المدينة التي فقدت قلبها

تاريخ النشر: 19/01/15 | 7:16

“كانت بيروت بالنسبة لنا، نحن أبناء القرى، هي “البلد”. يوم نزولي بالحافلة من القرية إلى ساحة البرج لأشتري بقرة، يظل الذكرى الوحيدة العالقة في رأسي عن المدينة في الخمسينيات، لا بسبب ما حدث فيها بل بسبب الضجة التي أحدثتها في الضيعة. كانت البقرة التي اشتريتها هولّندية، ركّبتها معي في البوسطة، واضطررت أن أدفع بدل أجرة راكبين بسبب المساحة التي أخذتها. في بيروت كانت هذه بقرةً عادية، تشبه غيرها. في القرية صارت بقرة ابن عبد الرضا الهولندية حديث الناس، بسبب نتاجها الغزير، وصارت تؤمّن لنا مردوداً مالياً كبيراً. بعدها نزل الكثيرون إلى بيروت أملاً بالحصول على بقرةٍ مثلها، من دون أن يجدوا”.
– “كنت في السادسة عشرة من عمري عندما عثر عليّ شقيقي الكبير وأنا أراقب غرفة جارتنا من نافذة بيتنا في البسطة. بعد أن عنّفني على فعلتي، طلب منّي الذهاب معه في مشوارٍ قصير. نزلنا إلى ساحة البرج ومن هناك ذهبنا إلى شارع المتنبّي، والذي كان يعرف بالسوق العمومي، أعطاني مبلغاً من المال، وأدخلني إلى أحد الأمكنة التي كانت تسمى بـ”بيوت البغاء” التي تملأ الشارع. كلّ ما أذكره من المكان اليوم هو اللافتة المضيئة الوحيدة في الشارع. قال لي أخي انّ هذه اللافتة هي لملكة “السوق” ماريكا اسبيريدون”.
– “حصل ذلك في بداية السبعينيات، حين قرّرت ترك القرية والمدرسة كي أعمل. كان أحد أقربائنا يبيع الكتب، وقرّرت أن أنزل لأعمل معه في سوق العازارية، حيث تباع الكتب. كنت كسولاً، وكنت أقرأ الكتب بدل بيعها، ليطردني قريبي. جرّبت أن أعمل بائع جوارب متجوّلا قرب ساحة البرج لكنّني فشلت أيضاً. تركت بيروت، وعدت إلى القرية لأكمل دراستي الثانوية. عندما تسجّلت في الجامعة في العاصمة بعدها بعامين، كانت الحرب قد اندلعت ولم أتمكّن من زيارة البلد حتّى انتهائها”.
***
فرّغت الحرب وسط العاصمة من كلّ شيء. فرغت الساحات والأسواق، كما المقاهي والمسارح، حتّى بيوت شارع المتنبي تلك لم تسلم من الفراغ. رغم ذلك لم يستطع، أو لم يرغب أحد من المتقاتلين بالسيطرة عليه. صار قلب المدينة مجرّد فاصلٍ مهجور بين طرفي النزاع، وأًصبح بإمكان القادمين بالطائرات أن يروا تشكّل ما عرف بالخط الأخضر، نتيجة نمو الأشجار والنباتات. رافق زوال وظيفة وسط العاصمة الرمزية كمكان لالتقاء اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم ودوره كنموذج لـ”الوحدة الوطنية”، ازدياد القطيعة والبعد بين أبناء المدينة المشطورة إلى قسمين، ليصير الوسط كنايةً عن تلك “الوحدة الوطنيّة” المفقودة. وفور انتهاء الحرب، بدأ الحديث الفعلي عن إعادة الإعمار، والناس الذين ارتجلوا أسواقاً شعبية في ساحة البرج بداية التسعينيات أبعدوا سريعاً، ليبدأ هدم جزءٍ كبيرٍ مما تبقى من ذاكرة المدينة.
***
احتمالية أن تجد نوافذ مضاءة قليلة، واحتمالية أن تجد أحواض زهور على الشرفات أقل، وبالكاد ستجد حائطاً أو مقعداً كتب عليه شيء. ستجد الكثير من الأشكال البراقة والواجهات اللامعة والسيّارات الجديدة، لكنك لن تجد الناس.
يغمرك شعور بالاغتراب عند دخول المكان. الكثير من الحواجز و”البلوكات” الباطونية، التي تمنعك من العبور إلى هنا ومن الدخول إلى هناك، والكثير من رجال أمن تابعين لشركات خاصة، ولن تستغرب إن تبرّع أحد المواطنين بشتمك إن رميت عقب سيجارتك أرضاً، “فهذا المكان يلمع، ويجب عليك ألا توسخّه”. حتّى الـ”فان رقم 4″، يبدو كأنه يتحاشى الدخول إلى هنا، يلتف حول المكان من دون التورّط في الولوج إليه. كما في زمن الحرب، بقي وسط العاصمة بقعةً معزولة. وبعد أن كانت هذه العزلة تعبّر خلال الحرب عن نوستالجيا، ساذجةٍ ربّما، إلى الوحدة المفقودة، صارت تعبّر عن غربةٍ في مكانٍ لا “يشبهنا”. وسط هذا، تبدو ساحة البرج، بالفراغ الكبير الذي يحيطها، محافظةً على دورها كفاصلٍ بين الشرقيّة والغربيّة، رغم السنين الكثيرة على انقضاء الحرب.
***
فقدان وسط العاصمة لمركزيته دفع الناس إلى السعي لإيجاد مراكز جديدة، هي أقرب إلى مراكز للمناطق التي تسود فيها الجماعات. برزت الحمرا في بيروت الغربية، كمكانٍ جامعٍ لكافة طبقات المجتمع، يحوي مقرّاتٍ لمؤسّسات حكومية ولشركات وجامعات، إضافةً إلى “غاليريهات” ومسارح ودور سينما وفنادق وأماكن سهر، فيما عجزت “بيروت الشرقيّة” عن خلق حالةٍ مشابهة، واكتفت بمراكز صغيرة متفرّقة كالجميّزة وجونية. كما ظهرت مراكز متفرّقة أخرى في الضاحية الجنوبية، خاصةً بعد التوتّرات السياسية التي عصفت بالبلاد إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005، كسوق معوّض وأوتوستراد هادي نصر الله، واللذين لم يترافق ازدهارهما التجاري مع ازدهارٍ ثقافي.
***
بيروت التائهة بلا مركزٍ اليوم. كانت حتّى فترةٍ ليست بالبعيدة محصورةً في مستطيل، هو وسطها الحالي. مرّ الكثير على هذا المستطيل، كوارث طبيعية، وزلازل، وحروب، وإصلاحات. دمّر كليّاً أكثر من مرّة وعمّر من جديد. إلّا في الحرب الأهلية لم يدمّر المستطيل تماماً. يقول إلياس خوري في روايته “الجبل الصغير”: “ونحن، حين كنا نهدم بيروت، كنا نعتقد أننا هدمناها… لكن حين قالوا ان الحرب انتهت ونشروا صور الدمار الهائل الذي حلّ ببيروت، اكتشفنا أنّنا لم ندمرها. أحدثنا بعض الفجوات في حائطها ولم تدمر. والقضية ربما احتاجت إلى حروب جديدة”، ربّما.
رضا حريري – لبنان
rrrrr

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة