مع علي بن الجَهْم والحكاية الطريفة

تاريخ النشر: 02/12/16 | 9:39

عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ *** جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن *** سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمرًا عَلى جَمرِ
الشاعر هو علي بن الجَهْم.
علي بن الجهم: (804 – 863 م) نشأ ببغداد، وكان يختلف إلى أحمد بن حنبل ويسأله مسائل في الفقة والصفات وما ماثل ذلك، ورحل إلى خراسان والثغور الجبال ومصر والشام، واختص بالمتوكل، وخرج من حلب متوجها إلى الغزو، فخرجت عليه خيل من كلب فقاتلهم، وقتل.
له ديوان شعر.

في بعض كتب الأدب والتراث العربي يروون حكاية طريفة:
وقف الشاعر لأول مرة بين يدي الخليفة العباسي المتوكل، مادحًا، وهو الشاعر البدوي الفصيح المطبوع، فلم تسعفه قريحته بأجمل من هذا الكلام يقوله للخليفة:

أنت كالكلب في حفاظك للود و كالتيس في قراع الخطوبِ
أنت كالدلو، لا عدمناك دلوًا *** من كبار الدلا، كبيرَ الذنوبِ

يدهش الحاضرون في مجلس الخليفة من هذا الشاعر الذي يمدح الخليفة بأنه كالكلب في حفظه الود، وكالتيس في مواجهة المصاعب والأخطار، وكالدلو الذي يحمل الماء و يجلبها ــ كثير الذنوب ــ اي غزيرة من قاع البئر.
لكن الخليفة المتوكل لا يغضب، ولا تصيبه الدهشة، و إنما يدرك بلاغة الشاعر و نبل مقصده وخشونة لفظه وتعبيره، وأنه لملازمته البادية، فقد أتى بهذه التشبيهات والصور والتراكيب .. ثم هو يأمر للشاعر بدار جميلةٍ على شاطئ دجلة، بحيث يخرج الشاعر الى محال بغداد يُـطالع الناس ومظاهر مدينتهم وحضارتهم وترفهم.
يُـقيم الشاعر “علي ابن الجهم” مدة من الزمن على هذه الحال، والعلماء يتعهدون مجالسته ومحاضراته، ثم يستدعيه الخليفة و ينشده الشاعر قصيدة جديدة … فتكون المفاجأة … قصيدة من أرقّ الشعر و أعذبه… يقول مطلعها:

عيون المها بين الرُّصافة و الجسر جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

يقول المتوكل: انظروا كيف تغيرت به الحال، والله خشيت عليه ان يذوب رقة و لطافة.

ذاعت شهرة قصيدة “عيون المها”، ومنها:

خليليَّ، ما أحلى الهوى، وأمـرَّهُ وأعرفني بالحلو منه وبالمُر
بما بيننا من حُرمةٍ هل علمتما أرقَّ من الشكوى، وأقسى من الهجرِ
وأفضح من عين المُحب لسِـرّهِ ولاسيما إن أطلقت عَبرةً تجري

وردت هذه القصة في كتاب محيي الدين بن عربي (محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار) ج2،
ص3 ، وعنه نقل محمد أحمد جاد المولى وصاحباه في قصص العرب (دار الجيل)- ج 3، ص298.

نقد القصة:
بحثت في كتاب ابن خِلِّكان (وفَيَات الأعيان) ج1، ص 441 فوجدت ترجمة ابن الجهم، ولم يذكر شيئًا من هذه القصة الطريفة، بل هي ليست موجودة فيما راجعت من كتب المتقدمين كالجاحظ وابن قتيبة والمبرِّد وابن عبد ربه وآخرين.
بل إن الجزء العاشر من (الأغاني) ص 247- 280 أورد قصصًا شتى وروايات عن الشاعر، ولم تكن هذه الحكاية بينها.
في كتاب المَرْزُباني (معجم الشعراء) ذكر في ترجمة ابن الجهم ص 44 أنه مدح المعتصم والواثق وجالسهم، ولم يتناول القصة، وسؤالي:
كيف غدا الشاعر جلفًا يوم أن مدح المتوكل بعد مدحه للمعتصم؟؟!!
وأهم من ذلك أن الشاعر مدح المتوكل في قصيدته الأولى يوم أن بويع بالخلافة، ورأى فيه الإمام المنتظر:

أحسن خلق الله وجهًا إذا *** بدا عليه حُلّة تَزْهَرُ
وأخطب الناس على مِنبر *** يختال في وطأته المنبر
فأمّر الله إمام الهدى *** والله من يَنصره يُنصر
يا أعظم الناس على مسلم *** حقًا ويا أشرف من يفخر….إلخ
(الديوان ص 71- 76)

مرة أخرى:
لماذا لا نجد الرواية الطريفة في مصادر الأدب المختلفة؟
ثم
ألا يعرف ابن الجهم أن وصف الكلب وارد كثيرًا في الشعر العربي بمعنى الهجاء، كقول ابن الرومي:
وجهك يا عمرو فيه طول *** وفي وجوه الكلاب طول

وقول حمّاد عَجْرد في هجاء بشار:
بل أنت كالكلب ذلاً أو أذل *** وفي نذالة النفس كالخنزير واليعر

ثم
ألا نلاحظ أن هناك تجميعًا – مرة واحدة- في الاختيار: الكلب، التيس، الدلو؟
أليس هذا في معرض سخرية أكثر مما هو مدحًا؟
..
إن ترجمة حياة الشاعر ومنذ نشأته تدل على أنه كان متدينًا فاضلاً، وكان من صغره يتردد على أحمد بن حنبل ويسأله ويروي عنه.
انظر : تاريخ بغداد، ج 11، ص 367، وفَيَات الأعيان، ج1، 441.

وكانت له صداقات ولقاءات مع أبي تمّام، فمن أين هذا الجفاء الذي نُسب إلى الشاعر دفعة واحدة، وكأنه آتٍ على التوّ من البادية- مع أنه ولد في بغداد؟
لقد بدأ نجم الشاعر يسطع في خلافة المأمون (198هـ- 218)، وقد مدح المعتصم، فالمتوكل فالواثق.

وأخيرًا، فإن محقق ديوان علي بن الجهم خليل مردم (منشورات دار الآفاق)، ص 117أن البيتين
أنت كالكلب …..”، فيقول:
” البيتان ذكرا في خبر يظهر عليه الوضع، والذي نراه إن صحت نسبة البيتين له أنه قالهما في أحد مجالس المتوكل يعبث ببعض الندمان أو المضحكين”.

إلى جوّ آخر-
إليكم قصة ذكاء:

“حكى ابن الجوزي في كتاب (الأذكياء) أن رجلا من طلبة العلم قعد على جسر بغداد يتنزه، فأقبلت امرأة بارعة في الجمال من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب، فقال لها: رحم الله علي بن الجهم!
فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري! وما وقفا، بل سارا مشرقا ومغربا.
قال الرجل- فتبعت المرأة، وقلت سألتك بالله ما أراد بابن الجهم؟
فضحكت، قالت: أراد به قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر … جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وعنيت أنا بأبي العلاء قوله:
فيا دارها بالخَيف إن مزارها … قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال”

انظر: ابن حِجّة الحموي- (ثمرات الأوراق)، ص 161.

لا نودع الشاعر علي بن الجهم دون أن نمرّ على قصيدته المشهورة:

قالوا حُبستُ فقلت ليس بضائري *** حبسي وأي مهنّـدٍ لا يُغمدُ؟

يقول ابن خِلِّـكان عنها” وهي أبيات جيدة في هذا المعنى، ولم يُعمل مثلها”، كما امتدحها صاحب الأغاني في ترجمة الشاعر.
ومنها:

أَوَما رَأَيتَ اللَيثَ يَألَفُ غِـيلَهُ *** كِبرًا وَأَوباشُ السِباعِ تَرَدَّدُ
وَالشَمسُ لَولا أَنَّها مَحجوبَةٌ ***عَن ناظِرَيكِ لَما أَضاءَ الفَرقَدُ
لا يُؤيِسَنَّكَ مِن تَفَرُّجِ كُربَةٍ *** خَطبٌ رَماكَ بِهِ الزَمانُ الأَنكَدُ
كَم مِن عَليلٍ قَد تَخَطّاهُ الرّدى *** فَنَجا وَماتَ طَبيبُهُ وَالعُوَّدُ
وَالحَبسُ ما لَم تَغشَهُ لِدَنِيَّةٍ *** شَنعاءَ نِعمَ المَنزِلُ المُتَوَرَّدُ
فَبِأَيِّ ذَنبٍ أَصبَحَت أَعراضُنا *** نَهبًا يُشيدُ بِها اللَئيمُ الأَوغَدُ

(وفيات الأعيان- م.س).

بروفيسور فاروق مواسي

faroqmwasee

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة