• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    كلمات في القيادة (3)

    محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة

    تعرف عظمة القائد وحنكته في المجتمعات البشرية بقدرته على إدراك أبعاد الأمور وخفاياها قياسا على ظواهرها وشواهد التاريخ والسنن الربانية في الكون؛ حيث أن عوام الناس طُبعوا على النظر إلى سطحيات الأحداث وشكلياتها، أما أهل العلم والقادة فيسبرون غور الأحداث بناء على ما أوتوا من العلم والمعرفة والتجربة، ليخرجوا إلى مجتمعهم بخيرة تجاربهم ومعرفتهم، ومن أروع المواقف التي تكشف لنا أهمية العلم ودور أهله في قيادة الجماهير بعيدا عن العواطف والشكليات، هي موقف العلماء في قصة قارون عندما خرج على قومه في زينته وخيلائه، فاغتر الناس بملكه وسلطانه وراحوا يتمنون لأنفسهم مثله (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) القصص.
    فالآيات تبين لنا مواقف الناس حسب علمهم وإدراكهم، فقارون صاحب الملك والسلطان اجتهد ليكسب قلوب الضعفاء والمساكين ويستهويهم بملكه وماله، فاستجاب الفقراء وعوام الناس وانجذبوا نحو الملك والسلطان وأصبحوا يتمنون أن يكون لهم مثل ما لقارون وظنوا أنه صاحب ملك عظيم، بينما نجد الموقف الحازم لأهل العلم الذين تصدروا لقيادة المجتمع في تلك اللحظات الحاسمة؛ فقالوا بوضوح وقوة للفقراء والبسطاء من الناس؛ (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) القصص (80)، فنجد أن العلماء ردوا على الناس بقوة وابتداء النص بقوله تعالى (ويلكم) فيه نوع من التهديد والرد الحاسم على لعاع الدنيا الذي بدأ يسيل من قلوب الضعفاء والمساكين، ثم يكمل أهل العلم توجيههم (ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)، فالعلماء أدركوا ببصيرتهم الثاقبة أن هذه البهرجة وهذا الخيلاء والكبر لن يدوم على صاحبه ما دام صاحبه جاحدا ومنكرا لنعمة ربه سبحانه وتعالى الذي قال: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم؛ 7).
    فالعلم والمعرفة والبصيرة وبعد النظر وقياس الأمور بنظائرها ورد الأحداث إلى عواقبها والتفكير العميق وبعد النظر في مآلات الأحداث وعدم الانجرار وراء المظاهر الخادعة أو الربح السريع وغيرها من المعاني القيادية هي ما يميز أهل العلم والبصيرة على غيرهم من الناس، وهي من أهم العوامل النفسية والتربوية التي تعطي العمق التربوي والفكري لأهل العلم على غيرهم من الناس.
    المجتمعات البشرية بعامة والإسلامية بخاصة تعيش اليوم في فراغ قيادي مخيف، وهذا ملاحظ في كل مناحي الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية، من هنا كان لزاما على أهل العلم والدراية والبصيرة البدء بتشكيل منظومة فكرية تعمل على غرس القيم القيادية وتربية الناشئة عليها، ثم توفير أجوبة إبداعية خلاّقة لمختلف قضايا الأمة المعاصرة والمستجدة، فمن غير المعقول أبدا أن تبقى الأمة على هامش ردود الأفعال لكل ما يقع عليها من السياسات التي تنتجها المنظومات الفكرية العالمية بعيدا عن احتياجات الامة في حاضرها ومستقبلها.

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.