• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    العظماء (21) مطران العرب بشارة (غريغوريوس) حجّار

    بقلم: علي هيبي

    توطئة ذاتيّة:
    لا أذكر متى سمعت بالاسْم “غريغوريوس حجّار” أو باللّقب “مطران العرب” لأوّل مرّة، لكنّني أذكر بالتّأكيد أنّ ما سمعته من تفاصيل أوّليّة وقليلة جعلني معجبًا بهذه الشّخصيّة العظيمة، لأنّ تلك المعلومات بيّنته لي رجلًا عروبيًّا وطنيًّا ومكافحًا ذا رسالة دينيّة ووطنيّة وإنسانيّة ومكانة اجتماعيّة وسياسيّة مرموقة عند كلّ طوائف العرب الفلسطينيّين، في سائر أنحاء الوطن من شماله وحتّى جنوبه، من أعالي الجليل الأعلى حيث تتربّع “نجمة الصّبح” كما أطلق المطران “حجّار” على قرية “فسّوطة” (هذه المعلومة استقيتها من الأديبة فوز فرنسيس ابنة القرية) في أعالي هضاب فلسطين وجبالها وإلى “عكّا” وَ “حيفا” وَ “يافا” في السّاحل الفلسطينيّ على البحر الأبيض المتوسّط. ولكنّي تساءلت لماذا يُسمَّى أو يسمّي نفسه المطران العربيّ الفلسطينيّ الّذي يحمل اسْم “بشارة” مثلًا باسْم يونانيّ مثل “غريغوريوس”؟ وهل هو تقليد كنسيّ أو فرض يُفرض من قبل البابا أو ممّن هم دونه في المقامات الكنسيّة الموقّرة؟ وقد كنت قد قرأت في رواية “ترانيم الغواية” للكاتبة الفلسطينيّة الأردنيّة “ليلى الأطرش” عن هذا الصّراع لتعريب مصطلحات الكنيسة الشّرقيّة، ولكنّ الجواب جاءني شافيًا من صديقي الدّكتور “جوني منصور” عندما شرح لي أنّ القضيّة ليست تقليدًا ولا فرضًا، بل يستطيع المطران أن يُبقي على اسْمه العربيّ ولا يغيّره ويستطيع أن يختار اسْمًا لأحد القدّيسين اليونانيّين القدماء تيمّنًا ببركاته وذلك لأنّ الثّقافة اليونانيّة كانت هي السّائدة. ومن ثمّ بدأت الاهتمام للتّعرّف على شخصيّة المطران “حجّار” وتاريخه الحافل ومسيرته الوطنيّة، فعرفت أنّ صديقي وزميلي في التّدريس في كلّيّة “مار إلياس” في قرية “عبلّين” الدّكتور “جوني منصور” قد ألّف كتابًا كبيرًا عن حياته وأعماله، وهو عبارة عن رؤية ودراسة تاريخيّة وتحليليّة لشخصيّة “مطران العرب” سمّاه “رؤية جديدة لحياة وأعمال المطران غريغوريوس حجّار” صدرت طبعته الأولى في حيفا سنة (1985) ولم أكن قد تعرّفت على الأستاذ “جوني منصور” إلّا بعد سنة (2000) عندما بدأت عملي بتدريس اللّغة العربيّة في الكلّيّة المذكورة، وكان هو معلّمًا للتّاريخ ونائبًا للمدير آنذاك. وكنت قد استعرت بل “سرقت” الكتاب على طريقة اللّصوص الظّرفاء من رفيقي الجليل “إبراهيم شكري شمشوم” ابن مدينة “عرّابة البطّوف”، وإثباتًا لحسن “سرقتي” وظرفها سأقوم بإعادة الكتاب إلى صاحبه بعد أن أفرغ منه، وبعد أن وعدني الأستاذ “جوني” بنسخة يهديني إيّاها قريبًا من الطّبعة الجديدة الّتي صدرت سنة (2013)، لقد كانت “سرقتي” الكتاب ظريفة بقصد إطعام الحاجة المعرفيّة الفقيرة في عقلي، كما كان يسرق “آرسين لوبين” أو “روبين هود” أو “جان فالجان” ليطعموا الفقراء والبؤساء وسدّ حاجاتهم الأساسيّة البسيطة. ولا أخفي مدى استفادتي من الكتاب وما ورد فيه من فصول حول المطران “غريغوريوس حجّار” وعلاقته بالحركة الوطنيّة الفلسطينيّة إبّان الحكم العثمانيّ والانتداب البريطانيّ والفرنسيّ في بلاد الشّام، وعن قناعاته الدّينيّة والوطنيّة ومواقفه ضدّ الطّائفيّة البغيضة، ونصرته للتآخي الإسلاميّ المسيحيّ في فلسطين تحت اللّواء القوميّ العروبيّ.
    بئر الكنيسة:
    في قريتي “كابول”، وفي الحيّ الشرقيّ منها، حيث ولدت وعشت حتّى سنّ الخامسة، بئر ماء استخدم للاستعمال المنزليّ يسمّى “بئر الكنيسة” في منطقة ما زال أهل “كابول” يسمّونها أرض “الكنيسة”، ولا تأتي الأسماء بدون مسمّياتها، أنا لم أشهد مبناها، ولكنّ كثيرين من يكبرونني سنًّا يعرفونها، ولم تسمّ تلك الحارة بتلك التّسمية إلّا لوجود كنيسة فيها، وهذا ما يؤكّده الباحث “ناجي حبيب مخّول” في كتابه “عكّا وقراها من أقدم الأزمنة إلى الوقت الحاضر” ففي الفصل عن “كابول” يذكر بالاستناد على ألسنة شيوخ كبار من القرية، أنّه سكنت فيها طائفة مسيحيّة صغيرة مكوّنة من عدّة عائلات، نزح آخرها سنة (1885) من عائلة “زيدان” إلى قرية “عبلّين” القريبة، وما زالوا يسكنون فيها حتّى يومنا هذا، ويذكر “مخّول” أنّه في شماليّ البئر ظلّ يقوم لفترة ما بناء مهدّم يعتقد أنّه مبنى الكنيسة الّذي هُدم بعد ذلك نتيجة لأحداث سياسيّة. وقد اعتمد على هذه المعلومات ثلاثة من مثقّفي “كابول” الباحثين: “عمر عصفور”، “علي حمّود” وَ “أيمن ريّان” في مؤلّفهم الكبير والمفيد “كابول بلدي أرض الزّيتون والسّكّر” وقد ذكروا أنّ “أحد المراجع التّاريخيّة يذكر أنّه في الفترة العثمانيّة سكن في “كابول” عائلة أو طائفة مسيحيّة صغيرة”. ما يدلّ على أنّ جزءًا من سكّان القرية قديمًا كانوا من إخواننا المسيحيّين. متى سكنوا بالتّحديد في “كابول” ومن أين قدموا إليها؟ وأين الجزء الأكبر منهم الآن؟ ولماذا رحلوا أو ربّما رُحّلوا أو تركوا البلد؟ أنا لا أعرف! وأترك الأمر لبحث الباحثين والمؤرّخين، فما وعيت على الدّنيا إلّا وكابول قرية كلّ سكّانها من المسلمين.
    في قرية “شعب” جارة “كابول” الأقرب من الشّمال كان هناك كنيستان، واحدة للرّوم الأرثودكس والثّانية لطائفة الكاثوليك الملكيّين، وما زالت واحدة منها قائمة، بعد أن قام المجلس المحلّيّ بترميمها وجعلها مزارًا للرّاغبين، والأهمّ من ذلك أنّه في “شعب” عاش المسيحيّون مع إخوتهم المسلمين قديمًا، لكنّ اليوم لا يسكنها المسيحيّون، ولعلّني محظوظ في أنّني أعرف ولي علاقات صداقة وزمالة في العمل مع بعض الأشخاص المحترمين من أبناء الطّائفة المسيحيّة، تعود أصولهم إلى قرية “شعب” وأبرزهم من آل “نجّار” في “شفاعمرو” الصّديق “مكرم نجّار” وفي “حيفا” الصّديق “منيب نجّار” ومن “كفر ياسيف” الرّفيق “نمر نجّار” حيّاهم الله جميعًا وأمدّ في أعمارهم.
    وفي جارتنا “الدّامون” القرية المهجّرة من الغرب، عاش أبناء الطّائفة المسيحيّة فيها مع المسلمين بتآخٍ وثيق، وكان في الحارة الشّرقيّة من الدّامون كنيسة يعتقد أنّها بنيت سنة (1720) قبل أن يبنى الجامع سنة (1722) وكانت ذات مبنى مرتفع ولها برج وجرس، ويوميًّا وأنا أقوم برياضة المشي أرى في شرق “الدّامون” مقبرتيْن كأنّهما مقبرة واحدة: الجزء الغربيّ للمسلمين وعلى الجدار الخارجيّ لوحة رخاميّة نقش عليها سورة “الفاتحة”، والجزء الشّرقيّ المتاخم جدًّا لقبور المسلمين مقبرة للمسيحيّين وعلى الجدار نفسه وعلى لوحة رخاميّة نقشت مقولة السّيّد المسيح الشّهيرة “من آمن بي وإن مات فسيحيا”. ومن مسيحيّي “الدّامون” المهجّرين عرفت رفيقي المرحوم الّذي كان يتحفني بمرويّاته القرويّة الفلّاحيّة “أسطفان الخوري” وأبناءه من شفاعمرو، وصديقي وزميلي مدير كلّيّة “مار إلياس” الثّانويّة في قرية “عبلّين” الأستاذ “عاصم الخوري” وعائلته حفظهم الله جميعًا وأمدّ في أعمارهم.
    ومعروفة قصّة مسلمي قرية “البروة” المهجّرة الّذين أصرّوا أمام مطران “عكّا” الأرثودكسيّ على أن يشاركوا مسيحيّيها في تعيين خوري القرية، لأنّه خوري “البروة” بمسيحيّيها ومسلميها وليس خوري مسيحيّيها فقط. أقول هذا الكلام لثلاثة أسباب: الأوّل أن جليلنا الفلسطينيّ الجليل اكتسب جلاله من تعدّد طوائفه وتعايشهم اليوميّ وتآخيهم الوطنيّ الرّاسخ ونسيجهم الاجتماعيّ المتين وانتمائهم العربيّ، فقد عاش فيه المسلمون والمسيحيّون والدّروز بوئام وسلام وتفاهم وانسجام، وحين تعرّضوا للأذى الاستعماريّ الكولونياليّ: العثمانيّ والبريطانيّ والصّهيونيّ تآذوا معًا وعانوا معًا وناضلوا وقاتلوا معًا وحافظوا على وجودهم وهويّتهم معًا. والثّاني لأبيّن أنّ الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة وقيم القوميّة العربيّة الّتي ربطت بين جميع الطّوائف الفلسطينيّة كانت هي العمود الفقريّ لقيام حركة الكفاح الفلسطينيّ ضدّ الأتراك والانتداب والصّهيونيّة، وهي الوحدة الّتي آمن بها المطران “غريغوريوس حجّار” ونادى طيلة مسيرته وحياته إلى تقوية عراها، ومن هذه المثابة أطلق عليه بحقّ “مطران العرب”. لو أنّ قادة “فتح” وقادة “حماس” يجنحان إلى الوحدة اليوم وينهيان هذا الانقسام الجاثم على صدر الشّعب الفلسطينيّ كجدار ثقيل، أو كصخرة قرشيّة ظالمة وكافرة على صدر “بلال” الحرّ المؤمن، علّهم يتعلّمون من أمجاد عروبتنا ووحدتنا أنّ هذا الانقسام فقط يعيق المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ للحرّيّة والاستقلال، وهو بهذه الإعاقة إنّما يخدم عدوّ الشّعب الفلسطينيّ الأساسيّ الحركة الصّهيونيّة والاحتلال الإسرائيليّ.
    والثّالث لأنّه:
    لا شرقَ عربيًّا بلا مسيحيّيه، ولا وجودَ مكتملًا لنا كعرب فلسطينيّين في بلادنا بلا هذا الإرث التّراثيّ والتّاريخيّ الأخويّ الّذي حماه ورعاه المطران “حجّار” وغيره من الشّخصيّات الوطنيّة المسيحيّة كبآبئ عيونهم السّاهرة، وهم كثر كما عدّهم الكاتب “عبد الغني سلامة” في مقالته الرّائعة والطّافحة بالأفكار الوطنيّة والقوميّة تحت عنوان “مسيحيّو الشّرق” لا عيشًا كريمًا لنا بلا هذا التّعايش الوطنيّ: الإسلاميّ والمسيحيّ، والطّائر لا يحلّق للعلا وذروات المجد بجناح واحد، ولا جمالًا ساحرًا ولا إحساسًا صادقًا بلا رؤية أبراج الكنائس تتعانق مع مآذن الجوامع وبلا امتزاج أصوات الأجراس مع نداءات المساجد تهتف معًا بدويّ صاخب “الله أكبر والعزّة لله” وتدعو “المجد لله في العلا وعلى الأرض السّلام وفي النّاس المسرّة”، وبهذا النّداء العضويّ والمزدوج نعلن صرختنا ونقول للظّالم والمحتلّ، لسالب الأرض والوطن الّذي شرّد النّاس من بيوتها وقراها ومدنها: توقّف نحن هنا! وما زلنا هنا! وسنبقى هنا! عربًا فلسطينيّين: مسلمين ومسيحيّين ما كرّ اللّيل والنّهار وتوالجا “والمكعوم يرحل” كما قال المسلم المسيحيّ الدّرزيّ العربيّ اللبناني الفلسطينيّ “الشّيخ بو علي سلام الرّاسي”، أو “اللي مش عاجبو يرحل” كما يقول أهلنا في فلسطين. أنتهز فرصة كتابتي هذه المقالة لأضمّ صوتي لصوت صاحب المقالة الأستاذ “عبد الغني سلامة” ولندائه الأخير الّذي وجّهه بصدق وبشبه توسّل إلى الأخوة المسيحيّين في الشّرق العربيّ فقال: “يا مسيحيّي الشّرق نحبّكم! لا تغادرونا حفاظًا على تنوّعنا الوطنيّ المثمر وعلى تنوّعنا الدّينيّ والفكريّ والسّياسيّ والثّقافيّ”. لم يبنِ الأستاذ “سلامة” مضمون مقالته على أوهام أو أكاذيب أو على أحلام يقظة عابرة، بل بناها على حقائق ثابتة، فالوجود المسيحيّ في أقطارنا العربيّة في تناقص دائم، رغم أصالته وكونه جزءًا من تراب هذه الأرض، والسّيّد المسيح ابن الشّرق وفلسطين، ومهده في “بيت لحم”، ولقد أعطى الوجود المسيحيّ للشّرق نكهة مميّزة زادته سحرًا بوجود شخصيّات مسيحيّة من العظماء: مناضلين قوميّين وثوّار وطنيّين ورجال فكر ودين ورجال سياسة واقتصاد وأهل أدب وشعر وفنّ، أبدعوا مع غيرهم من عظماء الطّوائف الأخرى في مجالاتهم ونشاطاتهم فكانوا روّادًا للنّهضة العربيّة، لقد أبدع هؤلاء ليس بصفتهم الطّائفيّة بل بصفتهم الإنسانيّة والقوميّة والوطنيّة والمطران “حجّار” من أبرزهم رغم أنّ صاحب المقالة “سلامة” لم يذكره في القائمة وذكر من الشّخصيّات الّتي هي أقلّ منه شأنًا ومكانة وسطوعًا وأثرًا.
    وقد أشار الكاتب “سلامة” في مقالته إلى تصاعد مشاريع تهجير المسيحيّين في العقديْن الأخيرين، بفعل جهات ومحاولات عميلة تخطّط لإفراغ الشّرق من مسيحيّيه، وأبرز تلك الجهات الحركات الدّينيّة المتطرّفة “داعش” وَ “النّصرة” وغيرها ومن يغذّيها من قوًى رجعيّة كالوهابيّة السّعوديّة والإخوانيّة المصريّة وقوى استعماريّة غربيّة كالولايات المتّحدة الأميركيّة وبريطانيا وفرنسا. وليؤكّد الكاتب هذا فقد قدّم إحصاء مخيفًا: ففي العراق لم يبقَ إلّا ثلث سكّانه المسيحيّين بسبب الاحتلال الأميركيّ، وفي سوريا نصف سكّانها المسيحيّين هاجروا أو هجّروا بسبب الحرب والنّشاط العسكريّ المدعوم لحركتيْ: “داعش” وَ “النّصرة”، وفي لبنان نزلت نسبتهم من 55% إلى 40% من عدد السّكّان بسبب الحرب الأهليّة، وفي فلسطين لم يبقَ إلّا 9% من أصل 25% من السّكّان المسيحيّين العرب. هذا أمر مقلق ومخيف! علينا أن نجهد جميعًا غاية الجهد وبدافع من القلق الوطنيّ والقوميّ مسلمين ومسيحيّين على إيقاف هذه المشاريع الّتي تسلب من الشّرق العربيّ أسسًا من ثبات نسيجه ورونقه التّعدّديّ، وتجعل تلك المشاريعُ المشبوهةُ الشّرقَ مشوّهًا بغياب أصوله وبُناته وجماله الفسيفسائيّ الرّائع. وكي ندرأ عنّا هذا الضّياع المخيف علينا أن نعتبر هذه القضيّة قضيّة وطنيّة من الدّرجة الأولى وليس قضيّة طائفيّة تخصّ المسيحيّين فقط! إنّه قضيّة المسلمين أيضًا! وإذا تعرّض أهلنا وأخوتنا العرب المسيحيّون لأذى ومعاناة يجب أن نكون نحن المسلمين مسيحيّين معهم، بمعنى أن نكون شركاءهم في الأذى والمعاناة، نتاذّى كما يتأذّون ونعاني كما يعانون.
    شواهد وحدويّة عربيّة:
    وكي ندلّل على هذه الوحدة الكفاحيّة ذات النّزعة الوطنيّة الفلسطينيّة والرّوح القوميّة العربيّة الّتي تتمسّك بالوطن والأرض والنّاس وتدرأ عنهم مخاطر الفتنة والنعرات الطّائفيّة بل تقتلها في مهدها قبل أن تستفحل، هذه الفتنة الّتي كانت تغذّيها وتنمّيها سياسة “فرّق تسد” الانتدابيّة والصّهيونيّة، كي ندلّل على ذلك تعالوا نرَ كيف تصرّف العظماء الوطنيّون في حادثة مقتل الأديب والإعلاميّ “جميل البحري” (1898 – 1930) صاحب مجلّتيْ “الزّهور” وَ “الزّهرة” ورئيس “منظّمة الشّبّان المسيحيّين”، ووكيل أوقاف الرّوم الكاثوليك، وقد قتل إثر خلاف نشب بين المسلمين والمسيحيّين على ملكيّة مقبرة في حارة “محطّة الكرمل”، ففي زيارة قام بها “البحريّ” مع رفاق له إلى المقبرة تعرّض لهم عدد من الشّباب المسلمين، فضرب أحدهم “البحري” وأرداه قتيلًا بضربة فأس سنة (1930) – (أوردتُ الحادثة بتصرّف نقلًا عن كتاب الأستاذ “جوني منصور” المذكور آنفًا عن المطران “حجّار” ص: 142 – 143) لقد اجتمعت الشّخصيّات الوطنيّة في حيفا والمنطقة لتطويق هذه الجريمة، وكان على رأسهم المطران “حجّار” والشّيخ “عزّ الدّين القسّام” إمام جامع “الاستقلال”، والملقّب بِ “زعيم حيفا “رشيد الحاجّ إبراهيم” وكان آنذاك مديرًا لبنك “الأمّة” وكان شخصيّة مرموقة تحظى بالاحترام لدى كلّ الطّوائف، وأحد الوجهاء الأثرياء في حيفا المدعوّ “ثيوفيل بوطاجي”. ورغم أنّ “البحري” كان صديقًا حميمًا للمطران “حجّار” ومنتدبًا عنه لرعاية الأوقاف، إلّا أنّه رفض استغلال هذه الحادثة والانجرار وراءها لتحطيم الوحدة الوطنيّة بالطّائفيّة المقيتة الّتي تصدّع تلك الوحدة المتينة، وأبدى بمنتهى روح التّسامح المسيحيّ والوطنيّ والإنسانيّ تأييده للوحدة، وعاضده في ذلك أصدقاؤه من الوطنيّين المسيحيّين والمسلمين، ففي الخطاب الوحدويّ العروبيّ العظيم الّذي ألقاه أمام “الشّريف حسين” قال العظيم فيه: “نحن سكّان هذه الأرض الأصليّون، وقد عشنا مع إخواننا المسلمين طيلة قرون بأمانة ومحبّة ونريد أن نكمل هذه الحياة معًا لنجاهد ضدّ المؤامرات الّتي تحاك على وطننا، لقد كان أسلافكم من أيّام “عمر بن الخطّاب” يعاملوننا معاملة الأخ لأخيه ولا نريد أن يتغيّر شيء منها وتفرّقنا ألسنة السّوء ودسائس الأعداء المتربّصين”. هذا هو القول الفصل الوطنيّ والقوميّ وهو منهج يجب أن يُسار عليه وطنيًّا وقوميًّا كبرنامج كفاحيّ من أجل الحرّيّة والاستقلال بعد كنس الأطماع الاستعماريّة الاحتلاليّة بكافّة أشكالها ومسمّياتها. والله لو لم يقل المطران “حجّار” إلّا هذا الكلام لكفاه فضلًا ولزادنا فخرًا. ولعلّي أوافق لهذا الفضل وتلك المفخرة الأستاذَ “جوني منصور” في نظرته، باعتباره هذه السّلسلة من الأعمال والمواقف الوطنيّة للمطران “حجّار” رؤية “حجّاريّة” عزّ نظيرها، ولكنّني سأزيد بتسميتها بحقّ الظّاهرة “الحجّاريّة”.
    وموقف نبيل وعظيم آخر لرجل وطنيّ من بلادنا ومن أهلنا العرب الدّروز، هو “حسين الوحش عرايدة” ابن قرية “المغار” الجليليّة المختلطة بسكّانها من الدّروز والمسيحيّين والمسلمين منذ أن كانت، كان “أبو أنور” وهي كنيته، أحد وجهاء القرية، وأبوه كان من زعمائها المعروفين وكان عمّه “نمر عرايدة” أوّل رئيس لمجلسها المحلّيّ. جاء ضابط صهيونيّ يمثّل الحاكم العسكريّ الإسرائيليّ بعيد النّكبة، بهدف إتمام سياسة التّرحيل لتشريد سكّان “المغار” من المسيحيّين والمسلمين، والإبقاء على السّكان الدّروز بذرائع واهية وخبيثة وفق سياسة “فرّق تسد”، وقام بجمع رجالهم وشبابهم على بيادر البلد، فوقف “حسين الوحش” متصدّيًا، وبموقف بطوليّ عزّ نظيره في تلك الظّروف الحالكة منع الضّابط من تنفيذ الخطّة كما أراد، وقال وكم يذكّرني هذا القول والموقف البطوليّ بموقف المطران “حجّار” بعد مقتل “البحري”: “نحن أبناء المغار عشنا معًا دروزًا ومسلمين ومسيحيّين موحّدين ومتآخين وسنحيا ونبقى كلّنا معًا كما كنّا موحّدين ومتآخين، إمّا أن نبقى جميعًا في قريتنا “المغار” أو نرحل جميعًا عنها”. بهذا الموقف وهذه الصّلابة الرّجوليّة والانتماء العروبيّ المترفّع عن الطّائفيّة صان الشّهم الأصيل “حسين الوحش” أهل بلده على كافّة طوائفهم وبقيت “المغار” قلعة وطنيّة وشوكة في حلوق من أرادوا تشريد أهلها. فلتتعلّموا اليوم يا دعاة الطّائفيّة في الوطن العربيّ كلّه!
    وموقف نبيل آخر للمطران:
    بالمناسبة أنا مهجّر من قرية “ميعار” وزوجتي مهجّرة من قرية “الغابسيّة” وأمّي مهجّرة من مدينة “صفد” وحماتي مهجّرة من قرية “سحماتا. غدونا شعبًا من اللّاجئين إلى الخارج والمهجّرين إلى الدّاخل والنّازحين بعد هزيمة حزيران سنة (1967) هذا اللّجوء والتّهجير والنّزوح وسائر أنواع التّشريد هو ما حذّر منه المطران “حجّار” لبعد رؤيته طيلة حياته وعلى مدى مسيرته النّضاليّة الوطنيّة. ومع قسوة الظّروف وطول المعاناة سنبقى متمسّكين بحقّ العودة إلى “ميعار” وَ “الغابسيّة” وَ “صفد” وً “سحماتا” كحقّ ثابت لا تطاله يد التّقادم، وسنلغي ولو بعد حين بتنفيذ هذا الحقّ/ الحلم وجعله واقعًا كلّ مفاعيل النّكبة وآثار العدوان: لجوءًا وتهجيرًا ونزوحًا.
    قرية “سحماتا” مهجّرة منذ عام النّكبة، ولكنّ الحادثة الّتي وقعت فيها كانت أيّام حكم الانتداب البريطانيّ، وبالتّأكيد بعد سنة (1926) لأنّ المطران “حجّار” نقل كرسيّ الأبرشيّة من “عكّا” إلى “حيفا” في تلك السّنة، وَ”سحماتا” قرية مختلطة وذات أغلبيّة مسلمة، ولكنّ مختارها المتّفق عليه والمقبول على المسلمين كالمسيحيّين السّيّد “قيصر سمعان” المسيحيّ، وأعزّ أصدقاء المختار في القرية هو “توفيق العبّاس” من آل “قدّورة” المسلم، وكان عميد عائلته وسيّدًا وجيهًا من وجهاء البلدة، ارتكب ابنه الوحيد “عبّاس” الشّابّ جريمة قتل بحقّ شابّ آخر من قرية “البقيعة” حول الرّعي في منطقة بين القريتيْن، فأحاق بالوالد الغمّ والهمّ على وحيده وفلذة كبده، بحيث سهّده طوال اللّيالي لثقل المصيبة وعظم البلاء، وبخاصّة بعد صدور حكم الإعدام بحقّ ابنه القاتل، وإلى جانبه ساء الصّديق المختار ما حلّ بصديقه من نحول واصفرار وذبول وعمّ الحزن أهل “سحماتا” المسلمين والمسيحيّين، ولم يدخل “قيصر” على صديقه ليواسيه ويخفّف عنه، إذ انطلق إلى بيته وركب فرسه ليلًا متّجهًا إلى “عكّا” الّتي تبعد 30 كم عن القرية، ومن هناك استقلّ سيّارة إلى “حيفا” وقرع باب المطران “حجّار” في الأبرشيّة وناداه منذ ساعات الفجر الأولى، فعرف المطران صوته فأمر بإدخاله سريعًا، وقصّ بإسهاب قصّة الجريمة والإعدام وخسارة الشّابيْن والصّديق وانعكاسات الحدث على العلاقات الأخويّة بين القريتيْن فيما لم تطوَّق الحادثة، قبل اندلاع انعكاساتها السّلبيّة على النّسيج الاجتماعيّ بين الأهالي. أجرى المطران اتّصالات عديدة وعاد ليزفّ البشرى للمختار الجزوع فقال له: “عد إلى صديقك يا ولدي وبشّره بقرب الفرج! قل لصديقك يسلّم عليك المطران “حجّار” ويقول لك انزل إلى المدينة واقتنِ لابنك بدلة جديدة فقد وهبه الله حياة جديدة”، عاد المختار توًّا إلى “سحماتا”، فدخل على صديقه المحزون، زفّ إليه البشرى وللأهالي فعادت الفرحة لتغمر الأب والأهل والقرية. هذا العمل الّذي تمّ ببركات المطران “حجّار” وحسن درايته وتجربته الكبيرة كفيل بإرساء دعائم الصّلح والوئام الأهليّ ومنع الخلافات العائليّة ووأد النّعرات الطّائفيّة الّتي كانت تذكيها أيادٍ غريبة وعميلة للسّلطات الحاكمة. وكأنّي بالمطران يردّ على سياسة “فرّق تسد” الاستعماريّة بسياسة “جمّع ووحّد تصن حقوق شعبك”. (لقد استقيت القصّة بتصرّف من مقالة للأستاذ “سهيل مخّول” عن المطران “حجّار” وقد نقلها عن كتاب لصديقي الأستاذ “إلياس جبّور جبّور” بعنوان “رياح العودة” الّذي صدر في “شفاعمرو” سنة (1998) وبدوره يسجّل الأستاذ “جبّور” القصّة كما يقول في آخرها: “روى لي هذه القصّة الجميلة أخي وصديقي “أبو العبد كامل قدّورة” من سكّان “سحماتا” أصلًا ومن سكّان “الرّامة” حاليًّا”، وقد أهداني الأستاذ “جبّور” الكتاب ومجموعة من مؤلّفاته الوطنيّة مشكورًا لدى زيارتي له في بيته العامر في “شفاعمرو”. في الفصل عن قرية “سحماتا” المهجّرة (ص 16 – 23) روى قصّة السّيّد “توفيق العبّاس” مع المختار “قيصر سمعان” ومع المطران “حجّار”، وقد سردها كصفحة مشرقة ومجيدة من تاريخ فلسطين، بلغة سلسة وبأسلوب قصصيّ شيّق وممتع رغم الألم الّذي يطغى فيها، وقد أهداها إلى أهالي “سحماتا” في كلّ أماكن تواجدهم. ولمن لا يعرف الأستاذ “إلياس جبّور” إنّه يبلغ من العمر الخامسة والثّمانين عامًا وما زال شابًّا بروحه وإشراقة وجهه وذا عود صلب وعزيمة أصلب على الحياة بشرف وطنيّ وكرامة قوميّة وإنسانيّة وله مجموعة من المؤلّفات والمقالات والخواطر، كلّها مجنّدة لخدمة القضيّة الوطنيّة والتّآخي والوحدة بين سائر طوائف شعبنا، للتّمكّن من صدّ الاعتداءات الصهيونيّة عن حقوقنا وأراضينا وقرانا ومدننا، وهو ابن “جبّور جبّور” (1895 – 1981) الشّخصيّة الوطنيّة المعروفة وثاني رئيس لبلديّة “شفاعمرو” بعد وفاة رئيسها الأوّل “داود التّلحمي” سنة 1932، وظلّ “جبّور” رئيسًا للبلديّة حتّى سنة 1966)
    يستطيع القارئ أن يستزيد من هذه المواقف العظيمة للمطران “حجّار” بالرّجوع إلى كتاب الأستاذ “جوني منصور” المذكور سابقًا (ص 85 – ص 87) والحقيقة أنّ تلك الأحداث والمواقف تظهر مسؤوليّة المطران عن حماية اللّحمة العائليّة الإيجابيّة والعلاقات الطّائفيّة الطيّبة والسّامية ويرى فيهما أساسًا متينًا للوحدة الوطنيّة المطلوبة من أجل صدّ العدوّ الأساسيّ. ولذلك كثيرًا ما كان يسارع لحلّ الخلافات القرويّة، وكان الجميع من كلّ الطّوائف يثقون بشخصيّته ودرايته واستقامته في إرساء الحلول العادلة والمقبولة لدى الجميع في كافّة قرى الجليل، كان المطران يشعر أنّه مطران للمسلمين والمسيحيّين والدّروز، ويرى أنّ كلّ هؤلاء النّاس أبناء لعائلة واحدة هي الوطن. وليس كلّ انتماء عائليّ أو طائفيّ سلبيًّا برأي صديقي البروفيسور “إبراهيم طه” الّذي أوافقه فيه، فالعائليّة المولودة على الفطرة عائليّة ذات ضمانة اجتماعيّة وكفالة اقتصاديّة ضروريّة وإيجابيّة في المجتمعات الفقيرة، إذ تشكّل حاضنة جميلة، هذا هو المفهوم الّذي ورد ذكره في القرآن 11 مرّة “ذو القربى” بالمعنى الإيجابيّ، وتختلف هذه العائليّة البسيطة بشكل كبير عن العائليّة الّتي تتكوّن مع تراكم الوقت وتزايد المصالح النّفعيّة في أذهان أناس منتفعين منها، فيميلون إلى أدلجتها لتصبح مقولة معبّرة عن مفهوم سلبيّ، هدّام ومقيت، ومثلها الطّائفيّة الدّينيّة والتّفرقة العنصريّة والتعصّب القوميّ والأيديولوجيّة العرقيّة، ولنا في الفكر النّازي وما خلّف من هدم ودمار وفي الصّهيونيّة ما انتجت من أحقاد عنصريّة مهلكة وضحايا جرّاء ممارساتها خير مثاليْن. إنّ العائليّة والطّائفيّة اللتيْن اعتبرهما المطران “حجّار” والقائد “سلطان باشا الأطرش” هما بالمفهوم البسيط الإيجابيّ الّذي يبني ولا يهدم، يحبّ ويكفل ولا يحقد ويغتصب، وهما المفهومان اللّذان يعتبران لديهما أساسًا متينًا وضروريًّا للوحدة الوطنيّة والقوميّة والإنسانيّة الّتي تنزع فطريًّا إلى ضرورة وحدة النّضال والمقاومة ضدّ المحتلّ والظّالم.
    الطّائفيّة وعودة إلى كابول:
    لقد تحدّثت عن الطّائفيّة في مقالتي السّابقة عن العظيم “سلطان باشا الأطرش” وكيف ترفّع عن انتمائه الطائفيّ وأجلّه في آن واحد وصهره في هويّة أكثر اتّساعًا وأرقى مكانة، في الهويّة الوطنيّة السّوريّة وفي الهويّة القوميّة العربيّة. لذلك لا أريد أن أطيل لأنّ ما قيل هناك عن “سلطان باشا” ينسحب على هنا، عن المطران “بشارة حجّار” وإن اختلف الانتماء الطّائفيّ المحترم لكليْهما. ولكن لا بدّ من كلمة حول الطّائفيّة ليس كإيمان وقناعة دينيّة روحانيّة ذات رسالة إنسانيّة شاملة، بل كمرض وطنيّ واجتماعيّ وسياسيّ، فعندما كانت تطفو الطّائفيّة السّلبيّة ذات النّعرات القاتلة على السّطح من جوف العلاقات الوطنيّة المهزوزة كانت تنتكس الحركة الوطنيّة، وعندما كانت هذه الطّائفيّة السّلبيّة تذوب وتغيب كانت الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة ترفد الكفاح الوطنيّ بالفعل النّضاليّ والنّشاط الثّوريّ ضدّ الانتداب البريطانيّ وربيبته الحركة الصّهيونيّة. وهذا ما أراد له المطران “حجّار” أن يسود دائمًا بين أبناء الشّعب العربيّ الواحد بشقّيْه: الإسلاميّ والمسيحيّ. إنّ الوحدة الوطنيّة هي رؤية كلّ فلسطينيّ وطنيّ وشريف ذي ضمير حيّ وعقل ثاقب ووجدان ثائر. وأعود لأذكّر قادة حركة “فتح” في “رام الله” وقادة حركة “حماس” في “غزّة”.
    في “كابول” كما في كلّ بلدة، يسمّي المجلس المحلّيّ لجانًا تغطّي جوانب اهتمامات القرية، ومن جملة هذه اللّجان لجنة “تسمية الشّوارع”. كنت أحد أعضائها من خارج المجلس، وحين اجتمعت لتسمية بعض شوارع القرية اقترحت تسمية الشّارع الّذي أعيش فيه بشارع “مطران العرب حجّار” حتّى نبرز مقطعًا تاريخيًّا من تاريخ القرية الّتي عاش فيها مسيحيّون ومسلمون وشربوا من ماء بئر واحد، ولقيمة الرّجل العروبيّة والوطنيّة والدّينيّة الّتي يجلّها النّاس. كان ذلك الاقتراح إلى جانب اقتراحات أخرى لتسمية عدد من الشّوارع بأسماء عظماء من تاريخنا السّياسيّ والاجتماعيّ القديم والحديث، ومن رموز ثقافتنا العربيّة والإسلاميّة النّاصعة. وافق المجلس في حينه واتّخذ قرارًا رسميًّا، ولكنّه لمّا ينفّذ قرار التّسمية بوضع يافطات تحمل تلك الأسماء الزّاهرة على جوانب الشّوارع، ربّما لتقاعس وإهمال أو لجبن وهوان. لا يهمّني السّبب! لذا أدعو إدارة المجلس المحلّيّ في “كابول” الآن إلى التّنفيذ الفوريّ، حتّى تصبح قريتنا أكثر انتماء وجمالًا وطنيًّا وأسمى شرفًا قوميًّا وإنسانيًّا، في ظلّ السّياسة السّلطويّة الصّهيونيّة العنصريّة السّاعية لتغييب هويّتنا وطمس معالم بلادنا وتذويب شخصيّتنا، والمسّ بمكانة لغتنا العربيّة الّتي أجلّها وأحبّها وأتقنها وأجاد الخطابة بها المطران “بشارة حجّار”، وبخاصّة بعد اتّباع ما سمّي سياسة “العبرنة” الّتي تبغي محو كلّ ما هو عربيّ وفلسطينيّ عن هذا التّراب الأسمر.
    الدّوّار الثّاني وسورة مريم وفلسطين للفلسطينيّين:
    أحترم قداسة كلّ نصوص القرآن: آياتٍ وسورًا وأحزابًا وأجزاءً، ولكنّني عندما أقرأ سورة “مريم” وبخاصّة قصّة “مريم” فيها ينتابني شعور بالرّهبة والنّقاء والتّماهي، ويتملّكني استحضار شخصيّة “مريم” وطفلها “المسيح” الّذي كلّم النّاس في مهده صبيّا وأهلها اللّائمين المتّهِمين. “واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا شرقيّا(16) فاتّخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشرًا سويّا(17) قالت إنّي أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّا(18) قال إنّما أنا رسول ربّك لأهب لك غلامًا زكيّا(19) قالت أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أكُ بغيّا(20) قال كذلك قال ربّك هو عليّ هيّن ولنجعله آية للنّاس ورحمة منّا وكان أمرًا مقضيّا(21) فحملته فانتبذت به مكانًا قصيّا(22) فأجاءها المخاض إلى جذع النّخلة قالت يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيًا منسيّا(23) فناداها من تحتها ألّا تحزني قد جعل ربّك تحتك سريّا(24) وهزّي إليك بجذع النّخلة تساقطُ عليك رطبًا جنيّا(25) فكلي واشربي وقَرّي عينًا فإمّا تريْن من البشر أحدًا فقولي إنّي نذرت للرّحمن صومًا فلن أكلّم اليوم إنسيّا(26) – (القرآن الكريم، من سورة مريم، سورة رقم 19) أرى في هذه الآيات قصيدة جميلة ذات قافية ووزن وإيقاع جميل ينبثق وينبعث من معانيها ونظمها وصورها وتدرّج سردها. باختصار أنا أحبّ هذه السّورة من القرآن الكريم، لأنّني أرى فيها شخصيّة “السّيّد المسيح” نبيًّا عربيًّا فلسطينيًّا وأمّه “مريم البتول” رمز الطّهارة الإنسانيّة، وهما يوحيان إلى القيم السّامية ومحبّة البشر والتّنكّر للظّلم، وما كان المطران “حجّار” إلّا عربيًّا فلسطينيًّا (وإن ولد في لبنان) وابنًا وفيًّا لهذه القيم الرّوحانيّة والمبادئ السّامية الّتي حملها طيلة حياته ومسيرته الكفاحيّة ضدّ الظّلم الغربيّ البريطانيّ والخطر الصّهيونيّ على فلسطين، إنّه “مسيح الشّرق” الثّاني كما سمّاه الغربيّون بعد مسيح الشّرق الأوّل سيّدنا “عيسى المسيح بن مريم”.
    في السّنوات الأخيرة أيضًا أقام المجلس المحلّيّ في كابول عددًا من الدّوّارات من مدخل القرية الغربيّ حتّى وسطها، وعلى الشّارع الرّئيسيّ الّذي يشقّها إلى الشّرق، ومنها الدّوّار الثّاني الّذي زُرع في وسطه نخلة باسقة عليها قطوف دانية، فاقترحت مرّة وبشكل غير رسميّ أثناء تواجدي في المجلس المحلّيّ على بعض مسؤوليه أن يشتروا تمثالًا لأمّ تحتضن طفلها الوليد من الجبس الأبيض ليوضع تحت النّخلة وتُكتب على لوحة رخاميّة فوق التّمثال الآية القرآنيّة “وهزّي إليك بجذع النّخلة تساقطُ عليك رطبًا جنيّا فكلي واشربي وقَرّي عينا” فنجمع في ذلك رمزًا مسيحيًّا عربيًّا فلسطينيًّا برمز إسلاميّ عربيّ فلسطينيّ، فيتآلف الرمزان بعروبة عظيمة إيمانًا منّي بالتآخي العربيّ: الإسلاميّ والمسيحيّ وبوحدة المعاناة والكفاح والأهداف والمصير وبوحدة الانتماء إلى الهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة وبالانتماء القوميّ العربيّ الّذي يربط بينهما بلا انفصام، رغم محاولات دنيئة سلطويّة وعميلة ورجعيّة طائفيّة ومتطرّفة تسعى لذلك الانفصام، منذ الانتداب البريطانيّ في فلسطين حتّى الاحتلال الصّهيونيّ وما اتّبعه الاثنان من إثارة للنّعرات الطّائفيّة وفق سياستهم الدّنيئة والخبيثة “فرّق تسد” الّتي كان لدى المطران “حجّار” مناعة إيمانيّة وأمصال قوميّة ووطنيّة ودينيّة روحانيّة مضادّة لها، فلم تمرّ تلك السّياسة عليه رغم توقّعات الانتداب البريطانيّ الّذي ظنّ مخطئًا أنّ المطران “حجّار” المسيحيّ لن يكون خطابه السّياسيّ ودفاعه عن الحقّ الفلسطينيّ وتحذيره من المخاطر الصّهيونيّة بحدّة الخطاب الإسلاميّ، ولكنّ خطابه جاء أقوى حدّة وأشدّ تمسّكًا بالحقوق الوطنيّة، خاصّة عندما تجلّى ذلك في شهادته أمام اللّجنة الملكيّة البريطانيّة أو لجنة “بيل” سنة (1937) والّتي جاءت لتكريس التّقسيم في فلسطين العربيّة، وطرح المطران “حجّار” رؤيته الّتي لا حيدة عنها “فلسطين للفلسطينيّين”. ولقّب وهو يستحقّ لقب “مطران العرب”، فطوبى لعرب مسلمين ومسيحيّين يكون هذا الرّجل العظيم مطرانهم. وقد قال مفتخرًا بهذه التّسمية: “لقب يعلّي من شأني ومن قدري ويشجّعني في كفاحي ونشاطي في سبيل فلسطين وإنقاذها من الخطر الصّهيونيّ”. فيا لعظمة العروبة! ويا لعظمة المطران! حتّى اللّقب يوظّف ويجنّد كسلاح للكفاح ضدّ الظّلم الاستعماريّ الكولونياليّ البريطانيّ والصّهيونيّ، ومن أجل إحقاق الحقّ الوطنيّ والإنسانيّ في الحرّيّة والاستقلال والكرامة.
    بداية الطّريق إلى فلسطين:
    بين أحضان طبيعة الجنوب اللّبنانيّ السّاحرة، بين وديانه وجباله كانت تقعد وادعة بين الغابات الخضراء قرية “روم” من قضاء “جزّين”، هناك ولد الطّفل “بشارة الحجّار” ليلة عيد البشارة، يوم 14 آذار سنة (1875) فكان بشرى لوالديْه ومن ثمّ بشرى للشّعب الفلسطينيّ بكافّة طوائفه. في أسرة قرويّة، بسيطة، متديّنة ومتواضعة، ولكنّها عريقة تعود جذورها إلى مدينة “دمشق”. سوريّ بجذوره لبنانيّ بمولده وصباه ونشأته الأولى وشبابه المبكّر فلسطينيّ بهواه وبوطنيّته الفلسطينيّة وعروبته ورعايته لطّائفة الرّوم الملكيّين الكاثوليك في أبرشيّة “عكّا وحيفا والنّاصرة وسائر الجليل”، إنّه شاميّ حتّى النّخاع جرت في شرايينه الدّماء الشاميّة الأصيلة من كافّة الأقاليم: سوريا (سوريا الشّماليّة) لبنان (سوريا الوسطى) وفلسطين (سوريا الجنوبيّة)
    لا أدري لماذا ينمو ويتعزّز في داخلي إحساس بأنّ وراء كلّ إنجاز كفاحيّ عربيّ أو موقف نضاليّ أو نشاط مقاوم يقف ثائر سوريّ، دون تقليل من مقامات الثّوار جميعًا من العرب وغير العرب. فالسّوريّ من حلب “سليمان الحلبيّ” (1777 – 1801) قتل الجنرال الفرنسيّ “كليبر” قائد الغزو الفرنسيّ في مصر، زمن حملة “نابليون بونابرت” عليها (1798 – 1801)، وكان “كليبر” يُعرف بقائد جيش الشّرق، أعدم “سليمان الحلبيّ” على يد الطّغاة وظلّ خالدًا يذكر كلّما ذكرت الكرامة. والسّوريّ من قرية “جبلة” في قضاء اللّاذقيّة “الشّيخ عزّ الدّين القسّام” (1883 – 1935) قاد الثّورة الفلسطينيّة منذ بداية ثلاثينيّات القرن العشرين وكان داعية للثّورة ضدّ الانتداب البريطانيّ، ومات وخلّد في ثرى فلسطين في مقبرة “الاستقلال” في “بلد الشّيخ” شرقيّ حيفا. والسّوريّ من اللّاذقيّة أيضًا “جول جمّال” (1932 – 1956) قاد طوربيدًا بحريًّا أثناء العدوان الثّلاثيّ الّذي شنّته بريطانيا وفرنسا ومجرورتهما إسرائيل بهدف إخضاع النّظام الوطنيّ العروبيّ والرّئيس المكافح “جمال عبد النّاصر” وإجباره على التّراجع عن قرار تأميم قناة “السّويس” وعن مواقفه العروبيّة الثّوريّة، وقد دمّر “المناضل “جول جمّال البارجة الفرنسيّة “جان دارك” واستشهد في المعركة بإباء وشموخ. والسّوريّ من حلب، المطران “هيلاريون كبوتشي” (1922 – 2017) ناصر القضيّة الفلسطينيّة حتّى مقبض السّيف، وناضل ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ، فنقل السّلاح للفدائيّين وضبط وحوكم بالسّجن اثنيْ عشر عامًا قضى منها أربعة أعوام بعد وساطة من الفاتيكان. والسّوريّ من “طرابلس”، القائد “فوزي القاوقجي” المناضل في الثّورة السوريّة الكبرى وقائد جيش “الإنقاذ” للحفاظ على عروبة فلسطين، والّذي تعرّض للموت في كلّ لحظة فوق الثّرى الفلسطينيّ. والسّوري ابن قرية “الكفير” الرّئيس “فارس الخوري” (1877 – 1962) المناصر للثّورة العربيّة الكبرى والمناضل ضد الانتداب الفرنسيّ ومن مؤسّسي الجمهوريّة السّوريّة ورئس برلمانها ووزرائها، ونصير القضيّة الفلسطينيّة، وهو الّذي طلب من السّفراء العرب لدى الأمم المتّحدة بالخروج احتجاجًا على قرار التّقسيم سنة (1947) وَ “المطران حجّار” (1875 – 1940) فلسطينيّ لبنانيّ تعود جذوره إلى عراقة دمشق الشّام، ظلّ في فلسطين مدافعًا عنها وعن قضيّتها وعن أهلها وحقوقهم، يصدّ بمواقفه الوطنيّة سياسة الأتراك وتواطئ الانتداب البريطانيّ وأطماع الصّهيونيّة لمدّة أربعين عامًا، حتّى مات أو اغتيل أو أسكت صوته ودفن في كنيسة “السّيّدة” في وسط “حيفا” القديمة، ولكنّ صوته لإحقاق الحقّ ودحر الباطل ودحضه ظلّ مجلجلًا، نسمع صداه مع كلّ موقف وطنيّ وقوميّ نبيل.
    أبوه “جرجس بشارة” عامل بناء أبًا عن جدّ، كان يتوسّم في ابنه خيرًا، ولكنّه مات في سنّ مبكّرة. أمّا أمّه فهي “زينة نعمة الحدّاد” الّتي تكفّلت بتربية ابنها تربية قرويّة، فلّاحيّة ومتمسكة بالدّين. قضى فترة صباه كأيّ صبيّ قرويّ، أحبّ الحقول والفلّاحين والبيادر، وكان لتلك النّشأة بين الفلّاحين والتّقرّب منهم إثر على مواقفه المستقبليّة، إذ كان لارتباطهم العضويّ بالأرض وتمسّكهم الوثيق بها وحمايتها من السّمسرة والبيع ما جعله يدافع عنهم ويعطف عليهم ويسعى بدأب لتخفيف الضّرائب عنهم وتوفير المساحات الواسعة لهم، وبخاصّة لأولئك الّذين ليس بحوزتهم قطعة منها، وكان لتلك المشاعر الحميمة نحوهم تأثير على اقتران اسمه بنضال الفلّاحين والمجاهدين في فلسطين ضدّ الغزو الصّهيونيّ الّذي يحظى بدعم السّياسة الانتدابيّة البريطانيّة والغربيّة عامّة، فكان المطران “حجّار” من أشدّ الدّعاة للتّمسّك بالأرض، ومن أوائل المحذّرين من أخطار الهجرات اليهوديّة الّتي كان أحد أبرز أهدافها ابتلاع الأرض وانتزاعها والاستيلاء عليها من أصحابها الأصليّين كبذرة خبيثة لتحقيق الكيان الصّهيونيّ وفقًا لما نصّ عليه “وعد بلفور” الاستعماريّ منذ سنة (1917)
    ومن ثمّ دفعته أمّه منذ بداياته إلى مدرسة “دير المخلّص” قرب مدينة “صيدا” وكان عمره تسع سنوات، لأنّها آمنت بأنّ ابنها يجب أن يخدم الكنيسة والشّعب ليرفع من كرامة النّاس ومكانتهم الإنسانيّة، في عالم طغت عليه المظاهر والمفاهيم المادّيّة وقلّت قيمة الإنسان والمثل الرّوحيّة، وكان رئيس الدّير آنذاك الخوري “إلياس حجّار” الّذي قبل الطّفل “بشارة” رأفة بأمّه ورغبتها في تعليمه وبعد أن لمح عليه أمارات الذّكاء والأدب. من هذه الأمّ الصّابرة والصّامدة اكتسب الصّبيّ “بشارة” قراره بثبات ويقين للمضيّ في طريق الكهنوت، بعد فترة من التّردّد والتّخبّط، وهو لمّا يبلغ سنّ الرّشد بين الاتّجاه نحو الدّراسة والعلم أو نحو التّجارة وعالم المال أو إلى أمر لم يحدّده بعد، أسئلة وأفكار عصفت في دماغه ووجدانه قبل الاستقرار. خاصّة أنّه لم يقبل للتّعلّم في المدرسة الصّلاحيّة في القدس لصغر سنّه، وعودة إلى “دير المخلّص” مرّة أخرى. في هذه المرحلة بدأ يستعدّ للتّفرّغ للكهنوت خاصّة بعد لقاءاته المتكرّرة في الدّير مع الأب “بشارة أبي مراد” المشهور بالتّقوى والفضيلة والسّيرة الحسنة، والّذي كان “بشارة حجّار” يتشوّق لحسن حديثه، فكان من الشّخصيّات الّتي تأثّر بها، وهنا أتقن اللّغتيْن: العربيّة والفرنسيّة، رغم كونه أصغر تلاميذ الدّير سنًّا.
    قبل عودته الثّالثة إلى الدّير سافر إلى مصر بمرافقة صديق له سنة (1891)، فتعلّم مجّانًا في مدرسة حكوميّة، وفي مدرسة “الفرير” المسيحيّة علّم العلوم الرياضيّة وتعلّم اللّغة الإنجليزيّة، لكنّ كلّ ذلك لم ينسِه الدّير وأهله فقرّر العودة الأخيرة والانقطاع للرّهبانيّة بعزيمة لا يردعها رادع ولا يتمكّن منها إغراء بعد الآن. وهناك حين أنهى تعليمه سيم شمّاسًا سنة (1896) ومن ثمّ كاهنًا في كاتدرائيّة “القدّيس نيقولاس” في “صيدا”، وتدرّج في المناصب الكنسيّة حتّى أصبح مطران الرّوم الملكيّين الكاثوليك على “أبرشيّة عكّا وحيفا والنّاصرة وسائر الجليل” سنة (1901) الّتي كان مقرّها في مدينة “عكّا”، وفيها أقام المطران “حجّار” علاقات حميمة مع أهلها وسائر طوائفها وأطرها السّياسيّة والاجتماعيّة، لقد كان الدّافع الوطنيّ الفلسطينيّ المحرّك لكافّة علاقاته، لقد آمن المطران “حجّار” بتعاليم “السّيّد المسيح” وآمن بإحقاق الحقّ والعدالة والمحبّة والسّلام والإنسانيّة وأبغض الظّلم والاعتداء على الآخرين وسلب ممتلكاتهم ورفض سياسة الاستعمار والأطماع الصّهيونيّة والطّائفيّة والمتاجرين بإثارة النّعرات الّتي تؤدّي إلى زعزعة أواصر العلاقات الوطنيّة بين المسلمين والمسيحيّين، ولذلك شدّد على ربط المسيحيّة كمعتقد دينيّ إيمانيّ بالوطنيّة الفلسطينيّة أوّلًا وبالقوميّة العربيّة ثانيًا كعرًى وثقى جامعة لكافّة أبناء فلسطين ولكافّة العرب في كلّ الأقطار.
    مارس المطران قبل تولّيه المطرانيّة في “عكّا” مهنة التّعليم، فعمل في القاهرة مدرّسًا في إحدى مدارسها في الفترة الّتي أقام فيها هناك، ولمّا يكن قد حدّد وجهته، وبعد عودته اشتغل مدرّسًا للعلوم والفلسفة والتّاريخ والنحو والخطابة اليونانيّة في مدرسة “دير المخلّص” الّتي تلقّى فيها تعليمه من قبل. وقد لاحظ أثناء هذه الفترة حالة النّقص في المدارس والكنائس في الجليل وتردّي أحوالها، فكان أوّل نشاطاته بعد تولّيه منصب المطران هو بناء المدارس الأسقفيّة الّتي خدمت سائر السّكّان من كلّ الطّوائف، لقد نظر المطران “حجّار” إلى هذا العمل كجزء ضروريّ تتفاعل فيه القضيّة الدّينيّة بالقضيّة الوطنيّة، كيف لا وهو صاحب الرّؤية الثّاقبة حول ضرورة حماية الثّقافة الوطنيّة ونشرها والحفاظ على اللّغة العربيّة، شكّل ذلك في نظرته جزءًا عضويًّا من القضيّة الفلسطينيّة كقضيّة آمن بها بعد إيمانه بالله.
    كانت المدرسة الأسقفيّة في قرية “البصّة” المهجّرة أولى المدارس الّتي بناها وتعلّم فيها طلّاب مسلمون ومسيحيّون من فلسطين والأردن ولبنان، وكانت هذه المدرسة واحدة من أبرز “مدارس الحجّار الأسقفيّة” وأهمّها، كان الطّالب الّذي ينهي المرحلة الثّانويّة فيها بنجاح يحصل على شهادة “المتروكوليشن” وهي أرقى من شهادة “البجروت” وتمكّن الطّالب الحاصل عليها من الدّراسة في الجامعة الأميركيّة في “بيروت” والمعاهد الجامعيّة العليا في فلسطين والعالم العربيّ. أٌقام المطران “حجّار” مدارس وكنائس في “شفاعمرو” وَ “سخنين” وَ “عرّابة” وَ “الرّامة” وَ “عيلبون” وَ “حيفا” وَ “سيرين” وغيرها، ما زالت هذه المدارس والكنائس قائمة حتّى اليوم، إلّا مدرسة “البًصّة” وكنيستها الّتي كانت تقع إلى جانب مسجدها فقد هدّمتها العصابات الصّهيونيّة بعد تشريد أهلها، ولكنّ الأطلال ما زالت تشهد على أكبر سرقة في التّاريخ الحديث، سرقة فلسطين، ما زالت الأطلال تشهد على أعظم تآخٍ وطنيّ بين نداءات المآذن ونواقيس الأبراج، المسيحيّ الفلسطينيّ والمسلم الفلسطينيّ انتماء عربيّ واحد. هذا التّآخي والانتماء الّذي أرسى أرسخ دعائمهما المطران “حجّار” وبنى عليهما أمتن العلاقات والوشائج وأقوى الخيوط والأمشاج. يذكر الأستاذ “جوني منصور” في كتابه المذكور آنفًا جدولًا طويلًا من المدارس والكنائس الّتي أسّسها أو رمّمها المطران “حجّار” في قرى الجليل ومدنه (حوالي 30 مدرسة أو كنيسة) وكذلك يعدّد “منصور” مآثر المطران في أبرشيّة “شرق الأردن” حيث أقام حوالي 10 كنائس ومدارس وملاحق مختلفة (ص 225 – 246) والأمر المهمّ الآخر وبدافع وطنيّ فلسطينيّ وروح إنسانيّة طاهرة وبرؤية وإيثار امتاز بها المطران “حجّار” فقد سعى لجمع الأموال والتّبرّعات من أجل بناء المساجد أيضًا كما سعى من أجل بناء الكنائس، فقد ذكر الأستاذ “سهيل مخّول” في مقالته حول المطران “حجّار” أنّه سافر وهو مطران في “صيدا” إلى “إستانبول” وقابل السّلطان “عبد الحميد” طالبًا الأموال لبناء جامع وكنيسة في “صيدا” فحصل على 300 ليرة ذهبيّة لبناء الجامع ومثلها لبناء الكنيسة. هكذا تجلّت الوحدة الوطنيّة في السّرّاء والضّرّاء في رؤية المطران “حجّار”، فالشّعب الفلسطينيّ بشقّيْه: المسيحيّ والإسلاميّ واحد والوطن واحد والفرح واحد والألم واحد. وقد عبّر الشّاعر د. “قيصر خوري” اللّبنانيّ الأًصل صاحب كتاب “الذّكريات” عن تاريخ “حيفا” والّذي عاش في “حيفا” عقودًا طويلة، عبّر بقصيدة تصوّر هذه الوحدة من خلال معاناة الموت، ففي سنة (1921) قامت قوّات الأمن الانتدابيّة بالهجوم على مظاهرة للعرب في “حيفا” ضدّ “وعد بلفور” شارك فيها المسلمون عند المقبرة الإسلاميّة، وانضمّ إليها المسيحيّون الخارجون من احتفالات عيد “الفصح” الكبير وسقط شهيدًا الشّاب المسيحيّ “إدوار منصور” والشّيخ المسلم “مصطفى العجوز”، فمشى القسّيس والشّيخ واتّحد المسلم والمسيحيّ وتعانق الهلال والصًليب وامتزج نداء الأذان ورنين الأجراس، والأهمّ صار دم الشّهادة دمًا طاهرًا واحدًا لا تفرّق بين دم مسلم ودم مسيحيّ، فالوطن واحد والدّم واحد يسيل زكيًّا على الثّرى الفلسطينيّ. لقد اعتمد على كتاب د. “قيصر” المذكور سابقًا وكتاب “تاريخ حيفا” للكاتب والإعلاميّ الحيفاويّ “جميل البحريّ” الكاتبُ الرّفيق د. “خالد تركي” في كتابه الجديد والأخير “حيفا في ذاكرة برهوم” الصّادر سنة (2019) وعنه وفي (ص 111 – ص 112) نقلت هذه الحادثة الهامّة في سياق كتابتي ومضمونها والقصيدة الرّائعة في تصوير المعاناة المشتركة في وحدة الكفاح الوطنيّ والمصير الفلسطينيّ. وممّا جاء في القصيدة:
    “إذا لمْ تنلْ هذي البلادُ حقوقَها — فتحيا كما تحيا الشّعوبُ وتسعدُ
    فخيرٌ لها إلّا تعيشَ ذليلةً — لأنَّ حياةَ الذّلِّ للموتِ موردُ
    إذا أنصفونا اليومَ عشْنا أكارمًا — وإنْ ظلمونا اليومَ ينصفُنا الغدُ
    وإنْ كانَ لا يحيا المسيحُ وأحمدُ — فلا كانَ في الدّنيا المسيحُ وأحمدُ”
    المطرانيّة وحبّ فلسطين والكفاح:
    في سنة (1901) انتخب “غريغوريوس حجّار” ليصبح مطرانًا لأبرشيّة “عكّا” لمدّة 40 عامًا (انقطع عنها مدّة خمس سنوات، بين (1914 – 1919) فترة دوام الحرب العالميّة الأولى، ولكن ليس بسبب ذلك فقط، سنأتي على ذكر هذه الفترة لاحقًا) أربعة عقود من الخدمة الرّعوية والوطنيّة، الاجتماعيّة والسّياسيّة، ومن هذا المنصب الكنسيّ الرّفيع بدأ يكتسب سمعة وطنيّة وكفاحيّة لمواقفه ضدّ كثير من العناصر والأعداء وعلى عدّة جبهات، ويقيم علاقات متينة مع الشّخصيّات العربيّة والغربيّة، ويشارك في النّشاطات واللّقاءات والمؤتمرات والمحافل الإقليميّة والدّوليّة، خدمة للكنيسة والرّعيّة، ولكنّ الأساس الأقوى والنّشاط الأبرز والخدمة الأوسع والأعمق كانت من أجل فلسطين وحقّها المهدّد بالدّمار والتّخريب، لقد آلت فلسطين إلى ما حذّر منه مرارًا وليل نهار المطران “حجّار”، ضاعت لضعف الحالة العربيّة والتّشرذم وفساد الزّمان وأطماع الاستعمار وشراسة الصّهيونيّة والتّوحّش والظّلم الغربيّ.
    أربعة عقود من الحبّ لفلسطين وأهلها وقراها وجبالها وترابها وجليلها وساحلها، أربعة عقود من الوفاء للوطن فلسطين ولقضيّتها العادلة، ضدّ الأتراك والإنجليز ومحاولي مغتصبيها من حيثما جاءوا. لقد عبّر المطران “حجّار” عن هذا الحبّ بكلمات جميلة وساحرة تكتسي بصبغة الوفاء وبلغة دلّت على عمق انتمائه وصدق وطنيّته وحبّه للأرض والأهل والوطن، وعلى رقّة مشاعره الرّومانسيّة وتدفّق عاطفته الشّاعريّة، إنّها قصيدة حبّ للحبيبة الوطن قال: “آه يا فلسطين ما أحبّك إلى قلبي، وما أجملك في نظري، وما أقدسك في فمي، أيّها الوطن المفدّى إنّني أحبّك بجمالك ووهادك، بمروجك ووعورك، بخريفك وربيعك، بشتائك وصيفك، أحبّك سواء تجهّمت سماؤك أو ابتسمت كواكبها من خلال صفائها، أحبّك في محنتك، وأحبّك في هنائك، أحبّك في غنيّك يبسط يده في سخاء، وأحبّك في فقيرك يعمل بجدّ ونفس ذات إباء، أحبّك في شيوخك وقد جلّلهم وقار الشّيب وسطعت في أدمغتهم أنوار الحكمة، أحبّك في شبابك المفتول السّواعد وقد اتّقدت من بين أضلاعهم نيران الهمم، أحبّك في فتيانك وفتياتك وهم يناغون المستقبل وتناغيهم منه الأماني الكبيرة وقد انبسطت أمامهم الحياة بمباهجها، أحبّك في أطفالك… أحبك بدويًّا يُكلّل بعقاله وتحصّن فوق صهوة جواده مدللًا بسيفه ورمحه، أحبّك حتّى في تلك الفلّاحة البدويّة معتزّة بطهارتها فوق سنام جملها أو تحت أثقال جرّتها، أحبّك في فلّاحك يشقّ الأرض بمحراثه ليودع في أحشائها بذار آماله، ويحصدها خيرات يفيضها على الإنسانيّة جمعاء محسنًا كبيرًا تدين له كلّ مراتبها ملكًا ومملوكًا غنيًّا وفقيرًا، فما أعظم الفلّاح! أحبّك في ذلك الرّجل البسيط الطّيّب السّريرة الحسن الطّويّة في صدق مهجته وبساطة حياته يقنع بالكفاف ويشكر الله في حالة البؤس والسّرّاء والضّرّاء”.
    دفعه هذا الحبّ والشّعور الوطنيّ إلى التّصدّي لمشاريع التّتريك الّتي اتّبعها الأتراك ضدّ العرب عامّة، وبخاصّة عندما كانت تنمو المشاعر القوميّة العربيّة الّتي تطالب بالاستقلال عن الدّولة العثمانيّة، في فترة حكم السّلطان “عبد الحميد” وقد امتازت بالقمع والاستبداد، وقد أدّى ذلك الظّلم إلى بداية تبلور فكر قوميّ وشعور عربيّ، فقامت حركات سرّيّة للتّخلّص منه، وتمخّضت الأحداث عن عزله وإعلان دستور سنة (1908) وتحكّمت بالأوضاع جمعيّة “الاتّحاد والتّرقّي” باستبداد فاق استبداد “عبد الحميد”، وقد تخلّت عن مبادئ المساواة الّتي أعلنت في الدّستور، ونادت بالوحدة “الطّورانيّة” الّتي تتجاهل الشّعوب المنضوية تحت الحكم العثمانيّ، فزاد نموّ الوعي القوميّ العربيّ الّذي أدّى إلى بداية الكفاح القوميّ ضدّ سياسة التّتريك. لقد كان المطران “حجّار” في خضمّ هذه الأحداث والتّطوّرات وشارك في المؤتمرات الّتي عقدت، وأوّلها المؤتمر العربيّ الّذي عقد في “باريس” سنة (1913) خطب المطران “حجّار” في فرنسا ضدّ الألمان والأتراك وكذلك أبدى تأييده ونشاطه للحركات الوطنيّة ولدعاة القوميّة العربيّة في بلاد الشّام، فوصلت مضامين الخطاب الحماسيّ إلى القنصل التّركيّ، وبلا تردّد حكمت الحكومة التّركيّة بتجريده من مناصبه الدّينيّة، وكذلك بحكم الإعدام دون إعلامه. لقد كان حكم الإعدام يمتاز بسهولة اتّخاذه لدى الأتراك ضدّ الكثيرين من المناضلين العرب: اللبنانيّين والفلسطينيّين والسّوريّين الّذين عارضوا سياساتهم الاستبداديّة.
    رغب المطران “حجّار” بالعودة إلى فلسطين لمزاولة عمله ورعاية مصالح رعيّته، لكنّه سافر إلى مصر والتقى بالبطريرك “كيرلس الثّامن” الّذي أبلغه بقرار حكم الإعدام عليه. وأشار عليه بالبقاء في مصر حتّى تهدأ الأحوال، فمكث المطران “حجّار” فيها خمسة أعوام حتّى نهاية الحرب الأولى سنة (1919) وانتهى حكم “الرّجل المريض” بعد خسارة دول المحور الحرب. خمسة أعوام قضاها بعيدًا عن أبرشيّته ورعيّته وشعبه وفلسطينه الّتي أحبّها حتّى النّخاع، ومع خطورة الظّروف على حياته في حال عودته إلى فلسطين، كان دائم الإلحاح للعودة إلى فلسطين عند البطريرك “كيرلس الثّامن” الّذي توفّي سنة (1916) فأبّنه، وكان “سعد زغلول” حاضرًا فأعجبته خطابته وبيانه فمال على صديقه الشّاعر “خليل مطران” وقال: “كيف لا يكون هذا المطران الجليل ذا شهرة عظيمة وهو أبلغ خطيب عربيّ سمعته”. كان يلحّ للعودة إلى رعيّته ووطنه ويدعو البطريرك لترتيب الأمر، لكنّ دعواته تلك قوبلت بالرّفض القاطع حفاظًا على حياته. في هذه الفترة نشهد انتقالًا ملموسًا لدى المطران “حجّار” من الفكر الوطنيّ إلى تلمّس الطّريق نحو الفكر القوميّ العروبيّ، وبخاصّة بعد إحساسه بالأطماع الغربيّة ومن ثمّ الصّهيونيّة في تحقيق الوطن القوميّ اليهوديّ، أيّ تحقيق ما نصّ عليه “وعد بلفور” الّذي أصدره وزير المستعمرات البريطانيّ “آرثر بلفور” سنة (1917) ووفقًا لذلك تكون الحكومة البريطانيّة الّتي لا تملك سلبت الحقّ من مَن يستحقّ ويملك وأعطته لمن لا يستحقّ ولا يملك” في أكبر عمليّة تزوير في التّاريخ، ولكن ستبقى فلسطين حقيقة من تراب وصخور وماء وسماء ملكًا لأهلها العرب، الفلسطينيّين وليمحق الزّور إلى الأبد.

    المطران فلسطينيّ وعربيّ وممثّل لشعب:
    مع بداية الانتداب البريطانيّ على فلسطين وتكشّف العلاقات المتواطئة بينه وبين الحركة الصّهيونيّة بدأ يتعمّق الشّعور العروبيّ لدى المطران “حجّار” وبدأ يميل إلى رؤية الرّوابط القوميّة العربيّة بالاستناد إلى المكوّنيْن الوطنيّيْن الرّاسخيْن: الإسلاميّ والمسيحيّ ابتداء من ثورة سنة (1919) وبداية الوعيّ الوطنيّ المصريّ بزعامة “سعد زغلول” الّذي ربطته به علاقة خاصّة إلى جانب علاقة المواقف المناهضة للظّلم التّركيّ والبريطانيّ، ومن ثمّ تأييده لثورة “الشّيخ عزّ الدّين القسّام” في بداية ثلاثينيّات القرن الماضي، وقد كان صديقه في “حيفا”، حيث كان “القسّام” إمامًا لمسجد “الاستقلال” وزعيمًا مكافحًا ضدّ الانتداب والصّهيونيّة، ومع “فارس الخوري” أشهر الزّعماء الوطنيّين في سوريا، ومع الرّئيس الوطنيّ اللّبنانيّ “إميل إدّة”، وكذلك ربطته علاقات وثيقة مع “الشّريف حسين” وأولاده وبخاصّة ابنه “فيصل”.
    في سنة (1924) سافر المطران “حجّار” إلى “عمّان” مهنّئًا “الشّريف حسين” بمبايعته خليفة للمسلمين، ووقف المطران خطيبًا فقال مستهلًّا: “إنّ الطّائفة الكاثوليكيّة الملكيّة العربيّة بمجموعها وأفرادها ورؤسائها، باسْمي وباسْم المسيحيّين الفلسطينيّين الّذين لي شرف تمثيلهم أقف أمامكم لأعلن لكم بأنّنا نحن نصارى فلسطين عرب نتمسّك بأرضنا وندافع عنها ونحن سكّان الأرض الأصليّون”. وكالعادة إذ يكون الخطيب مفوّهًا وصادقًا يحسن التّصوير والبيان، وهي صفات صميميّة في مطران العرب البليغ، يعجب به المتلقّي فيقول “الشّريف حسين” متوجّهًا للخطيب الفذّ بفخر واعتزاز بعد سماع خطبته السّياسيّة والبلاغيّة: “أيّها المطران العربيّ أنت أخطب من كلّ من سمعت! ولَأنت مفخرة هذه الأمّة وعلم من أعلامها”. لقد وفّق المطران “حجّار” بين الدّين والقوميّة باعتباره الشّعب الفلسطينيّ بمسلميه ومسيحيّيه جزءًا عضويًّا من الأمّة العربيّة الّتي يجمعها رباطان محوريّان بارزان: الدّم واللّغة. لقد جعل المطران “حجّار” الدّين مركّبًا أساسيًّا لانتمائه الوطنيّ الفلسطينيّ ورأى في الوطنيّة مركّبًا هامًّا في هيكل القوميّة العربيّة، تلك الرّؤية تجلّت في تعريفه لهويّته التّراكميّة: “أنا مسيحيّ فلسطينيّ عربيّ”. ومن هذه الرّؤية السّاطعة تبنّى المطران “حجّار” الانتماء العروبيّ ومفاهيمه، فالمسيحيّ الفلسطينيّ جزء من العرب والعالم العربيّ، ولا يقلّ بذلك عن أخيه المسلم الفلسطينيّ. ولهذا أيّد المطران “حجّار” الثّورة العربيّة الكبرى عند قيامها في “الحجاز” سنة (1916) ضدّ الدّولة العثمانيّة الّتي امتازت بالظّلم والتّدمير والقمع والاستبداد، ولنا في الوالي العثمانيّ “جمال باشا” الملقّب بِ “السّفّاح” (1873 – 1922) خير دليل في بلاد الشّام وفلسطين، حيث تولّى حكمها سنة (1915).
    فرح المطران “حجّار” لفرح فلسطين وأهلها وحزن لأحزانهم، وعرف بفكره النيّر وعقله الثّاقب ماذا يتربّص بها من أطماع منذ تكشّفت أنياب الحكومة البريطانيّة ومخالب الحركة الصّهيونيّة، منذ صدور الوعد المشؤوم، ولذلك كان المطران الوطنيّ لا ينفكّ عن طلب المساعدة لهذا الشّعب المظلوم ولهذه القضيّة المهدّدة بالتّغييب من خلال سلخ الإنسان عن الأرض لتبقى أرضًا بلا شعب كما أدّعت كاذبة الحركة الصّهيونيّة، بغية احتلالها واستيطانها بالمهاجرين اليهود الّذين ما فتئوا يفدون إليها بمساندة وتغطية من الانتداب البريطانيّ والخمول العربيّ. لذلك أرسل المطران “حجّار” مذكّرة عبّر فيها عن غيرته على فلسطين، أرسلها للجالية العربيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة يحثّهم فيها على مناصرة الفلسطينيّين الّذين يتعرّضون للتّدمير والخراب. ولأنّه كان على وعي بقدرة الصّهيونيّة ومدى تقديم إغراءات للتّخلّي عن فلسطين وقضيّتها الوطنيّة أرسل تحذيرًا لعدد من الشّخصيّات الدّينيّة المسيحيّة اللّبنانيّة ورجال الإكليروس ورجال الأعمال والتّجّار والسّياسيّين، نشرته جريدة “الصّحافيّ التّائه” قال فيه منبّهًا من مغبّة الوقوع في حبائل مكائدها وإغراءاتها المادّيّة: “أنتم في لبنان مخدوعون في أمر الصّهيونيّة، ولا ترون فيها غير المال الّذي جاءت به إلى بلادنا، إنّه مالٌ باقٍ لليهود، وإذا استفاد منه بعض الملّاكين القلائل عندنا، فهذا لا يعني أنّ فلسطين العربيّة استفادت منه، إنّ الفقر والحاجة اللذين يعيش بهما أبناء الشّعب في فلسطين لم يسبق لهما مثيل، إنّ الاستثمار الّذي قام به الصّهيونيّ أخذ البقيّة الباقية من أموال الفلسطينيّين”. وقد حذّر الشّعراءُ من هذه الهجرات اليهوديّة ومن مخاطر البيع والسّمسرة، فقال شاعر فلسطين “إبراهيم طوقان” في تتابع الهجرات اليهوديّة وخطورتها:
    “هوَ الألفُ لمْ تعرفْ فلسطينُ ضربةَ — أشدَّ وأنكى منهُ يومًا لضاربِ
    يهاجرُ ألفٌ ثمَّ ألفٌ مهرّبًا — ويدخلُ ألفٌ سائحٌ غيرَ آيبِ
    وألفُ جوازٍ ثمَّ ألفُ وسيلةٍ — لتسهيلِ ما يلقونَهُ منْ مصاعبِ
    وفي البحرِ آلافٌ كأنَّ عبابَهُ — وأمواجَهُ مشحونةٌ بالمراكبِ”
    وقال الأديب “محمّد إسعاف النّشاشيبي”:
    “يا فتاةَ العُربِ جودي بالدّماءْ — بدلَ الدّمعِ إذا رمْتِ البكاءْ
    فلقدْ ولَّتْ فلسطينُ ولمْ يبقَ — يا أختَ العلا غيرُ الدّماءْ
    إنَّها أوطانُكُمْ فاستيقظوا — لا تبيعوها لقومٍ دخلاء”
    طيلة فترة وجوده في فلسطين لم يقدّم للحكومة البريطانيّة أو لليهود الصّهاينة شيئًا، ولعلّ وقوفه أمام “اللّجنة الملكيّة البريطانيّة” سنة (1937) وخطابه الشّهير أمامها يشكّل رؤية وطنيّة بالاعتماد على الحقّ الفلسطينيّ والأرض الفلسطينيّة وبتفنيد دعاوى الصّهيونيّة ومطالبتهم بوطن قوميّ في فلسطين، وقد فاجأت مضامين خطابه أعضاء اللّجنة الّذين اعتقدوا لأنّه مطران مسيحيّ سيكون خطابه أقلّ حدّة من خطاب المسلمين، لكنّه في الحقيقة حمل أشدّ المضامين والمطالب السياسيّة والوطنيّة، وقد قال فيه: ” أتيت لأتكلّم لا باسْمي الشّخصيّ فقط، كرئيس دينيّ مستقلّ، وإنّما لأنقل إليكم صدى ما سمعته وأسمعه من شعبنا العربيّ الفلسطينيّ في المدن والقرى، وأنا مختلط به اختلاطًا تامًّا منذ 36 سنة كأسقف عربيّ، أحسُّ مع الشّعب، فأتألّم لألمه وأفرح لفرحه، وهو يفضي إليّ بذات صدره في كلّ فرحة، العرب هنا في هذه البلاد من آلاف السّنين قبل اليهود، ولم يقوَ اليهود على طردهم، وبقيت البلاد باسمهم إلى الآن”، وتابع محذّرًا من مغبّة يهوديّة الدّولة في فلسطين فقال: “ومتى أصبحت فلسطين دارًا لدين واحد، فسيصبح أصحاب الوعد (يقصد وعد بلفور) أصحاب البلاد ونحن سنصبح كزنوج أميركا”.
    إنّه اغتيال دُبّر بليل:
    قد أدري أو لا أدري لماذا كلّما قرأت عن حادث السّير الّذي قضى فيه المطران “حجّار” نحبه يساورني الشّكّ القريب جدًّا من اليقين بل أكاد أجزم أنّ الحادث كان اغتيالًا دُبّر بليل، فكلّ من كتبوا عن ذلك الحدث الجلل أشاروا إلى شكوكهم ولم يحسموا في الأمر. لماذا أدري أنّه قد يكون اغتيالًا لأنّ شخصيّة وطنيّة لها ثقلها الدّينيّ والوطنيّ والشّعبيّ ومكانتها عند الشّعب الفلسطينيّ وتأثيرها، تشهد لها مواقفها الكفاحيّة في الذّود عن فلسطين الوطن والقضيّة وعن حقوق الشّعب الفلسطينيّ، وسعيه الدّؤوب لصيانة الوحدة الوطنيّة بين المسلمين والمسيحيّين، وخدماته للأهالي في جميع المجالات، وعلاقاته المتشعّبة مع السّياسيّين والمناضلين والقادة والأدباء والمثقّفين في العالم العربيّ، ووقوفه في وجه الأتراك وحكمهم المستبدّ وسياسة التّتريك وفي وجه الانتداب البريطانيّ وسياساته المنحازة للحركة الصّهيونيّة وتغطيته لجرائمها زيادة على جرائمه، كما تجلّت مواقفه العنيدة أمام “لجنة “بيل” سنة (1937) وتصدّيه للهجرات اليهوديّة المتتابعة إلى فلسطين ووقوفه إلى جانب المقهورين والمسحوقين من العمّال والفلّاحين ومناصرة حقوقهم في العمل الكريم والأرض، واقتران اسمه بنضال أولئك الفلّاحين والمجاهدين الفلسطينيّين ضدّ الغزو الصّهيونيّ. ألا يخلق له كلّ ذلك كمًّا هائلًا من الأعداء المتربّصين به للحدّ من قدراته ونشاطه وفاعليّته ووطنيّته. ألم يصلبوا “السّيّد المسيح”! ألم يدبّروا محاولة لقتل “النّبيّ محمّد”! ألم يقتلوا “تشي جيفارا” وَ “مارتن لوثر كينغ”! ألم يصلبوا “سبارتاكوس” حتّى الموت! ألم يغتالوا “المهاتما غاندي”! ألم يحكموا بالموت والسّم على “سقراط” الحكيم! ألم يسجنوا المناضل “نيلسون مانديلا” لثلاثة عقود! ألم يحاصروا “جمال عبد النّاصر” ونظامه الوطنيّ! والنّجوم السّاطعة في سماء العظمة والمجد لا تعدّ. ولماذا لا أدري لأنّي رغم ملكي لإحساس قويّ بأنّ الرّجل قد اغتيل لا أملك دليلًا مادّيًّا ملموسًا.
    في آخر نشاط وطنيّ له عشيّة عيد الفطر يوم 30 تشرين الأوّل سنة (1940) سافر المطران “حجّار” من “حيفا” إلى “القدس” لزيارة المندوب السّامي البريطانيّ ساعيًا للعفو عن المناضلين الفلسطينيّين المعتقلين بسبب مشاركتهم في الثّورة الفلسطينيّة والمحكومين بالإعدام، وقد تكلّل سعيه بالنّجاح وتقرّر الإفراج عنهم، فقصد “الحرم القدسيّ الشّريف” ليزفّ بشرى الإفراج عن السّجناء، فقوبل باحتفاء كبير جعل الأهالي والمصلّين المتواجدين يحملونه على الأكتاف فرحًا بهذه الخطوة الوطنيّة اللّافتة.
    وفي طريق عودته إلى “حيفا” اصطدمت السّيّارة الّتي كان يقلّها بعربة خيل، فنزل ليستطلع الحادث فجاءت سيّارة مسرعة وصدمته فنقل إلى المستشفى ومات بعد ساعة واحدة. فماتت بموته الطّهارة الإنسانيّة.
    وما يزيد من شكّي ويوصلني إلى عتبات اليقين بأنّ المطران قد اغتيل ما أخبرني به الدّكتور “جوني منصور” بأنّ الرّجل الّذي كان يقود السّيّارة الّتي دهست المطران حيفاويّ مات قبل حوالي عشر سنوات، وربّما وهو ينطوي على سرّ خطير، وقيل أغدقت عليه الحكومة الإسرائيليّة بالكثير من الامتيازات وَ “المكرمات”، ورغم محاولات د. “منصور” للقائه للاستفسار عن الحادث إلّا أنّ كلّ محاولاته ودعواته للرّجل باءت بالفشل، ولذلك كلّه أكاد أجزم من تجميع تلك القرائن أنّه اغتيال دُبّر بليل. فشلّت يد الظّلم والغدر وظلام اللّيل!
    مكانة المطران وخلوده:
    لقد كانت حياة المطران “حجّار” طريق آلام شاقّة، ولقد كانت تلك الطّريق بآلامها وآمالها ومعاناتها ومآسيها وأفراحها وإنجازاتها الوطنيّة الجسام هي الّتي صنعت من ذلك الطّفل البسيط “بشارة” هذه العظمة الّتي تستحقّ وصفها بالظّاهرة “الحجّاريّة” لتميّزها وانقطاع نظيرها.
    نعم كتب الشّعراء القصائد وقدّم الخطباء الخطب العصماء وخلّدته القرى والمدن الفلسطينيّة بإطلاق اسمه على الشّوارع والسّاحات والميادين والمؤسّسات، وبمثابرة الأستاذ “جوني منصور” والمرحوم حسين إغباريّة” وبعد جهد جهيد ودأب حثيث ولمدّة سبع سنوات متواصلة من المطالبة ومعارضة قوى اليمين في بلديّة “حيفا” استطاعا أن يجعلا إدارة البلديّة توافق سنة (1998) على إطلاق اسم المطران “غريغوريوس حجّار” على أحد شوارعها الرّئيسيّة، ولكنّ المطران العظيم ظلّ أعظم ممّا عظّمه وممّن عظّموه.
    في مقدّماتي الكثيرة والطّويلة دائمًا أتساءل: “لماذا نعود إلى هؤلاء العظماء ولماذا من المهمّ أن نعود إلى المطران “حجّار” اليوم”؟ هل هي حاجة ضروريّة نحسّها لإحياء كياننا الدّاخليّ؟ كما يقول د. “منصور” في توطئة كتابه أم لكتابة تاريخه من جديد وقد سبقنا إلى فعل ذلك من هم أفضل منّا، قد يكون إحساسًا داخليًّا ينمو فينا كلّما غصنا في ظلمات وهزائم وانكسارات، كلّما طالت دروب آلامنا العربيّة، كلّما غرقنا في بحور المادّة والمال وابتعدنا عن النّقاء والقيم الروحيّة الّتي يسمو الإنسان بها، كلّما عاث الظّلم والاستبداد والاضطهاد فسادًا في عالم الحرّيّة والكرامة، كلّما طغى التوحّش والجاهليّة على الإنسانيّة والنّور، كلّما افتقدنا “المسيح” والطّهارة والتّسامح، وكلّما افتقدنا “محمّد” والعدالة وحرّيّة العبيد وسواسية النّاس كأسنان المشط، كلّما تشتّتنا وتشرذمنا عائليًّا وطائفيًّا وتناحرنا إقليميًّا على مصالح نفعيّة واهية وانجررنا إلى ما يبثّه فينا الأعداء من “فرّق تسد” ونكون تربة وافرة الخصوبة لجاهليّتنا وقبليّتنا وعصبيّتنا وظلاميّتنا فيحيق بنا الدّمار.
    نعم نعود! ويجب أن نعود إلى المطران “حجّار” الّذي جسّد المسيح فكان “مسيح الشّرق” المعذّب في الأرض والمتألّم والسّجين والمقتول والمصلوب والمسموم، إنّه المسيح الّذي يمثّل فلسطين الجريحة، المعذّبة، المرفوعة على الصّليب. إنّه نور العالم المنبعثة من الذّات السّماويّة والمنتشرة في الأرجاء لتنير لنا الطّرقات الموحشة والمدلهمّة بالبشارة والقيامة.
    المطران “حجّار” هو الفلّاح الجليليّ البسيط والمتواضع راعي اليتيم والمسكين وعائد المريض والسّجين. إنّه المطران الفلسطينيّ العربيّ لأنّ المسيح كان في وجدانه فلسطينيًّا عربيًّا.
    عندما أبّنه المطران “باسيليوس حجّار” قال بحقّ: “يوم مشهود! أمأتم هذا أم عيد وهذا الجمع الغفير والحشد الكبير الّذي يزحم بعضه بعضَا بالمناكب”، نعم يستحقّ كلّ ذلك، فقدناه فحزنّا واستنرنا بنوره ومآثره فعيّدنا. أبّنه كثيرون وشاركت في تشييعه شخصيّات مرموقة من سائر بلاد الشّام وبكته الملايين. ورثته الشّعراء، فهذا صديقه “شاعر القطريْن خليل مطران” يرثيه في ثلاث قصائد، وكان قد كتب له قصيدة مشهورة يوم تكريمه في “حيفا” بحلول اليوبيل الفضّيّ لجلوسه على كرسيّ المطرانيّة في فلسطين سنة (1925) وقال في مطلعها:
    “بوركَ في خلقِكَ المليحِ – – يا أشبهَ الخلقِ بالمسيحِ
    وفي ذكاءٍ لهُ شعاعٌ — يبدو على وجهِكَ الصّبيحِ”
    وفي ذلك الاحتفال وقف الشّيخ “أسعد الشّقيري” وهو من وجهاء “عكّا” خطيبًا، وكانت كلمته بعد كلمة المطران “حجّار” الّتي نالت إعجابه فقال: “يا حجّارنا! اعتقدنا أنّ “الكرمل” فوق البحر، ولكنّنا وجدنا أنّ البحر فوق “الكرمل”، وأشار بيده نحو المطران ومن ثمّ ضجّ الاحتفال بتصفيق حادّ ووسط التّصفيق قام الرّجلان وتعانقا بمحبّة ومسرّة.
    وللشّاعر “عادل الغضبان شاعر الشّباب” قصيدة في رثائه يقول فيها:
    ما للسّوادِ يلوحُ في الأستارِ — ذهبَ الكريمُ الحرُّ في الأحبارِ
    هاتوا دموعَكُمُ لنقضيَ حقَّهُ — ونصونَ حقَّ مودّةٍ وذمارِ”
    وأخيرًا:
    لقد تطهّرت أرض فلسطين واكتسبت حيفا جلالًا وازدانت جمالًا واشرأبّ الكرمل شموخًا وترامى البحر اتّساعًا وران على كنيسة “السّيّدة” بهاء ونقاء وسناء وانبثق منها نور انتشر في كلّ ناصية وحارة وبيت، عندما ضمّ هذا التّراب الفلسطينيّ الجثمان الطّاهر للمطران “غريغوريوس حجّار” الكليّ الوقار والمثلّث الرحمة غمرته الطّهارة والرّحمة والوقار. يجب أن لا نعزّي فيه بل علينا أن نسترشد من طريقه العظيم، كما استرشد منها المطران الفلسطينيّ الأوّل “جبرائيل أبو سعدى” (1907 – 1965) ابن “بيت ساحور”، وقد كان قائدًا وطنيًّا وعضو المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ والّذي نادى “لا للاحتلال الصّهيونيّ” وتعرّض للاغتيال مرّات عديدة. والمطران الفلسطينيّ السّوريّ الأصل “هيلاريون كبوتشي” الّذي سمّي بحقّ في المسلسل التّلفزيونيّ بِ “حارس القدس”، والّذي كانت مسيرته الوطنيّة والنّضاليّة صورة تجسّد مسيرة المطران “حجّار” الوطنيّة، يكفي المطران “جبرائيل أبو سعدى” والمطران “هيلاريون كبوتشي” هذا الاسترشاد العامر بالنّور والوطن، ويكفي المطران “بشارة غريغوريوس حجّار” راحة نفسيّة واطمئنانًا روحانيًّا أن هناك من غذّ الخطى الواثقة في طريق الآلام وسار في سبيل النّور والحرّيّة والكرامة الوطنيّة والإنسانيّة. ونعم الطّريق! وأبدًا على هذا الطّريق! رحم الله المطارنة وكلّ رجال الدّين الأنقياء والأتقياء وجميع شهداء الشّعب الفلسطينيّ الأبرار.

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.