المذلّة والمهانة والخنوع والخضوع.

رواية “سبيطة” هي أكثر من رواية، هي ملحمة شملت تقييم الماضي ووصف الحاضر مستشرفة المستقبل، جمعها الكاتب دعيس بين غلافي كتاب ضم 242 صفحة من القطع المتوسط، صدرت عن مكتبة كل شيء الحيفاوية.

من يقرأ التاريخ قراءة مستفيضة، ويعيش الحاضر بكل ما فيه من تفاصيل، لا يعجز عن رؤية ما ستؤول به الأيام في المستقبل القريب، خاصة إن كانت المعطيات ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.

فلا زالت النفوس المريضة جوعى للمناصب، ولا زال المسؤول يتمسك بكرسيه، رافضا التخلي عنه ضاربا بعرض الحائط “القسم” الذي أدّاه، والعهد الذي أخذه على نفسه، والوعود التي وعدها لشعبه قبل أن يولّى حاكما عليهم لخدمتهم، على أمل أن يكون أمينا على مصالحهم، يوفّر لهم حياة كريمة هانئة، في ظل وضع آمن وفكر حرّ.

وتثور الشّعوب، رافضة الظّلم والاستبداد.. ويسقط النّظام؛ ليأتي حاكم جديد، لتثبت الأيّام أن الكراسي تغيّر النفوس، فيعيد الحاكم الجديد كرّة من سبقه من حكام، فيظلم وينتهك حقوق المواطنين، على الرّغم من أنّه كان أول من ثار على ظلم الحاكم السّابق… وهكذا دواليك.

ما كانت “سبيطة” سوى أنموذج واضح لما يحدث في بعض الدول، التي تستبيح حقوق مواطنيها، استعان بها الكاتب؛ ليوصل صرخته، وما كان عيسى (مجنون سبيطة) سوى أنموذج لكلّ مواطن عربي واعٍ على مرّ العصور، عاش في الألفية الأولى والثانية والثالثة أيضا.. إلى يومنا هذا، فهو صوت الضمير الحيّ الذي يسكن بين ضلوع الأنقياء من الشعوب دون تحديد المكان أو الزمان. يمثل عيسى المواطنين المتمسكين بدينهم ومبادئهم وقيمهم من الديانتين: المسلمين والمسيحيين، هم من لا تفتنهم الكراسي. وهم من يرون ما لا يراه غيرهم، لهم نظرة ثاقبة، وواعية، ورؤيا للمستقبل، لذلك يتّهمون بالجنون.

طرح الكاتب وتساؤلاته أشبه بالمصباح الذي أضاء مساحة واسعة أمام القارىء، ليكون عونا له في استشراف المستقبل.

وكان لعاصمة العواصم: “القدس الشّريف” حضور بهيّ تخشع له النفوس.

حيث انتهت الرواية هناك.. مع عيسى ” مجنون سبيطة” مع جنود الاحتلال. كانت دلالة قوية من الكاتب.

رواية رمزية عميقة، خُطّت بقلم واعٍ، ولغة رزينة. تعتبر إضافة نوعية للمكتبة العربية.

وقالت د.روز اليوسف شعبان:

سبيطة بلدة تقع في صحراء جنوب فلسطين، بناها العرب الأنباط، فهي إحدى المدن الست التي كانت تقع على طريق البخور في القرن التاسع أو العاشر، حيث كانت تتوقف فيها القوافل ثم تتجه إلى مصر أو إلى الميناء في غزة. ص 7-8.

يستحضر الكاتب تاريخ بلدة سبيطة قبل ألف عام من خلال شخصية عيسى الذي جعله مجنونا، لكنه ينطق بالحكمة والعقل، فيتراءى لنا التاريخ مثقلا بالقتل والدمار والفتنة وحب السيادة والملك والسلطة، فالحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي السادس الذي حكم في مصر من 996 م إلى 1021م، أعمل في بلاد المسلمين الدمار وزرع الفتنة بين الطوائف، وأهدى المال والذهب لابن سلمة، وهو من سكان سبيطة وأعطاه ثلاثة من رجاله، فزرعوا الفتنة في المدينة الوادعة التي كانت تنعم بالاستقرار وحياة التجارة والايمان والتآخي بين الطوائف، فقد قتل الملوخي وابن سلمة بشارة بن جريس، ورموا جثته أمام المسجد، فرآها عيسى وهمّ بانتزاع الخنجر من ظهره؛ علّه يعود للحياة؛ فرآه الشيخ نور الدين واتهمه بالقتل، وتم سجنه وأجبره الملوخي أن يعترف زورا، أن من قتل بشارة هو الشيخ حسن، فالقي القبض على الشيخ حسن وعشرة أشخاص آخرين وتمّ إعدامهم، وهجم المسيحيون على المسلمين حرقوا بيوتهم واندلع الشجار بين الطرفين” يقولون أطلت الفتنة برأسها، لكن الفتنة في سبيطة قفزت عن أسوارها، تمتطي صهوة حصان أسود جسيم، وجاست في أزقتها تنفث سموم الحقد والكراهية، وتذكي نيران الحرب” ص 52.

