جوائز للإبداع

تاريخ النشر: 12/05/14 | 8:42

أعلن في هذه الأيام عن جوائز الإبداع التي تقدمها وزارة الثقافة للعرب في الداخل، وهي جائزة رسمية يدور حولها نقاش بين مؤيد ومعارض.
ونتابع كل سنة جوائز نسمع بها كالبابطين والعويس وغيرها مما توزعه دول الخليج بسخاء، ولا يفطن لنا أحد، اللهم إلا أن سميح القاسم حظي بجائزة البابطين قبل بضع عشرة سنة، وتوقف الأمر، كأننا مقطوعون من شجرة.
كنت وما زلت أتساءل:
عن سر القصور نحونا نحن الأدباء والفنانين في البلاد، فإليكم ما كتبته قبل أكثر من عقدين، وأنا أدعو إلى تكريم الإبداع والمبدعين من قِـبَـلنا أولاً وقبلاً.
*المقالة منشورة في كتابي (أدبيات- مواقف نقدية. القدس- 1991، ص 104- 107.
………………………………………………
جوائز للإبداع

ما أحوج أدباءنا وفنانينا إلى تشجيع وتكريم، إلى الأخذ باليد والنصرة ماديًا ومعنويًا، فأين نحن من هذا وأين التشجيع منا؟
سلطاتنا المحلية العربية لا تولي هذه الناحية أدنى اهتمام، فما سمعنا عن تكريم بلدية ما لأدباء محليين أو فنانين موهوبين، ولا سمعنا عن جوائز أعلنتها شفا عمرو أو الطيرة أو طمرة …..لأحسن إنتاج أدبي/ فني لهذا العام.
ولرب سائل يسأل: ولماذا الجوائز؟ وهل الطلب هو مادي محض؟
والإجابة بيسر:

إن الجائزة تثير اهتمام أبناء شعبنا بأدبنا وأدبائنا وفننا وفنانينا، فيُقبل الجمهور على الإبداع بتفتح واستقبال وحب استطلاع وانتفاع.

والجائزة تشجع الإنتاج والإبداع عند من يحصل وعند من لا يحصل على التكريم، فالذي يفوز يود أن يثبت أهليته وجدارته، وأنه عند حسن الظن به.
والذي لا يفوز يبدع وهو ينافس، ويجدّ وهو يفتق ذهنه لإثبات أنه قد غُمط حقه وهضم جانبه.

ثم إن جمهورنا يعتاد ترقب نتائج أخرى غير نتائج “هبوعيل”، و”مكابي”، ويحفظ أسماء أخرى غير أسماء الرياضيين من غير أبناء جلدتهم أو منها.

ثم إن التكريم المادي ضروري ولا يعيب الأديب، فالأدباء غالبًا ما نجدهم لا يملكون الإمكانات والموارد، وقديمًا قيل “أدركته حرفة الأدب” كناية عن ضيق ذات اليد، فما أحرى الشواقل أن تنصبّ لتغذية العقول والنفوس بدلاً من أن تتهاوى كلها في الأمعاء والخلاء.

وتكريم المبدعين يجب أن يكون سُنّة في كل سنة ولكل جيل، فالقدامى يحوزون على تقدير ومعنوية، وبهذا نحترم أنفسنا قبل أن نحترمهم، لأنهم –شئنا أم أبينا – مرآة لعصرنا وبيئتنا وقضيتنا، يعبرون عن القضايا الملحة بإحساس مرهف، وباختصار هم جزء من “نحن”.

وإذا كان “القدامى” قد ألـِفوا العقوق والاستخفاف من بعض الذين لا يعجبهم العجب – وهم برغم ذلك ، وكل ذلك مؤمنون، وعلى الدرب سائرون، لا يثنيهم همز أو لمز– فإن المبدعين الشبان أحوج إلى الرعاية وهم الأماليد، ينتظرون الثناء والدعاء، ففي تكريمهم- إذا كانوا يستحقون، ولديهم ما يقولون- دفعةٌ لهم، وتحفيز لهممهم، وتركيز الأضواء عليهم.

إن أبناء الثقافة الغربية يُولُون لمثل هذا التكريم أولوية في سلّم معاييرهم الثقافية والتربوية، فما من بلدية إلا وباسمها جائزة أو أكثر لتكريم أرباب المواهب، وحتى في المجتمع العبري القريب فإن هناك ثمة جوائز كثيرة جدًا يعلن عنها كل سنة، ولا أكاد أعرف أديبًا منهم إلا حاز على جائزة “كذا”……. وكثيرًا ما يحتفلون بصدور كتاب أو بافتتاح معرض رسم يدعون جمهورًا يلبي ويستجيب، ولا يمزق الدعوة وهو يهز برأسه مستنكفًا.

على غرار تساؤل الرسول التشجيعي والمحفز “ما يمنع الذين نصروا الله بأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم؟” أسأل:

– ما يمنع أن تكون لدينا جائزة الناصرة وقد عودتنا هذه المدينة أن تكون قائدة رائدة في كثير من الميادين التطوعية؟
وهذا السؤال يكتسب شرعية أكثر إذا علمنا أنه سبق أن رأس بلديتها شاعر معروف.

– ما يمنع أن تكون لدينا جائزة باسم شخصية من شخصياتنا الوطنية؟ وقد أشرت في أكثر من سياق إلى ضرورة الإعلان عن جائزة باسم راشد حسين بدلاً من مسيرة هنا وهناك سرعان ما ينسى أثرها.

– ما يمنع أن تكون جائزة أخرى يعلن عنها أحد المثرين الموسرين في المثلث أو الجليل؟
 ولعل الذي يتابع تاريخ الأدب العربي يعرف قيمة العلائق بين العلم والأدب من جهة وبين أصحاب المال والعطاء من جهة أخرى، ورحم الله سيف الدولة، أقول ذلك وأنا على يقين أنْ ليست المسألة هنا تكسبًا ومدحًا لأحد من ذوي العطاء.

– وما يمنع أن تكون جائزة أخرى تعلن عنها مؤسسة صحفية أو اجتماعية، وتوزع كل سنة ولا تكون بيضة ديك، كما لا تكون محددة بذوق صاحبها فقط؟ ذلك لأن الجائزة يجب أن تعطى بموضوعية ونزاهة، وتشرف عليها لجنة سرية لديها المقدرة على الحكم والأمانة فيه.

عندنا طاقات وإمكانات، ومواهب مبدعة فينا ومنا وإلينا، والجائزة أو التكريم تعبير عن حب وتقدير، وأمل بالموهبة الفائزة، ودعوة لسواها أن تعطي بتفان وإخلاص ومثابرة.

لاحظنا كيف كان تكريم نجيب محفوظ في جائزة “نوبل” تكريمًا لنا وإيقاظًا لنا على عالم هذا الأديب الرفيع، كما لاحظنا أن الجوائز التي يقدمها أصحاب همة في الخليج فيها تكريم للأدب العربي عامة، وفيها نظر كثير إلى أدبنا الفلسطيني في الشتات أيضًا.
فما أحرى الجائزة أن يحظى بها من يعشق وطنه و لغته وفنه، وهي جميعًا تلك
“التي يتغنى لها وباسمها”.

إننا نصبو إلى يوم نعتز فيه بكل طاقة ولا نهدر أو نقتل أو نحطم…..

إلى يوم نرعى فيه موهبة الفتاة العربية، ولا نتهمها بتساوق إبداعها والشذوذ الخلقي والاجتماعي، ووضعها في موضع الريبة.

إلى يوم يبدأ فيه مجلس محلي أو بلدية بالإعلان عن جائزة الإبداع المحلي يقوم بها المسئولون بفخر لا بإحجام، وليست هذه أمانيّ تغر، بل أمنيات يمكن أن تحقق بمبادرة وتنظيم، فمتى؟!
متى؟

ب.فاروق مواسي

faroq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة