• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    ما هكذا تورد الإبل …

    بقلم: هيثم طاطور

    سيساهم تعامل رؤساء السلطات المحلية العربية مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو (من حيث التوقيت) بتكريس قاعدة التسلية بالعرب وإهمال قضاياهم أكثر وإرجاءها وتأجيل البت فيها إلى عشية كل انتخابات .

    لا يستحق بنيامين نتنياهو الذي داس على حقوق العرب طوال فترة حكمه أن يتغنى بالتسلية بالعرب وباللعب بنا كالدمى وبالعبث العشوائي بهذا الشكل ، ولا أن يظهر في حملته الإنتخابية أمام الرأي العام الإسرائيلي (على الأقل) بهذه “الحمائمية” التي لم تعد تنطلي على أحد ، هذه الحالة التي دفعت بالصحافة العبرية ذاتها لأن تخاطبنا وتحذرنا وتدعونا إلى عدم تصديقه وتطالبنا بحفظ كرامتنا وماء وجوهنا ، بل وذهبت إلى تذكيرنا عبر بث مقاطع فيديو من إرشيفاتها بشكل غير مسبوق يظهر فيها حقده وكراهيته وممارساته العنصرية على مدار سنوات طويلة بحقنا “لكي لا ننسى” .

    إن خطورة التحوّل الذي قام به نتنياهو من خلال الإستفراد والتوجه إلى رؤساء السلطات العربية بهذه الصورة عشية الإنتخابات تنبع بالأساس من أن هذا التحول لا يندرج ضمن استراتيجية الرغبة بتغيير نمط السلوك الرسمي لإسرائيل مع مواطنيها العرب إطلاقاً ، بل إن هذا (التحوّل) جاء بعد ضمان تشريع وتثبيت قانون القومية مئة بالمئة ، وبعد إجهاض كل مساعي تثبيت مطلب المساواة في صيغة قانون رسمي – بما فيها تلك المساعي التي طرحتها الأحزاب الإسرائيلية ، وبدا وكأن لسان حال نتنياهو يقول لنا : تقبّلوا الواقع الراهن رغماً عنكم و “فش عندي شو أعطي” ، لذلك لا يمكن اعتبار هذا التهريج إلا مادةً للاستهلاك الإعلامي ووقاحة لا تفوقها وقاحة ولا غير ذلك ، وأصبحت نهجاً سيثير شهية باقي النخب السياسية لإعتماده دون قلق وبأريحية تامة مع المواطنين العرب في المستقبل .

    باعتقادي نحن مقبلون على تصعيد ممنهج وأكثر حدّة ، وسوف يستمر تهميش قضايانا وسيرتبط إدراجها على جدول الأعمال هذه المرة إرتباطاً وثيقاً بالانتخابات ، وستدار الأمور بشكل عكسي تماماً للنتائج “المرجوّة” من صيغة تعامل نتنياهو مع رؤساء السلطات المحلية العرب ، وسيطعمنا حكام إسرائيل الحجّة والناس راجعة – متى يشاؤون وكيفما يشاؤون – بمعنى أن قضايانا الحارقة ستثار فقط عند سقوط كل حكومة وليس خلال فترة عملها .

    كم خيمة احتجاج نصبت أمام مكتب نتنياهو ولم يكلف نفسه عناء الإلتفات إليها ، وكم من الأعوام مضت كان يملك فيها نتنياهو متسعاً كافياً من الوقت من أجل الوقوع في الحب المفاجئ لنا ، ولكنه على ما يبدو يعرف رموز الشيفرة التي تحركنا جيداً ويعرفنا تماماً كما نعرف نحن أنفسنا بل وأكثر – نطوش على شبر ماء ونؤمن بالحب من النظرة الأولى حتى وإن كانت هذه النظرة في مراكز التطعيم أو من خلف كاميرا الزوم.

    لقد بدأت النخب السياسية الفاعلة بتبني حِيَل مماثلة لحيلة نتنياهو ، وصلت إلى حد تصريح يائير لابيد بأن لا مشكلة لديه بأن يكون العرب جزءاً من حكومته القادمة ، وإلى حد طل فيه چدعون ساعر حاملاً عصا موسى السحرية لحل قضية العنف والجريمة ، وإلى وضع مثير للذهول حقيقةً فيه انضم “ليبرمان” وأتباعه من دعاة تهجير العرب إلى الشلة .

    إن المعاناة من وجود أكثر من 400 ألف قطعة سلاح غير مرخص في المجتمع العربي ، وتفشي أزمة العنف والجريمة والبطالة ، وإنعدام الأفق في قضايا الأرض والمسكن ، وتشريع قانون القومية ، وقانون كامينتس ووتيرة العداء المتصاعد للعرب كانت حاضرة لأعوام على صفحاتنا ، وعلى جباهنا ، وعلى أرصفة شوارعنا وفي أزقة مدننا وقرانا ، وفي حقائب طلابنا ، وزواويد عمالنا ، بل وعلى شواهد قبور شبابنا .

    أنا مع مقارعة نتنياهو ولكني ضد التوقيت ، وإن كان لا بد من ذلك فلا مانع بأن يتم بشرط قيام نتنياهو بالاعتذار أمام المجتمع الإسرائيلي الذي أذكى فيه نار الكراهية للعرب ، وأمام كل العالم عن كل ممارسات التنمّر التي قام بها بحقنا وبحق شعبنا الفلسطيني على مدار سنوات ، كما وأن يتم التعامل معه في إطار الإجماع العربي وتحت مظلة النواب العرب ، هؤلاء النواب الذين ارتفعت وتيرة تحريض نتنياهو ضدهم بسبب دعمنا الغير مسبوق لهم ، الأمر الذي جعله يذهب باتجاه ضربهم في عقر دارهم (البلدات العربية) بمسعى واضح وصريح لتشتيت وتفكيك وتفسيخ النسيج العربي بعدما نجح وبذكاء خارق في تفكيك المعسكرات السياسية المناهضة له .

    باعتقادي ونظراً لعدم توفر الشروط أعلاه فإن من الأجدر رفض التعامل مع نتنياهو في هذه الفترة الحرجة بالذات – كأفضل رد منا على قائمة ممارساته العنصرية ، وجعل لص الأصوات هذا عبرةً لمن يعتبر ودرساً يدفع ثمنه باهظاً – إعلامياً وجماهيرياً – كل سياسي تراوده من الأساس فكرة التحريض على العرب .

    إن الواجب الوطني للقوى الشبابية الصاعدة في الحكم المحلي العربي يحتم عليها التعامل بمسؤولية بكل ما يتعلق بالالتزام بأسس النضال المدني المشروع ، وأن أقل ما يمكنها فعله فيما لو فرضت عليها “الظروف” طلات نتنياهو الاستعراضية ككعك العيد هو رفضها ومعارضتها وإيضاح مدى خطورتها ، كما ينبغي علينا توخي الحذر الشديد من مخططات نتنياهو وأهدافه المبطنة ووجوب إيقافه عند حده .

    سنبقى في الإعلام العبري كالأيتام على موائد اللئام ، وسيكون بنيامين نتنياهو أو أي رئيس حكومة قادم في إسرائيل أكثر فاشية من ذي قبل تجاه العرب ، وهذه المرة بخطى ثابتة أكثر وبقناعة راسخة لأن الوضع العام كما يبدو لهم 7 نجوم ديلوكس وكل شيء يسير في المجتمع العربي على “ما يرام” .

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.