كما أهدى الحاكم بأمر الله المال للأب حنا الذي أعماه المال، فرفض مساعدة باقي الكنائس أو مد يد العون للمحتاجين، أمّا الشيخ نور الدّين فقد أهداه الحاكم بأمر الله الجارية هيفاء، وكانت بالغة الجمال، فانقلب عن دينه وتبع ابن سلمة ورجل الشرطة الملوخيّ، وصار يدعو للحاكم بأمر الله في خطبة الجمعة. أمّا ابن سلمة فقد استأثر بالحكم، وحكم بالظلم واستأثر بالتجارة والقوافل؛ فازداد غنى في حين خسر تجار سبيطة تجارتهم، وساءت أحوالهم، وانتشر الفقر والجوع بين السكان، ولمّا كانت للشيخ نور الدين فتاة جميلة اسمها شيماء، أراد ابن سلمة الزواج بها، ووافق الشيخ عليه رغم معرفته بفساده وظلمه، وكانت شيماء تحب الاستاذ حسن معلم الصبيان، وكان يطلق عليه لقب الشيخ، ولما جاء الشيخ حسن لخطبتها رفضه الشيخ نور الدين.

بعد أن ساءت أحوال لبلاد؛ بدأ الناس بالثورة التي قادها جريس بن سمعان، بعد أن نجح في العثور وهو وعيسى على شيماء التي كانت مختفية في بيت حنينا لدى عائلة كريمة، فعادت شيماء معهما لتروي للناس الحقيقة وبأن ابن سلمة باعها جارية وأبعدها عن الشيخ حسن حتى يقتله.

أطاح الناس بحكم ابن سلمة وعينوا جريس مكانه، وأمل الناس بعودة البلاد الى عزّها وغناها واستقبال قوافل التجار فيها، لكن الملوخي بقي مع جريس، وكذلك لؤلؤة الذي كان يروي القصص الخيالية عن سبيطة وحكامها ويشيد بحاكمها.

ازداد غنى جريس واستأثر بالتجارة، وتنكّر للناس، وعاقب كل من انتقده بالسجن واغلاق بيته؛ خفّت التجارة وعانى الشعب من الذل والفقر، وقام نحّاتون بنحت تمثال على شكل جريس وصار الناس يسجدون له، ثم أشعل جريس الفتنة مرة أخرى حين أعلن أن من قتل بشارة هو الشيخ نور الدين؛ فاعتقله وزج به في السجن، وقام رجال من المسيحيين بالاعتداء على المسجد وهكذا عاد الناس الى القتال الطائفي.

ثم هرب جريس بعد أن توعده الحاكم بأمر الله، وعاث الناس في البلاد فسادا .

تنتهي الرواية حين وجد عيسى نفسه على الحاجز ، وجندي اسرائيلي يطلب منه بطاقة الهوية، ويتّهمه بدخول البلاد دون اذن، وبمخالفة قوانين الحجر الصحي في فترة الكورونا، فيفتح هاتفه النقال وتتراءى صور سبيطة أمام ناظريه، ثم يجد نفسه في السجن الإسرائيلي وسياط الجنود تهوي على جسده.

إن قارئ هذه الرواية الشائقة يجد نفسه يقرأ تاريخ الأمة العربية منذ نشأتها وحتى يومنا هذا، وما بلدة سبيطة إلا صورة مصغّرة للعالم العربي قديما وحديثا، فالتاريخ يكرّر نفسه في سبيطة، وفي غيرها من البلاد العربيةـ حيث يستأثر الحكّام بالسلطة والجاه، فيزدادون ثراء في حين يعاني الشعب من الذلّ والفقر والجوع، فلا عدل ولا مساواة ولا قوانين تنصف المظلومين، وحتى بعد الثورة، يتغيّر الحكّام شكلا لكنهم يبقون نفس الحكام الظالمين، الذين لا يحترمون شعوبهم، ولا يسعون من أجل رفاهيتهم بل بالعكس تماما، يقومون بإذلالهم واضطهادهم وتعذيبهم.

جعل الكاتب بطل الرواية عيسى مجنونا؛ حتى يجعله ينطق بالحقيقة، وينتقد الظلم دون أن يحاسبه أحد بسبب جنونه. يتساءل عيسى:” كيف للظلمة أن يستأثروا بالأموال ثم يفروا ليتمتعوا بها بأمان، بينما يصطلي الضعفاء بنيران الظلم ولا ينالهم حظ ولا نصيب، وكلما تسلط أحد تسلّق على سلّم ضعفهم، ثم ركل السلم بقدمه وألقاه في هاوية بعيدة، هل خلق هذا العالم ليكون جنّة الدهاة ونار الطيّبين؟ وأين العدل الذي وعدنا به الشيوخ من أعلى منابرهم والقسيسون من أمام مذابحهم” ص 183.

وحين سألت شيماء عيسى:” ما الذي يجلب الخراب ويسلّط الظالمين على رقاب العباد يا عيسى؟

أجابها:” عندما تختلف قلوبنا، فنصبح سوطا في يد المستبد يضرب بنا من يخالفه منا” ص 196.

وفي موقع آخر في الرواية يتساءل عيسى:” لماذا يكون الخيار دائما بين كرسي الحكم والدمار؟ لماذا يتشبث الحكام بالكرسي ولا يكترثون بالخراب الذي يحل بالديار؟ ” ص 203.

كيف لعاقل يرى التراب مصيره ثم يتجبّر في الأرض” ص 213.

فهل يغير الكرسي الرجال، أم نحن من نتغيّر أمام الرجال حينما يعتلونها؟ ص 138، وهل يرفع كرسي الحكم صاحبه فيترفّع عن رعيته، أم أن الرعية تطأطئ الرؤوس أمامه، وتصنع منه جبارا عنيدا؟” ص 138.

يطرح الكاتب في هذه الرواية الخيالية الشائقة عدّة مواضيع هامّة:

· منها تسلّط الحكام واستبدادهم وظلمهم للشعوب، وزرع الفتنة بين الشعب حتى يسود الحاكم على الجميع( سياسة فرّق تسد).

· انجرار الناس وراء الاشاعات وتصديقهم لكل ما يقول الحاكم

· الجهل الذي يطبق على الناس فيجعلهم يجلسون في مجلس لؤلؤة الذي يسرد عليهم الأساطير الخرافية ويربطها بالواقع ، فيشيد بالحاكم وعدله فيهلّل الناس معه للحاكم المستبد.

· المال والجاه والسلطة التي تعمي القلوب والعقول والنفوس فتجعل الكثيرين يحيدون عن الحق ويعبدون المال بدلا من عبادتهم لله.

· ضياع العدل في هذا العالم

· الانصياع الأعمى خلف الحاكم دون منطق

· الانجرار خلف الطائفية التي تدمّر الشعوب

· الربيع الزائف الذي حلّ في البلاد العربية ويتساءل الكاتب: هل سيأتي ربيع جديد؟ ص 142.

· انهيار القدوة ، فاذا انهارت القدوة انهار الوطن وعن ذلك يقول عيسى:” ما أقسى أن تنهار قدوتك أمام عينيك وتتحطم! تحاول لم فتاتهاـ لكنها تنهار من جديد، هذا أبونا حنا الذي كان مثلي الأعلى، وذاك الشيخ نور الدين الذي أظلني بالرعاية والحب وآواني، هما العملاقان ينهاران أمام ناظريّ” ص 77.

· انجرار الناس وراء رجال الدين دون تفكير ووعي، فهرع الناس الى بيت المقدس لتصديقهم الاشاعة ان الساعة ستقوم( في الالف الأول للميلاد)، وما أن تبخّرت هذه الاشاعة حتى عاد الناس الى الفساد والظلم والشهوات.

السرد في الرواية:

تميّز السرد بالرواية بما يسمى”الرؤية مع”، أو الرؤية المصاحبة”: وهي رؤية سرديّة كثيرة الاستخدام، إذ يُعرض العالم التخييليّ من منظور ذاتيّ وداخليّ لشخصيّة روائيّة بِعينها، من دون أن يكون له وجود موضوعيّ ومحايد خارج وعيها. إنّ السارد في هذه الرؤية، على الرغم من كونه قد يعرف أكثر ممّا تعرفه الشخصيّات، إلّا أنّه لا يقدّم لنا أيّ تفسير للأحداث قبل أن تصل الشخصيّات ذاتها إليه. تُحكى الروايات التي من هذا النوع بضمير المتكلم، وبذلك تتطابق شخصيّة السارد مع الشخصيّة الروائيّة(.بوطيّب، 1993، ص. 72-73.)ويستخدم السرد في هذه الرؤية ضميرَي المتكلّم أو الغائب، مع المحافظة على تساوي المعرفة بين السارد والشخصيّة(شبيب، 2013، ص. 117.)

استخدم الكاتب في سرده تقنيات الحداثة مثل: المونولوج والمناجاة، الاسترجاع، الأحلام والكوابيس، المونتاج الزمانيّ والمونتاج المكانيّ، تنوُّع الشخصيّات، وسيطرة الراوي بضمير المتكلّم (الأنا). وقد رويت أحداث الرواية بلسان بطل الرواية عيسى، بلغة جميلة تستند على التناص والتراث الشعبي والموروث الثقافي للأمة العربية، وقد جعله الكاتب كما ذكرنا آنفا، مجنونا، يطوف بين البيوت والأسواق والمقاهي والمعابد، ومجالس السهر يصغي الى الحكايات ويربطها معا؛ لتشكل في وعيه حكاية شعب لا زال يعاني من نير حكامه حتى يومنا هذا. لنكتشف في نهاية الرواية أن الراوي المجنون هو العاقل الحقيقيّ الذي يزن الأمور ويثير الأسئلة المنطقيّة ويتفوّه بالحكم، فالقرن التاسع وقرننا الحالي لا يختلفان، فالصراعات على السلطة والطائفية هي ذاتها.

المثير في الرواية أيضا، تلك الأسئلة المحيّرة التي طرحها الكاتب على لسان عيسى، والتي تستفز تفكيرنا فتجعلنا نتماهى معها ونضيف عليها : لماذا لا يحكم الحكام بالعدل وهم سيقفون يوما أمام الله العادل؟ هل حقا المدينة الفاضلة موجودة فقط في عقول الفلاسفة؟ كيف نجعل شعوبنا أكثر إيمانا وتماسكا ومحبة؟ كيف نقود ثورة أو ربيعا يمحو الظلم ويحقق العدل والمساواة للشعب؟ وهل جميع رجال الدين تفتنهم الشهوة ويغرهم المال؛ فيبيعون دينهم وضمائرهم ويتبعون أهواءهم وأهواء الحاكم؟ وكيف يميّز الناس بين رجل الدين التقي ورجل الدين المنافق؟ ألا يجب فصل سلطة الدين عن الحكم، حتى يتسنى لها أن تطبق شرع الله بكل عدل وإيمان؟

وهل شيماء الجميلة التقية هي الحلم العربي الذي مات؟ وهل هناك عودة لشيماء أخرى قد تشارك في قيادة الثورة ضد الظلم كما شاركت شيماء سبيطة مع عيسى في الثورة ضد ابن سلمة؟

وقالت هدى عثمان أبو غوش:

“سبيطة-الأيام قبل الأخيرة-“رواية فانتازيا خيالية ممزوجة بالتّاريخ، نلمس دهشة البطل في الصفحات الأولى للرواية من جمال المدينة، وعدم اهتمام الباحثين بأسرارها الأثرية؛ ولأنه عشقها فقد ظلّت في خياله وذاب في عشقها، وحلّق في خياله؛ لنكون في حضرة سبيطة الفلسطينية.

هي رواية رمزية، بطلها مجنون سبيطة عيس الذي تقمص شخصية المجنون، وما هو كذلك، وإنما يمتلك فصاحة اللسان والحكمة، ويرى ما لا يرى الآخرون من خلال صرة سحرية عجيبة، ونجد في شخصية عيس التي أسهب في تفاصيل أعماقها النفسية والعاطفية والوطنية في غضبه ومشاعره وجنونه ونظرته للمدينة، صرخة عاشق لوطنه في ظلّ صراع الحكام على مرّ الزّمان في تملك الكرسي، دون رعاية الشعوب بحق، وقد كانت تلاليب العنب في سبيطة التي زرعت في الصحراء ملاذا له، يبث لها همومه؛ لذا لا غرابة من تكرار ذكر تلاليب العنب عدّة مرات.

دوره في الرّواية، تصويرلمرايا الحاكمين وزيفهم، عن الظلم والظالمين على مدار الزّمان، وعن خنوع أفراد المجتمع واستسلامهم من أجل مصالحهم ولقمة العيش؛ لذا نجد مجنون سبيطة في حالة شرود وتساؤل، الحوار الذاتي(المونولوج الداخلي) يسيطر عليه، ويجعله في وضع تفكر وتأمل لما يحدث، فهو شاهد على انكسار الشعوب أمام حكامها، وعلى علاقة الحاكم بشعبه،وسوء إدارته.

“هل يصنع الإنسان إلهه فيعبده؟”

“كيف لعاقل يرى التراب مصيره ثم يتجبر في الأرض؟”

في هذه الرّواية استطاع الأديب دعيس أن يتجاوز الزّمان في مراحله المختلفة، من خلال خياله الجامح، حيث أخذنا إلى الزّمان البعيد، زمن الخيول والقوافل واستخدام مفردات قديمة كالجزية، السّقيفة، وزمن أمير المؤمنين والحاكم بالله والملك الحارث، وتوقف في عام الوباء”وباء الكورونا”في زمن الاحتلال. قال أحد جنود الاحتلال”ماذا تفعل هنا ألا تعلم بالحظر؟”

فلماذا غادرت بيتك وخرقت الحظر الذي فرضته الحكومة بسبب انتشار وباء الكورونا، قل لي من وراءك؟ من أرسلك؟”

نحن أمام رواية تدّق جدران خزّان الإنسانية، أما حان للشعوب أن تنعم بالراحة، بعيدا عن الدّمار والحروب والصراعات، سبيطة هي رمز لكل مدينة أو قرية فلسطينية عانت من الظلم، وما زالت، كلّ ذلك وفي الرّواية يبحث عيس عن المدينة الفاضلة، مدينة الحب بين البشر، وبين ذلك البحث نجد معاني القهر في الحوار بين شيماء وعيس.

“لماذا يكون الخيار دائما بين كرسيّ الحكم والدّمار؟ لماذا يتثبت الحكّام بالكرسيّ ولا يرون الخراب الذي يحلّ بالّديار”؟ بل يرونه، لكن هؤلاء لا يدوم لهم حكم ما دام الأخيار يعتمرون الأرض، فيعمدون إلى الأخيار فيعذبونهم، ويقتلونهم، ويشردونهم ليدوم لهم الكرسيّ.”

في هذه الرّواية ينتصر الأديب عبدالله دعيس للأماكن، لسبيطة الجميلة بآثارها، لتلاليب عنبها، للعيون، للآبار، لقمّة جبل المكبر، لبيت المقدس، للكنيسة للمسجد للجبال والوديان، لبعض المدن والأحياء؛ لذا نجده يبتعد عن الخوض في أعماق الشّخصيات.

جاء أسلوب الأديب بضمير المتكلّم على لسان عيس، وصف المدن خاصة سبيطة، واستخدم تقنية السّرد القصصي من خلال القاصّ “لؤلؤة”، والاسترجاع الفني” فلاش باك”، جاءت لغته قوية جزلة مليئة بالمفردات والأفعال التي تعبر عن المشاعر والحواس، جاء الحوار باللغة الفصحى، استخدم تناصّا من القرآن الكريم، وأقوالا من الإنجيل.

