لماذا يا هذا (4)

تاريخ النشر: 11/07/12 | 4:18

لماذا يا هذا (4)

– بين التكلّف والبساطة –

لوحة 1:

عاد أبو سعيد من عمله مُرهقاً بعد أن خرج في الصباح الباكر للجري وراء لقمة العيش، وبالكاد يجدها! يجلس أبو سعيد مع زوجته وأولاده السبعة حول مائدة الطعام، واذا بأم سعيد تقول: “يلاّ يا أبو السعيد… حضر حالك هالأسبوعين… البنت قرّب عرسها وناقصها كثير أشياء للجْهاز!!” وسمعت من جارتنا عن محل بجيب كل شي من الغالي! أبو سعيد: ” ولااو يا مَرَة… شو كل اللي جبتيه!!؟ شو ظايل بعد؟؟ والله بتعرفي “البير وغطاه”!! حرااام عليكي!”. أم سعيد: “كل البنات هيك بجيبن!! وبنتي مش ناقصة!! لو انّا بتجيبهن بالدين…!! لازم ترفع راس بنتك قدام الجماعة!! ينظر أبو سعيد إلى زوجته ووأولاده، يتأمل أيديهم الممتدة إلى الطعام، ويغرق هو بهمومه وحساباته وكأن عقله انقلب لدفتر حسابات ورزنامة… المدارس، عرس ابن الجيران، رمضان، عرس البنت، العيد، اخر الشهر و و و و و….. وما زالت القائمة مفتوحة لاستيعاب معطيات جديدة…….!

لوحة 2:

بعد عدة سنوات من عناء العمل المتواصل والشاق، نجح أبو سعيد بادّخار مبلغ من المال وعقد نيته هو وزوجته أم سعيد حج البيت الحرام. بينما كان يجلس أبو سعيد وقد ملأه الشوق إلى الحج، والنظر إلى الكعبة ، والسعي بين الصفا والمروة ،وسجدة عند المقام ، وانحناءة بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت تغمره السعادة الكبرى لتلك الزيارة، كانت زوجته أم سعيد تشغل تفكيرها وتفكير زوجها بتلك الهدايا ومصاريفها التي ستقدمها للأقارب والجيران والأصدقاء….

في هذين الشهرين بالذات، وفي الوقت الذي تتزامن به المناسبات المختلفة، لتجتمع الأعراس والأفراح ويقترب شهر الصوم الكريم والأعياد ويبدأ التحضير لافتتاح السنة الدراسية القادمة، كلها مجتمعة لتدخل بيوتنا من غير استئذان، رأيتُ أنه من واجبي الحديث عن تلك الأعباء الثقيلة التي باتت تُغرقنا ببحر من التكلّف وتكبلنا بأغلال وتقيّدنا بقوانين لا صلة للشرع بها ولا أنزل الله بها من سلطان!

فعندما نتتبع سيرته صلى الله عليه وسلم، ذلك المثال الرائع والأسوة الحسنة التي لا بد لنا كمسلمين اتباعها والاقتداء بسلوكها وسيرتها، لا بدّ أن نلحظ اليوم ذلك الضباب الذي بات يغطي سلوكياتنا ونهجنا ويتراكم على الإسلام وما جاء به القرآن والسنة النبوية بصورتها الجليّة والصحيحة!

فلم يكن الدين عنده صلى الله عليه وسلم ولا عند أصحابه الكرام شكلاً أو مظهراً إنّما حقيقة قلبية وعقائد قويّة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام أصحاب بساطة وعفويّة بعيدين كل البعد عن التكلّف والتصنّع إن كان ذلك في أقوالهم أو أفعالهم أو نهج حياتهم ككلّ، ويسيرون بذلك تبعًا لكلام الله عزّ وجلّ في سورة البقرة، حين قال: “لا يكلّف الله نفساً إلا وُسعها“.

قال الله تعالى في صفة رسوله الكريم – صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم – ” وما أنا من المتكلفين ” . وعنه صلّى الله عليه وسلّم:”للمتكلِّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم” .

والتكلّف نوع من النفاق ، وضرب من الرياء، وعن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، نادى منادي النبي، صلى الله عليه وسلم : اللهم اغفر للذين لا يدّعون، ولا يتكلّفون، ألا إنّي برىء من التكلّف..

وقال سلمان : أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألا نتكلّف للضيف ما ليس عندنا .

وكان الصحابة، رضي الله عنهم، يُقدّمون ما حضر من الكسر اليابسة، والحشف البالي – أي الردء من التمر – ويقولون:لا ندري أيُّهما أعظم وزرًا؛ الذي يحتقر ما قُدِّم إليه، أو الذي يحتقر ما عنده فلا يقدّمه.

ولكن! أين نحن من ذلك!؟ ففي مناسباتنا المختلفة مثلاً، حدّث ولا حرج! جميعنا يدرك حجم التكلف القائم فيها، لتشكّل بذلك عبئاً مرهقاً على كواهل أصحاب المناسبة والضيوف المشاركين فيها على حد سواء بدل أن تكون مصدر سعادة وفرح ومُشاركة.

فبالله عليكم! لمَاذا نسير اليوم على خُطى عادات اجتماعيّة، ونصبح عبيداً لأعراف أضحت فيها حفلات الزفاف والأعياد والزيارات ومختلف المناسبات منوطة بمبالغ لا يطيقها العقل ولا يرضى بها الله لتتلاشى بها معالم الفرحة الصادقة والمعاني القيّمة، ولتفقد المناسبات قيمتها وتتظلل بظلال ثقيلة بعيدة عن البساطة والعفوية؟

بدلاً من أن يخطط الوالدان؛ مثلا، لمشاريع تكلل حياتهم وحياة أبنائهم بالسعادة والرضى، تراهم منشغلين بـ “حسابات” مٌرهقة تافهة لعرس فلان وحفلة علان على حساب سعادتهم وتربية أبنائهم! وبدلاً من أن يفكّر المُقبلون على الزواج بحياة هادئة ينعمون بها في رضى الله، تراهم منهمكين بمصاريف البيت و “رخامه” والقاعة و “زينتها” والمفرقعات و”شلالاتها”، ولتظهر مناسبتهم بأجمل صورة ويغرقون هُم بشلالات من الديون…

لماذا نسمح لأكداس من الأعراف أن تغلّف حياتنا؟ ولماذا نرضى بأن نكون نحن “أمة الإسلام” الأمة التي اصطفاها الله على العالمين، أمة تغرق ببحر التكلّف وتتكبّل بأغلاله؟… لماذا لا نحارب تلك الأعباء الثقيلة التي تراكمت على الإسلام بصورته الجليّة الصحيحة؛ لنبتعد عن جواهر الأمور، ونركّز على أتفهها “الشكليّات” ؟

إنّ التكلّف المقيت الذي نعيشه ما هو إلا هدر للطاقات وقتل للإبداع وإهمال للجوهر وقيد للعمل وقطع للتغيير نحو الأفضل!

إنّنا مدعوون بذلك جميعاً، لإعادة النظر في سلوكياتنا؛ لننفض عنّا أثواب التكلف وننزع عن جلدتنا مخالب التصنّع والزيف دون أن نحرم أنفسنا؛ طبعاً، فرصة مشاركة الأفراح والمعاني القيّمة في حياتنا؛ في إطار الضوابط الشرعية وتحت سماء التعاليم الإسلاميّة! وفّقنا الله للالتزام بتعاليم ديننا الحنيف!

‫2 تعليقات

  1. اللهم إنّ نسألك توفيقًا من عندك….
    أشكرك أيتها الكاتبة المبدعة، وفّقك الله لما يحبه ويرضاه..
    بوركتِ وكتاباتك..وإلى الأمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة