• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    رحيل المربي عبد الرؤوف قربي: الفقد بِمُسْتَوَيَيْهِ الشخصيّ والعام

    د. تغريد يحيى- يونس

    ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)
    صدق الله العظيم (الفجر 27)
    رحل عنا المربي عبد الرؤوف إبراهيم قربي، أبو عصام (1932- 2021) يوم الجمعة بتاريخ 19 آذار 2021، قُبيل منتصف الليل. برحيله فقدت كفر قرع وفلسطين قاطبة ابنًا بارًّا، مربيًا لأجيال عقب أجيال، وسادنًا من سدنة الذاكرة الجماعيّة وحافظًا من حفظة التاريخ الشفهيّ والاجتماعيّ. الموت حقّ ولا اعتراض على مشيئة الله، وإذ نعزّي في هذه المرثيّة أنفسنا وذويه وأصدقاءه ومحبيه ومعارفه على فقده، فإننا نستذكر بعضًا من الإنسان الذي كان، والذي فقدانُه لَهُوَ خسارة كبيرة على المستوييْن الشخصيّ والعام.

    المربي عبد الرؤوف قربي هو معلّم ومربي أجيال تلو أجيال؛ وهو أحد الطلائعيّين الذين حازوا على تعليمهم في مدن فلسطين، منذ عهد ندُر فيه المتعلمون المثقفون جرّاء النكبة وتبعاتها من تدمير للقرى وتفريغ للمدن الفلسطينية وتهجير لأهلها وللطبقات الوسطى والمتعلمين والمتعلمات والمثقفين والمثقفات. وهو مرجع للتاريخيْن الرسميّ والشفهيّ للبلد ولفلسطين عامة، وسادن للذاكرة الجماعيّة وللتاريخ الاجتماعيّ. يُجمع على ذلك من حضر/ت ندوة شارك فيها، ومن حظي/ت بمجالسته في جلسات جماعيّة عامة أو خاصّة، ومن تبادل/ت معه حوارًا ثقافيًّا أو اعتياديًّا، ومن قصده/ قصدته على نحوٍ شخصيٍّ في شأنٍ معرفيٍّ عينيٍّ في الأدب أو التاريخ أو المجتمع. لا نجانب الحقيقة إن قلنا إنّه كان مثقّفًا موسوعيًّا مخضرمًا.

    أخذت معرفته بالأدب واللّغة وتذوّقه لهما تعبيرًا آخر أيضًا وهو كتابة وقول الشعر. كتب شعرًا في بلده كفر قرع، وفي موضوعات أخرى تفاعل معها شعوريًّا. تسنّى لي أن أطّلع قبل سنوات على قصيدة كتبها بخط يده لكريمته الصغرى، أمل زوجة أخي معتصم، قصيدة** مفعمة بالمحبة لها، لابنهما وبناتهما، حفيد حفيداته المتوفّى، والذين ضمّنهم في قصيدته كلاًّ باسمه/ا. اللافت بأمر الراحل المربي عبد الرؤوف قربي أنه رغم موهبته الشعريّة، لم يبحث عن منابر شعر أو منابر أخرى، وكان بمقدوره أن يفعل.

    حظيت بأن كان الأستاذ عبد الرؤوف معلمي ومربيَ صفي في الصف السادس الابتدائيّ، وللأسف لسنة واحدة فقط، خلالها عرفت أن المعلم من الممكن ألا يصرخ في وجوه تلاميذه وتلميذاته ومع ذلك أن يجذب انتباههم/ن وبشدّة. بصوت هادئ عميق، هو الصوت العميق الأول الذي تهادى إلى مسمعي، وقد عرفت توصيفه فقط عندما كبرت ودخل التعبير “صوت عميق” إلى قاموسي اللّغوي، وبصوت أبويّ بالمعنى الطيّب للكلمة، أمتعنا في دروس اللّغة العربيّة والتاريخ، ونقل لنا من عيون الشعر العربيّ المناسب للمرحلة العمريّة ما جعلني أحفظُه غيبًا مُنذ ذلك الزمن. في بيتهم قبل سنتين ونيّف استذكرت معه بعضًا مما حفظت عنده، وألقَيْتُ على مسمعه تحديدًا قصيدة “الأرملة المرضعة”، تعبيرًا عن امتناني له وعرفانًا بفضله معلمًا لي ولِما نُقش في ذهني مما علّمني ولَمّا يزل.

    بحكم علاقات المصاهرة، أمتعتْنا الزياراتُ واللقاءات العائليّة بفرص اللقاء به، فالتقينا رجلًا بشوشًا رصينًا، يفيض حكمة ومحبة ويتكلّل وقارًا. أتاحت لنا هذه اللقاءات هنا وهناك أحاديث ثقافيّة شائقة. المحبة والاهتمام الصادقان الصافيان كانا عمي عبد الرؤوف، أحاط بهما أهل بيته من صغير وكبير، أحفاد وحفيدات، وأبناء وبنات؛ وكذا للأقارب والقريبات والأصدقاء والمعارف؛ العطاء والكرم من شيمه، وأن يكون محضر خير هذه سجيّته. في اجتماعياته، تلك التي شهدتُها وأخرى شهدها آخرون وأخريات من أهل الثقة، كان وجهَ خير، محضَر خير. من حظوا وحظين أكثر ليكونوا ويكُن في دائرته القريبة حظوا بمعرفة شمائله عن كثب. هنيئًا لهم ولهن وبالذات لحفيداته وأحفاده، هنيئًا لهم ولهن المحبة والدلال والاهتمام، بمسؤوليّة – وهذا على جانب من الأهميّة، ونلمس كيف ساهم هذا في الجانب الشعوريّ لشخصيّاتهم/ن وفي بناء وإثراء مخزونهم/ن العاطفيّ.

    برحيل المربي عبد الرؤوف قربي، أبو عصام، رحل عنّا علم من أعلام كفر قرع والداخل الفلسطينيّ. فقدانه خسارة على كلا الصعيديْن العام والشخصيّ. سنفتقده بحجم إلمامه بالتاريخ الرسميّ وحفظه للتاريخ الشفهيّ والاجتماعيّ، وحفاظه على الذاكرة الجماعيّة، سنفتقده بقدر صفاء نفسه وطِيب شمائله، وفرادة شخصيّته، سنشتاق إليه بقدر ما أحببناه وقدّرناه، وستبقى فينا عطرة ذكراه. لروحه الرحمة والسكينة، وإنا لله وإنّا إليه راجعون.

    *صيغة أولى ذات طابع شخصيّ أكثر لهذه المرثيّة كنت بعثتها لمجوعة العائلة في اليوم الأول لرحيله.
    **وددت لو أورد قصيدته هذه هنا، لكنّي لن أستطيع طالما لم أستأذن صاحبتها، فهي لا زالت مشغولة في عزاء أبيها الغالي.

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    1. عظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وغفر لميتكم. إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة. بوركت دكتورة تغريد الغالية كلمات مؤثرة من القلب ………

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.