وقالت رفيقة عثمان:

تُعتبر رواية سبيطة، رواية تاريخيّة خياليّة؛ حيث استحضر الكاتب دعيس المكان والزّمان، وكانت سبيطة هي البطل الأوّل في الرّواية، وهي خربة سبيطة (مدينة سبيطة) وهي واحدة من مدن الأنباط السّت الّتي بنوها في غربي النّقب على درب التّوابل والعطور؛ اسمها مأخوذ من تحريف لكلمة (شوبيتو) أحد زعماء القوم، بعد توقّف القوافل في الفترة البيزنطيّة تحوّلوا للزّراعة فقط، حتّى خرابها في القرن الميلادي التّاسع، وسكنتها فيما بعد عائلات بدويّة . ( حنا فوزي: منصّة الرّأي) موقع إلكتروني.

ووصف الكاتب أحداث الرّواية في زمن 999 ميلادي تقريبًا. استوحى الكاتب روايته من قرية سبيطة الفلسطينيّة، والغنيّة بالمعالم الأثريّة القديمة النبطيّة، والغنيّة بزراعة الزّيتون والعنب.

استحضر الكاتب قرية سبيطة وخلق فيها حياة جديدة، كما تصوّرها أن تكون على غرار “المدينة الفاضلة”، ووصف الصّراعات السّياسيّة والاجتماعيّة، الّتي تقالبت عليها في ذلك العصر؛ ولم يكتفِ الكاتب بذلك فحسب، بل وصف جبروت أمير المؤمنين ” الحاكم بأمرالله” واتباعه في زمن عهد الفاطميين، في تركيع وإذلال الشّعب، والاستيلاء على الثروات والغنائم، والتّسبّب في تجويع وفقر الشّعب في سبيطة.

في نهاية الرّواية، وضع الكاتب حدّا لنتيجة أعمال الطغاة، فسقط الحاكم وأتباعه، ولم يظل الحكم بأيد الحكّام المُتسلّطين، فمات من مات، وهرب بعض أهالي سبسطية إلى قرى أخرى؛ وتهاوت الجدران، والبيوت، والكنائس والمساجد، ولم يعد هناك من يُعمّر القرية.” أمّا المسلمون فلم يوحّدهم تقاطر الغرباء إلى أرضهم، فقد تعمّقت خلافاتهم بعد سنين طويلة من حكم الخلفاء الفاطميين لهم” ص 15.

نسج الكاتب أحداث الرّواية، في قالب روائي جميل مُتخيّل، في لغة بسيطة ورزينة، ذات محسّنات بديعيّة، والصّور السّرديّة الّتي تتناسب مع الأحداث، ولم يستخدم الكاتب اللّهجة العاميّة في الرّواية كلّها؛ ممّا يساهم في نشرها بكافّة الدّول العربيّة؛ وتضيف تشويقًا لقراءتها.

اختار الرّوائي دعيس شخصيّة الرّاوي عيسى، وهي شخصيّة محوريّة، وُصفت بشخصيّة مختلّة عقليًّا، أو شخصيّة المعتوه في القرية؛ ومن خلال هذه الشّخصيّة، تحدّث الرّاوي بصوت الأنا، وهو الرّاوي العالم بكل ما يدور حوله من أحداث وأشخاص وأماكن. نجح الكاتب في وصف نفسيّة الرّاوي “المجنون” كما عُرف بالقرية، ووصف مشاعره من مخاوف وفرح وحزن، لكنّ عيسى الرّاوي يصف نفسه بالعاقل، ويستغل صفته بالتّقرّب إلى الآخرين من رجال ونساء؛ لمعرفة الأسرار الشّخصيّة والعامّة منها، وهو مقتع تمامًا بأنّه عاقل وليس مجنونًا.

نجح الرّاوي أن يتكيّف عيسى وفق الظّروف، ويصبح معتوهًا متى يشاء؛ لأنّه يُرفع عنه القلم، أي لا يُلام على أفعاله فيستغل هذه السّمة؛ ليحشر نفسه في معرفة وكشف المواضيع الحساسة في المجتمع، والتّقرّب من الحاكم وحاشيته، وتقصّي الأخبار في القرية.

إنّ اختيار الكاتب لشخصيّة “المعتوه” أتاحت للكاتب مساحة شاسعة من سرد الأحداث، واستنطاق الزّمن الماضي والمكان، والأحداث، الأشخاص في الرّواية؛ نظرًا لأنّ المعتوه لا يُلام ولا يُحاسب على أعماله، هذا الأسلوب الفنّي لاختيار الشّخصيّة، تُحسب لصالح الكاتب، وتمّ اختيارها عن دراية وحكمة الكاتب؛ لتطويعها في سرد المخفي والظّاهر في الماضي والحاضر. على لسان الرّاوي قائلًا ص 189: “إذا تآزرت الأيدي الضّعيفة، زحزحت الجبال الرّواسي.”. “السّلاح يقف عاجزًا أمام إرادة الحياة ص 191”. “نقف صفّا واحدًا، فقوّتنا في اجتماعنا ص 198.” في نهاية الأمر جعل الكاتب من عيسى بطلًا، أنقذ الشّيمّاء، وساهم في البحث عنها، ومساعدة المرضى والمحتاجين الّذين ظلّوا في القرية بعد خرابها، وعاد إلى بيت المقدس.

وصفت الشّيماء عيسى بقولها: “كيف وصموك بالجنون، ولسانك يقطر بكلّ هذه الحكمة؟”. من البديهي أن يكون أسلوب الحوار الذّاتي هو الغالب في الرّواية؛ نظرًا لسرد الرّاوي عيسى البطل، بصوت الأنا، وقلّت الحوارات الخارجيّة.

ذكر الكاتب بأنّه لا يوجد فرق بين الطّوائف المسلمة والمسيحيّة: “لم أعد أميّز بين الطّائفتين، فالموت لم يميّز بينهما”. كما ذكر ص 169 :” كلّنا نؤمن بربّ واحد، ونعبده بالمحبّة ص 148″. ” فلنحب أنفسنا فالرّب محبّة والدّين محبّة”. ص 186. إن دلّ هذا الأمر على شيئ، فهو يدل على إنصاف الكاتب، وعدم التمييز العنصري بين المسيحيين والمسلمين، والّتي أشاد بها في معظم صفحات الرّواية. الرّمز هنا بأنّ فلسطين يقطنها المسيحيّون والمسلمون على مر العصور، حتّى يومنا هذا.

برزت شخصيّة ثانية محوريّ في الرّواية، وهي شخصيّة لؤلؤة، وهو القاص أو الحكواتي الّذي ينطق بما يريده الحاكم، ويسرده على مسامع الجمهور؛ ترويجًا لآرائه ومبادئه. ” لؤلؤة! فما أنت إلّا بوق ينفخه كل من صعد إلى السّلطة” ص 188.

تُرى! هل يرمز الكاتب ناقدًا لمعاوني الرؤساء في عالمنا العربي والإسلامي؛ كالصّحافة أو مؤّذني المساجد المُروّجين لمبادئهم وآرائهم فوق المنابر؛ ويُكرّرون أقوال الزّعماء دون تحريف؛ لغسيل دماغ الأشخاص البسطاء، واستمالتهم للسّلطة الحاكمة؟.

بدت نهاية الرّواية فيها شؤم من المستقبل، ومن المأمول تكرار التسّلّط والاستبداد في الحكم، وسوف تتكرّر الشّخصيّات المتسلّطة مع تغيير في الأسماء فقط؛ وستظ المقاومة على الرّغم من الاحتلال والقيود

” أغمضت عيني، فرأيت لؤلؤة يُفرّخ لؤلؤة بعد آخر وينسلون من الأرض والجدار والسّقف، ويحيطون بي ويفتحون كتبهم ليبصقوا علي، فأغمضت عيني وصممت أذني ونهضت؛ لأدافعهم رغم القيود الّتي في يدي” ص 230-233.

استخدم كاتبنا بعض التناص الديني مثل على ذلك: “كالعرجون القديم” ” استبرق الجنان”وغيرها؛ كذلك استخدم الاقتباس في بعض الآيات القرآنيّة: ” وإذا أراد الله بقوم سوءًا، فلا مردّ له من دونه ومن وال” سورة الرّعد؛ كما ظهر اقتباس الآيات القرآنيّة مكثّفًا في ص 169-170. بالإضافة لاقتباس من إنجيل لوقا “أورشليم يا أوشليم يا قاتلة الأنبياء، وراجمة المُرسلين إليها! كم مرّة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدّجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا، هو ذا بيتكم يترك لكم خرابًا13:34: ص114.”

احتلّت مدينة القدس مكانة عالية في الرّواية، وحظيت في وصف جميل ورائع يليق بها؛ تكاد تخالها جنّة على وجه الأرض: ” أطلّت القبّة الذّهبيّة وقد عكست شمس الظّهيرة، فبدا وكأن ّالسّماء فيها شمسان، وشمخت المآذن وأبراج الكنائس وتعانقا وكأنّها تصعد معًا إلى عنان السّماء، وتلفّعت المدينة المُقدّسة بثوب أخضر من أشجار الزّيتون، فبدت وكأنّها اكتسب بإستبرق الجنان”. ص 113.

رمز الكاتب تفاؤله نحو بقاء القدس، وسوف تنبض بالحياة كما ذكر ص 225 : ” قلت في نفسي: ” هل ستنهض هذه المدينة من جديد؟ ضحكت في نفسي: ” هذه المدينة حيّة إلى الأبد، لا تموت”.

تبدو هذه الرّواية نوعا من الفانتازيا التّاريخيّة، حملت في ثناياها الرّمزيّة، والعديد من العبر والدّلالات السّياسيّة والاجتماعيّة، مطابقة لعصرنا الحالي في عالمنا العربي والإسلامي. فيها دعوة للخير والصّلاح، وتوحيد الصّف، والثورة على الظّلم والاستبداد؛ ودعم الإرادة وعدم الاستسلام، للدفاع عن الحريّة والكرامة.

اهتم الكاتب بكتابة العنوان “سبيطة” قبل الأيام الأخيرة؛ بمعنى وصف الحياة الاجتماعيّة والسّياسيّة قبل انهيار المدينة وخرابها، وسقوط حكّامها عن عروشهم.

تكلّلت الرّواية بسمة الخيال الخصب، الّتي صاغها الرّوائي دعيس، بسرديّته الأدبيّة السّلسة؛ والّتي تضع القارئ في حالة الانجذاب والانسياق في قراءتها من البداية حتّى النّهاية.

لاختيار الأسماء في الرّواية، لها دلالات خاصّة، مثلّا: الشيماء أطلقها على اسم البطلة الّتي خرجت عن فوانين العائلة، بهروبها مع الحبيب، ولكن المتسلّطين أبعدوه عنها، وظلّت شامخة بأخلاقها، عندما لجأت لعائلة الحنيني في القدس وعادت إلى بلدتها مرفوعة الرّأس.

الاسم الثّاني عيسى، ربّما تيمّنًا بسيّدنا عيسى عليه لسّلام، الّي تحلّى بالصّدق والإخلاص، كما أراد الكاتب للرّاوي أن يكون، بعيدًا عن الجنون.

الاسم الثّالث: لؤلؤة هو اسم ذو صفة اللّؤلؤ، الّذي يصدر لمعانًا نسبة للحكايات التي قصّها على الجمهور، فكان محط الأنظار والسّمع، مثل اللّؤلؤة.

رواية سبيطة رواية استوفت عناصر الرّواية كاملة، وتستحق القراءة، فهي ذات قيمة عليا، حبّذا لو تتم ترجمتها للغات أجنبيّة أخرى.

وقالت رائدة أبو الصويّ:

هذا ما يستحق أن يقدّم للأجيال القادمة. فيه (خطوط استخدمها برمزية )في الرواية

رمزية قوية وغزيرة تشرع أبواب الذاكرة، ما أشبه اليوم بـالبارحة! قبل ما يقارب

1440 عام تشبه ما يحدث الآن.

سبيطة المدينة الجميلة التي لم يتطرق لها أحد، في هذه الرواية جعلتنا نتعرف على

مدينة في صحراء جنوب فلسطين. بعث فيها الحياة الكاتب المبدع عبدالله دعيس،

تناول الكاتب الواقع الحياتي من رؤية غير مألوفة.

هذا الأسلوب المدهش، يحتاج لثقافة واسعة، ولثروة لغوية غزيرة،

سلوب يحتاج لثقافة واسعة وثروة لغوية غزيرة.

ملحمة أدبية

ملحمة أدبيّة: طريقة الوصف عند الكاتب مدهشة تجعل القارئ يعيش الحالة.

دقّة وجمال: عندما وصف في مقدمة الرواية منزل (محاسن)، التي أهدى إليها الانجاز الفخم.

متاكدة مليون المية أن الكثيرين ممن سيقرأون الرواية، سوف يتخيلون المشهد الجميل والشخصية الفريدة التي اختارها الكاتب، محاسن رمز الوطن بجماله

وحضوره. ربط الكاتب وفاة محاسن في وقت زيارته لسبيطة.

وصف تليلات العنب قرب سبيطة (رجوم الكروم) فيه ابداع.

سبيطة تذكرني بالبتراء وجمال البتراء.

كما جاء في الرواية

العرب الأنباط بنوا سبيطة، كما جاء في الرواية، أحدى مدن “طريق البخور.

لا غرابة باستخدام الكاتب صورة الدخان كثيرا بالرواية.

صور تعبيرية كثيرة ممتعة جدا أثارت إعجابي في الرواية، كل صورة كنت أتخيلها أمامي فيها حياة.

اختيار بطل الرواية وتكرار اصابته بالجنون رغم ذكائه وحكمته اختيار موفق جداً.

أثار الكاتب الكثير من القضايا بأسلوب شيق جدا، تطرق لوباء كورونا، وللظلم والعدوان، للمحبة، وللتسامح الديني.

استخدام اسم عيسى لبطل الرواية مجنون سبيطة دليل واضح على التعايش بين الإسلام والمسيحيّة.

نحن أمام ملحمة أدبية وليس رواية عادية.

وكتبت اسنات ابراهيم:

ما بين المجهول والغامض تبقى مساحة واسعة للخيال والفانتازيا. مساحة لها عذرها عندما لا تفيدنا كتب التاريخ ولا تسعفنا الذاكرة في التعرف على مدينة صغيرة نرى موقعها على الخريطة في الجزء الجنوبي الغربي للنقب، ولا شيء غير ذلك نعرفه عنها.

بذكاء وحنكة استغل الكاتب عبدالله دعيس مدينة سبيطة المجهولة التاريخ ليحيك نسج روايته على نغم الزمن الغامض. ففي عام ٩٩٩م انتظر الناس في الشرق والغرب نهاية العالم عند حلول عام الألف للميلاد! كانت سنة مشحونة بالمخاوف والترقبات.

في هذه السنة تحديداً وقعت مصر تحت حكم الفاطميين وخلافة الحاكم بأمر الله، المتهم بالجنون والخبل.

ولأن الناس على دين ملوكهم فالجنون والخبل وما يصاحبهما من ظلم وقمع كانوا سمة العصر، حتى أصبح العاقل الوحيد، شخصية عيسى في الرواية، هو المجنون ، وبقية الناس عقلاء، بل هو المثقف الذي يحمل مسؤولية إنقاذ بلده من دوامة الظلم والطغيان إلى برّ الأمان. وعندما تتاح له فرصة النجاة والهروب بنفسه إلى كهوف الصحراء، ملتمسا فيها الراحة والدعة يقرر العودة لبلده الذي يحبه رغم ظلمه.

الهروب الى الصحراء والالتجاء الى الكهوف يعبر عن التأثر الواضح لدى الكاتب بالقرٱن الكريم وسيرة الرسل والأنبياء، الذين هربوا بدينهم الى الكهوف يبتغون راحة النفس ومناجاة الله. مثال على ذلك نجد في عودة عيسى من كهوف الصحراء الى بلده لشراء الطعام والثياب، الشبه واضح بقصة فتية أهل الكهف.

كذلك الأمر بالنسبة للتعابير والحوار في الرواية الذي يظهر فيه الاستعانة بنصوص قرآنية أدخلت على النص الأدبي؛ لتعطيه بعدا جماليا آخر.

في الرواية نلحظ إشارات مبطنة للربيع العربي، الذي سرعان ما انقلب خريفا عندما تولى العسكر حكم الدولة فأساؤوا ولم يصلحوا. بل ان الإمور تحولت من سيء الى أ

أسوأ هكذا ربط الكاتب عبدالله دعيس الماضي بالحاضر؛ لنعود معه لواقع الحال

الذي لا يختلف كثيرا عن تلك الأوضاع القاسية، التي عاشتها مدينة سبيطة في نهاية القرن العاشر للميلاد، ولا جديد تحت الشمس، فلا يختلف الملوخي، صاحب الشرطة في الرواية، عن أيّ من القادة والعساكر، الذين وصلوا الى السلطة في يومنا الحالي عن طريق الدبابة، وعندما يستشعرون الخطر يداهم مناصبهم، يفرون بأموالهم المسروقة من خزينة الدولة الى الخارج.

أيضا نجد شخصية القاص لؤلؤة، يمثل وسائل الإعلام الحكومية العربية من المحيط الى الخليج، التي هي بوق ملمع لظلم السلطة.

الذي استنتجته من قراءة الرواية هو أنها رواية واقعية، وليست خيالية كما أراد لها الكاتب، بل هي صورة طبق الأصل من الواقع السياسي والاجتماعي الذي نعيشه في زمننا الحالي، وإن اختلفت الأسماء واختلف المكان، ما دامت النتيجة التي نصل اليها في النهاية هي أن هنالك عقدة تاريخية متجذرة في الوعي العربي على مر الزمان واختلاف المكان، هي عقدة الخضوع للسلطة الحاكمة والانصياع دون تفكير أو تدبر لكل القصص والروايات التي تخدر به شعوبها، عن طريق وسائل إعلامها المسيس والمدجن.

الفانتازيا في الرواية تظهر في نسق الرواية وتسلسل أحداثها بفعل قوى مبهمة وغير مفهومة للقارىء، مثل كتاب الشيخ نور الدين الذي هو أشبه بالسحر، تلك الرائحة المخدرة التي تفوح من صفحاته ثم اختفاء الشيماء رفيقة عيسى، وهي راكبة بجانبه على الحصان الأسود بشكل مفاجىء.

ما الذي حدث وما هو تأثير قراءة كتاب الشيخ نور الدين على اختفائها؟ لا ندري !

في رأيي المتواضع وتفسيري الذي يحتمل الخطأ، أن ذلك الكتاب الغامض الذي يسحر عيون كل من يطالعه، ويغير في نظره الأشكال من حوله، إن هو إلا أوهامنا التي تعمي أبصارنا عن رؤية وفهم ما يحيط بنا من أحداث، فنضل الطريق.

أيضا، الجانب الخيالي الٱخر في الرواية لاحظته في اختفاء مدينة سبيطة بأكملها بفعل زلزال، وكأنه يجب أن يقع زلزال؛ كي تقوم المدينة من جديد.

ومع ذلك يبقي الكاتب نافذة أمل للخروج من هذه الدائرة المغلقة، ففي نهاية الرواية يصحو عيسى من حلمه الطويل؛ ليجد نفسه أمام شرطي اسرائيلي يستجوبه عن سبب اختراقه لفرض الحجر الصحي بسبب كورونا، وسبب قيادته لسيارة اسرائيلية وهو الحامل البطاقة الخضراء، فيتذكر الملوخي بل ويشتاق لأيام الملوخي والقاص لؤلؤة، وفي ذلك إشارة الى سوء الحال اليوم مقارنة بتلك الأيام الخالية، وكأن هنالك ظلما أفضل من ظلم، وكأن من الممكن ان نشتاق للطغاة الظالمين.

ولأنه استفاق من نومه واكتشف بنفسه أن لؤلؤة يفرّخ لؤلؤة بعد آخر، وينسلون من

من الأرض والجدران والسقف ويحيطون بي يفتحون كتبهم ليقصوا علي . فأغمضت عيني وصممت أذني ونهضت؛ لأدافعهم رغم القيود التي في يديّ، ”

هكذا يبقي الأمل بالتغيير والنهوض رغم كل القيود.

ولأن الكاتب هو زميل ورفيق مخلص ل ” جولات مقدسية” يظهر في الرواية، كما في روايته السابقة ” قبل أن يأتي الغرباء ” مدى تأثره بالجولات، يظهر ذلك من خلال رحلته الى القدس ووصفه الشيق للمدينة، وما يحيطها من قرى ، مثل جبل المكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة