• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    “اختيار” بقلم حوا بطواش

    * قصة من الحياة

    في صباح يوم الجمعة الذي دخلتُ فيه إلى غرفته لترتيبها، ككل يوم جمعة، ولمحتُ مفكّرته السّميكة قرب مخدّته، على غير العادة، كنتُ، حقيقةً، في عجلة من أمري كي أنهي أعمال التنظيف في البيت بسرعة قصوى وأذهب للقاء تمارة، صديقتي من الجامعة، في المقهى الذي في مركز المدينة، في موعدنا في العاشرة والنصف. كان مُدهشا حقا أن أكتشف بأن زوجي… يحبّني.
    انتابتني الحيرة ولم أعرف ماذا أفعل. لكنني ذهبتُ إلى موعدي مع تمارة كأن شيئا لم يكن. أظن أنني، في تلك الأثناء، وحتى بعد ساعات وأيام، لم أصدّق بنفسي ما اكتشفته في تلك اللحظة. لكنّني أحسستُ بشعور فظيع أمام ذلك الاكتشاف. وبقيتُ لا أكلّمه بأكثر من صباح الخير خلال أسبوع كامل.
    لم يقل شيئا إزاء ذلك. لا بدّ أنه أحسّ بحدوث شيء ما، لكنه لم يتدخل كعادته. بل انتظر حتى أكون جاهزة لأخبره بنفسي.
    وبعد ظهر يوم الجمعة التالي، عندما جلسنا نشرب القهوة على شرفة غرفته، قلت: «بدي إسألك شي.»
    «تفضلي.» قال دون أن ينظر إليّ، وكأنّه لا يبالي بالسؤال الذي سيكسر الصّمت السائد بيننا طوال أسبوع.
    سألته بجدّية بالغة: «ليش تجوّزتني؟»
    لاحت علامات التعجّب على وجهه. قال: «شو ها السؤال؟»
    «وليش ما بدك تجاوب؟»
    «لإنك بتعرفي الجواب.»
    «لا، ما بعرف الجواب.»
    «إسا ما عدتِ تعرفي؟»
    «اللي ساويته معي إنت ما حدا بساويه.»
    «أنا بساويه وما خصني بحدا.»
    «طيب، قل لي ليش؟ ريّحني.»
    ردّ حانقا: «لإني أهبل! أوكي؟؟ أنا هيك مرتاح مع حالي. ارتحتِ إسا؟»
    لم أجِب بشيء.
    أشاح عني بوجهه، أخذ رشفة من فنجانه وحملق في اللاشيء. ثم غاص في حيرته وتدثّر بالصّمت. وبعد دقيقتين، قال متمتما، كأّنه يحدّث نفسه: «يا ريتك ضلّيتِ ساكتة.»
    ارتشفتُ من فنجاني ببطء وقلتُ بصوت يشي بالسّر: «أنا بعرف إنك بتحبني. مشان هيك تجوّزتني.»
    إلتفت إليّ متفاجئا وجفلت عيناه. لم يرُد بشيء وبقي جامدا في مكانه دقائق طويلة.
    ثم قال بنبرة هادئة: «أنا… مصدوم.»
    «مصدوم إني بعرف؟»
    «لا. إنك قريتِ مفكرتي.»
    ابتلعت ريقي، يبلّلني الخجل. «أنا… آسفة.» تمتمتُ. «بعرف إني ما كان لازم إقرا… بس… ما قدرت.»
    انغمس في التفكير وقد كست وجهه تكشيرة طيبة وامتقع لونه، ثم قال: «طيب.»
    «طيب شو؟»
    «إنسي.»

    * * *

    قصّة زواجنا أنا وماجد غريبة وعجيبة.
    لا أدري من أين أبدأ سردها. هل أبدأها من ذلك اللقاء الأول بيننا مصادفة على باب بيت صديقتي سارة؟ أم من ليلة هروبنا لنتزوج خطيفة؟
    ربما الأفضل أن أبدأ من ذلك اليوم الأسود الذي لم أعُد من بعده كما كنتُ، ولم تعُد حياتي كما كانت من قبل إلى الأبد. يوم وفاة أبي.
    كنتُ حينها في السادسة عشرة من عمري. وردة في عزّ تفتّحها وإشراقها، وكنتُ مدلّلة أبي التي يغار منها الجميع، فقد كان يفخر بي لتفوّقي في الدراسة، وكانت أختي الأكبر مني بسنتين لا تخفي غيرتها مني بسبب ذلك، حتى إخوتي الثلاثة المتزوجين وزوجاتهم لم يخفوا غيرتهم وحقدهم تجاهي. كنت أرى ذلك دائما في نظراتهم. حيث كان أبي رجلا جبّارا وأبا متسلطا وقاسيا تجاههم. فقط معي كان حنونا ورقيقا وكان ذلك يثير أسوأ ما في نفوسهم. لكنني لم أكن أبالي بهم. كنت سعيدة باهتمام أبي واعتزازه بي.
    ثم صدمتُ بخبر وفاته، كما فعل الجميع. فقد تعرّض لجلطة دماغية ذات صباح وتوفي بعدها بساعات قليلة في المستشفى. وتغيّر كل شيء رأسًا على عقب.
    بين ليلة وضحاها أمسينا أنا وأختي وأمّي وحدنا بلا معيل، ولم يكن مسموحا لنا نحن البنات بالعمل، خاصة أننا من قرية صغيرة ونائية وفرص العمل فيها قليلة. لم يكن لدينا أحدٌ سوى إخوتي الثلاثة المتزوّجين، الذين يملؤهم الحقد وتطغى عليهم القسوة التي كان يعاملهم بها أبي، فلم نملك إلا أن ندعو الله بأن يشملونا برحمتهم ويقدّموا لنا بعض ما تجود به علينا أنفسهم.
    تزوّجت أختي بعد عام من وفاة أبي من رجل من قرية أخرى يكبرها بخمسة عشر عاما، مطلّق وله خمسة من الأبناء. وبعدها، تحوّلت الأنظار نحوي، بعد أن أكملتُ دراستي الثانوية. لم يقبل إخوتي أن أكمل تعليمي في الجامعة، رغم أن أبي أراد أن أدرس الطب أو التمريض. لكن إخوتي لم يقتنعوا بضرورة تعليمي ولم يقنعهم شيءٌ غير ذلك مهما حاولتُ، فعرفتُ أن مصيري سيكون كمصير أختي.
    ثم ظهر ماجد أمامي كهديّة هبطت إليّ من السّماء الرّحوم، لينقذني من حياة البؤس التي كنتُ أعيش فيها والتعاسة التي كانت تنتظرني وتتأهّب لتنقضّ عليّ وتفترسني، بعد أن كنت قد فقدت الأمل في تحقيق طموحاتي، أوشكتُ على الغرق في بحر أحزاني ولم أعرف مخرجا منه.
    كان ماجد صديقا لرامز، أخ سارة، صديقتي المقرّبة التي كنتُ أزورها في بيتها من حين إلى آخر، أشكو لها همّي علّها تخفّف عني قليلا أو تساعدني بشيء.
    وذات يوم حين كنتُ في زيارة عندها في البيت سمعتُ طرقاتٍ على الباب، وكانت سارة قد ذهبت لإحضار شيء للضيافة. ففتحت الباب وإذ به واقفٌ أمام الباب ويسأل عن رامز.
    وقف هناك جامدا، وعلى وجهه ملامح باهتة لا تعبّر عن شيء. كانت لديه قدرة هائلة على الفتور.
    ثم صادفته بعد ذلك عدة مرات في بيت سارة، لكنّنا لم نتبادل أكثر من التحية العابرة، ولم تلُح على وجهه حتى ابتسامة صغيرة تشي بإعجاب مبطّن.
    ثم فوجئت به ذات يوم، يتّصل بي على الهاتف، يعرفّني عن نفسه، يعتذر بكل أدب إن كان هناك ثمة إزعاج، وبكل جدّية وبلا مقدمات يعرض عليّ الزواج!
    صُدمت. ولم أعرف بماذا أجيب. ثم أخبرني أنه علم بقصتي من خلال رامز ويريد مساعدتي، وعرض عليّ بأن يتزوّجني ويدعني أكمل تعليمي حتى أتخرّج وأجد عملا أعتمد فيه على نفسي ولا أحتاج أحدا من إخوتي، على أن يكون زواجنا صوريا، أي أمام الناس فقط، ونعيش في البيت مثل الأصحاب، وتكون لكل واحد غرفته الخاصة، وبعدها، ننفصل ويذهب كلٌّ منا إلى حال سبيله.
    أعرف كم غريبا كان هذا الأمر، كل شيءٍ في ماجد كان غريبا، كما اكتشفتُ لاحقا، لكن، ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ لم أملك خيارا آخر كي أنفذ من مصيري المحتوم، ولكن أهلي وأهله لم يوافقوا على زواجنا، فعرض عليّ ما هو أغرب من ذلك. سنهرب ونتزوّج خطيفة!

    * * *

    كان ماجد يكبرني بسبع سنوات، أو يزيد قليلا، درس الحقوق في خارج البلاد، ثم عاد وفتح مكتبه الخاص في المدينة، مملوءًا بالحماس ومفعمًا بالأمل.
    كان شابا ليس بالطويل ولا بالقصير، وجهه ناعم، وقور، ذو ملامح جامدة، لا يغيّرها أبدا. حركاته محسوبة بدقّة. له عينان عسليّتان، فاترتان، ذات نظرةٍ حادّة تنمّ عن الذكاء، يعلوهما جبينٌ عالٍ، ويحيط به شعرٌ أسود خفيف، وله شفتان دقيقتان، مضمومتان، لا تبتسمان إلا نادرا، ولا تتكلمان إلا قليلا.
    كان الابن الوحيد لعائلته الثرية التي سكنت في قرية ليست بعيدة عن قريتي، تعرّف على رامز منذ أيام المدرسة وحافظ على صداقته معه حتى بعد عودته من خارج البلاد، وحتى بعد زواجنا وانقطاعنا عن أهالينا.
    كان قد اكتسب بعض القيم الغربية خلال دراسته خارج البلاد واحتكاكه بالثقافة الغربية، خاصة بما يتعلّق بمفهوم الحرّية، ولكن، الحرية ليس كما يفهمها الكثيرون من الرجال، بحيث يحلّلونها لأنفسهم ويحرّمونها على غيرهم، خاصة على نسائهم؛ زوجاتهم وأخواتهم، بل الحرية في الاختيار وفق إرادته هو وليس إرادة الآخرين… حتى أهله.
    تمرّد ماجد على أهله عندما رفضوا زواجنا، فرفض الخضوع لإرادتهم والإذعان لأوامرهم. قال: «إنهم أهلي، وأنا أحبّهم وأحترمهم، لكن، ليس من حقهم فرض إرادتهم عليّ ولا التحكّم بقراراتي. هذه حياتي ولي حرية الاختيار.»
    وهكذا، تنازل عن كلّ شيء، وألقى بنفسه في غياهب العزلة، وفضّل أن يمتلك حرية الإرادة، رغم أن والده هدّده بحرمانه من الميراث، لكن ذلك لم يهزّ فيه شيئًا ولم يغيّر من عزيمته، بل تصرّف وفق معتقداته وقيمه التي يؤمن بها.
    هربنا إلى المدينة، بعيدًا عن أهلي وأهله، لنبدأ صفحة جديدة من حياتنا معا كزوج، ولكن… ليس ككل الأزواج.
    كان ينام في غرفة أخرى ولم يحاول الاقتراب مني ولا مرة. عشنا في بيت واحد كالأصحاب. أكملتُ دراستي الجامعية وهو اشتغل في المحاماة وأنفق على دراستي وعلى البيت، وكنا نأكل ونشرب معا، نخرج الى السينما والمسرح، ونقضي وقتا طيبا، ثم نعود ويدخل كل واحد إلى غرفته ويغلق الباب على نفسه. لم نخبر أحدا بطبيعة زواجنا الغريب. حتى تمارة لم أخبرها بشيء، إلا بعد تخرّجي واقتراب النهاية.
    بعد فترة من زواجنا، وبعد أن اطمأنّ قلبي لوضعي الجديد وارتاحت نفسي لماجد، بدأت تراودني الأسئلة: لماذا فعل كل ذلك؟ لماذا ضحّى بعائلته وبكل شيء من أجل زواجٍ صوريّ كهذا؟ من أجل بنت لا تستحقّه؟
    وبدأت أحسّ أنني ظلمته حين قبلتُ هذا الزواج وكل ما فعله من أجلي. بتُّ أرى نفسي أنانية لأني لم أفكّر بغير نفسي. أردتُ فقط أن ينقذني من بؤسي وانكساري ويخلّصني من قسوة إخوتي وتعاسة حياتي.
    صرتُ أكره نفسي وأحسّ أنني لا أستحقّ كل ما فعله من أجلي، وأفكر أنه إذا كان قد تزوّج مثل الجميع كانت له الآن زوجة يحبّها وتحبّه وأولاد وبنات يحبّهم ويحبّونه. إنه يستحق ذلك. يستحق أكثر من ذلك.
    كنتُ أراه أحيانا يجلس جنب مكتبه الذي في غرفته، يكتب في مفكرته، وحين سألته ذات يوم ماذا يكتب؟ أجاب بلا اكتراث: «لا شيء مهم.» وأغلق المفكرة.
    تعجّبتُ لِم أغلقها بهذه الطريقة، وكأنه خائف من شيء ما. لكني لم أعِر ذلك اهتماما أكثر وكدتُ أنسى الأمر، إلى ذلك اليوم الذي رأيتها فيه على سريره، جنب مخدّته… وقرأتها.

    * * *

    «ليش؟؟» سألته بعد ظهر ذلك اليوم، على شرفة غرفته، مندهشة لطلبه بأن أنسى ما قرأته في المفكرة.
    ردّ بعد تفكير: «عشان تعيشي حياتك متل ما بدك. »
    «طيب وانت؟»
    «أنا شو؟»
    «إنت عايش حياتك متل ما بدك؟»
    «ليش إنت شو شايفة؟»
    «أنا شايفة إنك عم بتضحّي بكل شي مشان وحدة ما بتستحقك.»
    «لا، إنت غلطانة. أنا ما ضحّيت بشي مشانك. أنا كل شي عملته كان مشاني أنا وبإرادتي.»
    «مش ندمان؟»
    «ليش لأندم؟»
    «يعني إنت رضيان هيك عن حياتك؟»
    أطلق زفرة طويلة، وقال: «إذا بقلك إيه ما بكون صادق. أكيد كنت بتمنى لنفسي أكتر من هيك. بس مش كل شي نتمناه في الحياة منقدر نوصل له. أنا ما بقدر أفرض عليك شي، خاصة المشاعر، ما منقدر نفرضها على حدا. أنا ساعدتك، لإني حبّيتك وتعاطفت معك. ما قدرت شوف كرامتك عم تنهان بها الطريقة. حبّيت ساعدك. بس إنت مش مجبورة فيّ بشي ومش مجبورة ترجعّي لي شي. تقدري تعيشي حياتك متل ما إنتِ بدك. متل ما أنا اخترت إنو عيش حياتي متل ما أنا بدي.»
    سنوات مرّت منذ ذلك الوقت. أنهيتُ دراستي بتفوّق، بدأتُ العمل وأكملتُ دراساتي العليا في الجامعة. تعلّمتُ الكثير خلال دراستي حتى أصبحتُ محاضِرة جامعية أعلّم الأجيال وأربّي العقول، لكن ماجد علّمني أهمّ درس في الحياة، أن حياتنا لا تساوي شيئا بلا حرّيتنا في الاختيار، لأن الحرية هي الكرامة وهي الوحيدة الكفيلة بإرضاء الذات.

    حوا بطواش

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.