سورية.. وأسلحتها الكيماوية

تاريخ النشر: 20/07/12 | 8:03

استخدام الصين وروسيا حق النقض ‘الفيتو’ ضد مشروع قرار تقدمت به بريطانيا الى مجلس الأمن الدولي يعطي النظام السوري مهلة لمدة شهر ونصف الشهر لسحب اسلحته الثقيلة من المدن والاّ اخضاع الأزمة السورية تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة، هذا الاستخدام يؤكد مجددا ان الدولتين ملتزمتان كليا بدعم هذا النظام، وانهما تملكان ثقة عمياء بقدرته على الاستمرار في السلطة، وربما سحق الثورة المسلحة التي تريد الاطاحة به.

لا نعرف من اين جاءت هذه الثقة، والأسباب التي تدفع روسيا والصين الى استخدام الفيتو ثلاث مرات في اقل من عام، خاصة ان التفجيرات والهجمات التي تشنها قوات الجيش السوري الحر وصلت الى قلب العاصمة دمشق، بما في ذلك مراكز امنية استراتيجية مثل مقر مجلس الأمن القومي.

لا بد ان الروس والصينيين يملكون معلومات غير تلك التي تبثها محطات التلفزة العربية، حول بدء العد التنازلي لسقوط النظام، والاّ ما كانوا اتخذوا هذا الموقف الذي اغضب ‘أصدقاء سورية’ بزعامة الولايات المتحدة الامريكية ومعظم الدول العربية، وقرروا دعم نظام على وشك الانهيار، فلا نعتقد انهم على هذه الدرجة من الغباء.

أن يأتي هذا الدعم بعد اغتيال ثلاثة جنرالات من ابرز اعمدة النظام، وفي عملية اختراق نوعية، وداخل مقر مجلس الامن القومي، فهذا قد يفسر على انه نوع من الانتحار الاستراتيجي، اللهم الا اذا كان النظام نفسه هو الذي اقدم على تخطيط عملية الاغتيال هذه، وبالتالي تنفيذها كضربة استباقية لإحباط محاولة انقلاب دبرها هؤلاء، بالتعاون مع قوى غربية لإطاحة رأس النظام وبعض الموالين له.

الضربات الاستباقية من اختصاص حزب البعث بفرعيه في العراق وسورية، فالرئيس العراقي صدام حسين اقدم على تصفية خصومه عام 1979، وبعضهم من اعضاء مجلس قيادة الثورة ومن اقرب المقربين اليه، بحجة تآمرهم عليه مع القيادة السورية في حينها.

الفيتو الروسي ـ الصيني المزدوج قد يؤدي الى تفاقم الأزمة وتصعيد الحرب بالوكالة التي تزداد اشتعالا يوما بعد يوم بين انصار امريكا وحلفائها العرب (المعارضة)، وبين النظام المدعوم من روسيا والصين الى جانب ايران وحزب الله وبعض دول تكتل البريكس، خاصة بعد اعلان الولايات المتحدة عن موت مهمة كوفي عنان، وتصميمها على العمل بشأن الأزمة في سورية خارج اطار مجلس الأمن الدولي.

عندما تقول الولايات المتحدة انها ستعمل خارج اطار مجلس الامن فإن هذا يعني ان لديها خطة جاهزة في هذا الإطار، لأنها تعرف مسبقا ان المندوبين الروسي والصيني يقفان حجر عثرة في طريق اي عمل تحت مظلة الشرعية الأممية، ولذلك فإن السؤال هو حول نوعية هذا العمل الامريكي المتوقع وطبيعته.

الإدارة الامريكية لم تكشف اوراقها في هذا الإطار، ولكن تزايد الاحاديث عن مخاطر المخزون الهائل من الأسلحة الكيماوية السورية، وامكانية وقوعه في ايدي تنظيمات متشددة مثل تنظيم القاعدة، او نقل بعضه الى حزب الله اللبناني قد يسلط بعض الاضواء على الخطط الامريكية المقبلة.

العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني حذر في مقابلة مع محطة ‘سي ان ان’ امس من وقوع الترسانة الكيماوية السورية في ايدي تنظيم ‘القاعدة’، الذي بات يوجد بقوة على الاراضي السورية، واكد وجود معلومات قوية لديه تؤكد هذا الوجود.

ومن المفارقة ان تصريحات مماثلة لتصريحات العاهل الاردني صدرت امس عن باتريك فانتريل المتحدث باسم الخارجية الامريكية ، وتزامنت في الوقت نفسه مع تقارير صحافية امريكية قالت ان امريكا واسرائيل تبحثان القيام بهجوم عسكري للسيطرة على مخزون الاسلحة الكيماوية السورية، في حال انتشار حالة الفوضى، وللحيلولة دون حصول جماعات اسلامية متشددة عليها.

ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي تجول يوم امس على طول الحدود السورية، واعرب عن مخاوفه من نقل النظام السوري اسلحة كيماوية ومعدات عسكرية ثقيلة الى حزب الله في لبنان، وقال ان اسرائيل قلقة من حال الفوضى الزاحفة الى سورية.

نخلص من كل ذلك الى القول بأننا قد نفاجأ في الايام او الاسابيع او الاشهر القليلة المقبلة بهجوم امريكي ـ اسرائيلي على سورية تحت عنوان او ذريعة تأمين اسلحة الدمار الشامل في حوزتها، في تكرار للسيناريو الامريكي في العراق.

هذه الترسانة الكيماوية السورية هي ملك للعرب جميعا، وليس للنظام السوري، وهي موجودة في الاساس كقوة ردع في مواجهة اي هجوم اسرائيلي بأسلحة نووية او اسلحة كيماوية تزدحم بها الترسانة العسكرية الاسرائيلية. وربما يفيد التذكير بأن الدول العربية لم تستخدم مطلقا اي اسلحة كيماوية ضد اسرائيل، بما في ذلك حزب الله اللبناني، وما حدث هو العكس تماما، اي ان اسرائيل هي التي استخدمت قنابل الفوسفور الابيض الحارقة ضد العزّل والاطفال اثناء غزوها لقطاع غزة في نهاية عام 2008.

‘ ‘ ‘

الشعوب العربية، او معظمها، تقف مع الشعب السوري الذي يطالب بأبسط حقوقه المشروعة في الكرامة والتغيير الديمقراطي، في مواجهة نظام ديكتاتوري قمعي، ولكن عندما يكون خيارها بين هذا النظام وغزو اسرائيلي ـ امريكي لسورية فإن الوضع قد يختلف كليا، ولا نعتقد ان الشعوب العربية قاطبة التي عارضت بشدة غزو العراق، ستقبل بتكرار السيناريو نفسه في سورية وبمشاركة اسرائيلية غير مسبوقة فيه.

الاوضاع في سورية، بل وفي المنطقة بأسرها، تنزلق نحو سيناريوهات خطرة للغاية، واحتمالات الحرب الاقليمية، بل وربما الدولية العظمى، باتت الاكثر ترجيحا. سورية غرقت في الحرب الاهلية، وفي طريقها للانتقال الى حرب اقليمية تمهيدا لحرب عالمية موسعة تشمل المنطقة بأسرها.

من الصعب الجزم بأن من تورطوا في ملف الأزمة السورية سواء النظام بقمعه وحلوله الامنية الدموية، اوالدول العربية الداعمة لتسليح الثوار، او القوى الخارجية في المعسكرين الغربي او الشرقي، التي تخطط وتدعم وتسلح بشكل مباشر او غير مباشر، قد توقعوا جميعا هذا التدهور الخطير والنهايات المفتوحة على كل الاحتمالات. ابواب جهنم قد تفتح على المنطقة انطلاقا من سورية، نقولها وفي الحلق مرارة، وفي القلب خوف بل رعب مما يمكن ان يترتب على ذلك من كوارث يصعب التنبؤ بها.

عبد الباري عطوان, القدس العربي اللندنية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة