ليبيا : دولة ثلل الفساد وليس القَّدر وحدة مسؤولة عن الكارثة!!

د.شكري الهزَّيل

تاريخ النشر: 15/09/23 | 18:40

بادئ ذي بدء الرحمة كل الرحمة على ضحايا الزلزال في المغرب وضحايا العاصفة في ليبيا والعزاء كل العزاء لاهالي وذوي الضحايا رغم اننا نعرف ان بعض الضحايا ومن ضمنها عائلات كاملة لم يبقى منها احدا لتقديم العزاء له حيث واجهت فرق الانقاذ في درنة صعوبات جمة في التعرف على الضحايا ومن بينهم من وري الثرى دون اسم ودون تشخيص والحديث يدور عن عدد مهول من الضحايا قد يتجاوز عدد ال20 الف قتيل ومفقود في درنة مما يجعل الامر يرقى الى شبة جريمة ” الابادة” الجماعية المشتركة بين الطقس والمناخ والانسان الفاسد والغير مسؤول الذي يترك الامور على الغارب ولا ياخذ بالحيطة والاحتياط للحفاظ ع ارواح الناس, لابل تجاهل المسؤولون الفاسدون التحذيرات من العاصفة المدمرة القادمة وتركوا درنة تنتظر مصيرها بدلا من اخلاء الناس وتخفيف وطأة الدمار والموت حيث أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة الخميس أنه “كان من الممكن تفادي سقوط معظم الضحايا” جراء الفيضانات المدمرة التي خلفت الاف القتلى والمفقودين”وقال الأمين العام للمنظمة بيتيري تالاس خلال مؤتمر صحافي في جنيف إنه “كان بالإمكان إصدار إنذارات، لكانت هيئات إدارة الحالات الطارئة تمكنت من إجلاء السكان، وكنا تفادينا معظم الخسائر البشرية”، مشيرا إلى قلة التنظيم في ظل الفوضى المخيمة في هذا البلد منذ سقوط نظام معمر القذافي”… تصريحات المسؤول الاممي تكشف غيض من فيض تجاهل ثلل الفساد الموت القادم بسبب الامطار الغزيرة وانهيار سدّين واقعَّين على مشارف درنة، فاجتاحت المياه المدينة جارفة معها الأبنية والناس الذين ابتلعهم الفيضان ليلقي بهم في البحر فيما قذفت امواج هذا الاخير لاحقا كم هائل من جثث الضحايا وجلهم ضحايا الفساد الذي ضرب اطناب السدود وقتل الناس بالالاف… ليس قدرا فقط هذا..انه قتل جماعي مع سبق الاصرار…!!
كان الموت والخراب ينتظر كل من يعيش بقرب السدود الليبية والقضية كانت قضية وقت وقضية طقس ومناخ متغير لفضح الفساد القاتل في ليبيا حيث كشف تقرير ديوان المحاسبة (أعلى جهة رقابية في ليبيا) لعام 2021، عن فساد مالي كبير في ملف صيانة السدود، والتعاقد مع عدة شركات أجنبية لصيانة سد وادي درنة، من بينها عقد مع “شركة أرسيل” في سنة 2007، بقيمة 39 مليون دينار، تقاضت منها نحو 19,8 مليوناً كدفعة مقدمة، في حين لم تتجاوز نسبة الإنجاز 20 في المائة، وعقد آخر مع شركة “كونكورد” في 2009، بقيمة 11 مليون دينار، في حين لم تنجز أية أعمال بموجبه. وأكد التقرير أنه لم تُجر أية عمليات صيانة شاملة بموجب أي من تلك العقود، إذ لم تشرع الحكومات المتعاقبة في تفعيل العقود رغم توفر المخصصات” لابل ان تصريحات العديد من المسؤولين الليبيين المحليين اكدت أن سد وادي درنة المتهالك لم تجر فيه أية عمليات صيانة منذ عام 1986 ولكم ان تتصوروا يا سيداتي سادتي ان السد ذاته والوادي ذاته هو المسبب الرئيسي في القتل الجماعي والدمار الشامل في مدينة درنة الليبية ومن ثم يخرج علينا فاسد مجرم ليلقي باللائمة على ” القضاء والقدر ومشيئة الله” وكلنا وجميعنا مسلمون ومؤمنون نؤمن بقدر الله ومشيئته لكن الله سبحانة وتعالى لم يقل ولم يسمح لهذا الفاسد ان يترك مصير الناس معلق على فواهة سدود متهالكة لابل الاعظم من هذا هو ان ” المركز الوطني للأرصاد الجوية في ليبيا NMC اصدر تحذيرات مبكرة بشأن الطقس القاسي القادم قبل 72 ساعة، وأخطر السلطات الحكومية عبر البريد الإلكتروني، داعيا لاتخاذ تدابير وقائية.” لتذهب هذة التحذيرات دون تعميمها او تطبيقها كما صرحت بهذا المنظمة العالمية للأرصاد الجوية حين قالت إنه لم يعد هناك تعاون وثيق بين خدمات الأرصاد الجوية الاممية وإدارة الكوارث في ليبيا كما كان في السابق.,وأرجع الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة بيتيري تالاس حجم الكارثة بشكل كبير إلى الافتقار إلى أدوات التنبؤ بالطقس واتخاذ إجراءات بشأن الإنذارات المبكرة.كما ألقى باللوم على الصراع الداخلي المستمر منذ سنوات والذي قسّم البلاد، إذ أدى إلى “تدمير كبير لشبكة مراقبة الأرصاد الجوية وتدمير أنظمة تكنولوجيا المعلومات”.!!
ليس هذا فقط وكلنا نعرف ان الدول تستعد لمواجهة الكوارث الطبيعية بسبل وقائية متعددة من بينها اجلاء الناس في المناطق المتضررة الى اماكن امنة وكلنا شاهدنا الاستعدادات في امريكا واوروبا ودول اخرى لمواجهة العواصف وعدد الضحايا كان محدود ومعقول وللمثال العاصفة”دانيال” نفسها قتلت في اليونان فقط 15 شخص فيما الضحايا في ليبيا بالالاف بالرغم من ان مسؤولي هذا البلد من الفاسدين والمفسدين اكدوا قبل الكارثة وجود الاستعدادات لمواجهة العاصفة حيث*”تكرر ظهور وزير الصحة بالحكومة التابعة لمجلس النواب، عثمان عبد الجليل، ووزير الداخلية، عصام أبوزريبة، والمتحدث باسم قيادة قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، أحمد المسماري، في مؤتمرات صحافية، وأصدروا بيانات تؤكد الاستعداد لمواجهة العاصفة، وإعلان حالة الطوارئ والجاهزية القصوى” بينما كشفت الفاجعة في ليبيا ودرنة على وجه الخصوص عدم وجود أية استعدادات وكل ما تحدث عنه الفاسدون كان كذب وتضليل يصل الى مستوى ادانتهم جنائيا بالمسؤولية عن الابادة الجماعية والخراب الهائل الذي حصل في ليبيا ومدينة درنة المنكوبة التي صرح رئيس بلديتها عبد المنعم الغيثي، لـوكالة “رويترز”، إن “الوفيات في المدينة قد تصل إلى 18 ألفاً استناداً إلى حجم الأضرار، وإن المدينة بحاجة إلى فرق متخصصة في انتشال الجثث، معبراً عن مخاوفه من حدوث وباء بسبب كثرة الجثث تحت الأنقاض وفي المياه.”…
الموت في درنة متعدد الاشكال لكن رائحة الفساد الاداري موجودة في كل مكان احتضن جثث الضحايا المكدسة والخطر”خطر الموت” في درنة باقي ايضا بعد نهاية الفيضان
حيث حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الخميس، من خطر *الذخائر غير المنفجرة ومخازن الذخيرة المهجورة في مدينة درنة الليبية بعد الفيضانات التي اجتاحتها الأحد الماضي، مشيرة إلى “صدمة عاطفية هائلة” يواجهها الأهالي.جاء ذلك وفق بيان نشره الصليب الأحمر على موقعه الإلكتروني، نقل تصريحات أدلى بها يان فريديز، رئيس بعثة اللجنة الدولية إلى ليبيا، والتي كان لديها فريق في درنة لدعم الأسر في الأنشطة الاقتصادية الصغيرة عندما اجتاحت مياه الفيضانات المدينة.وقال فريديز: “كانت هذه الكارثة عنيفة ووحشية، حيث دمرت موجة بارتفاع 7 أمتار المباني وجرفت البنية التحتية إلى البحر، والآن فُقدت أسر بحالها، ولفظت الأمواج الجثث نحو الشاطئ، الآن، تواجه المدينة صدمة عاطفية هائلة”.وأضاف: “يتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه العمل الإنساني، في الوصول إلى المناطق المتضررة من الفيضانات، حيث تضررت الطرق بشكل خطير أو دمّرت”. ولفت إلى أن “اللجنة الدولية تقيّم المخاطر التي تشكلها الذخائر غير المنفجرة ومخازن الذخيرة المهجورة في درنة، ما يشكل تحديا إضافيا للسكان”…. الفاسدون والمفسدون لم يتركوا السدود فقط بدون صيانة لابل تركوا ايضا مخازن الذخيرة الحية دون معالجة…!!
في اعقاب سقوط او اسقاط نظام العقيد معمر القذافي قبل اكثر من 11 عاما دخلت ليبيا في حروبات ميليشية ومناطقية وتقسمت ” سياسيا” ومناطقيا بين الشرق والغرب والشمال والجنوب ومناطق نفوذ مقسمة بين الميليشيات وما زالت الفوضى تعصف بليبيا وانعكست بشكل كارثي على اغاثة المناطق المنكوبة وقد أكد حسن بركان، عضو جمعية التيسير الأهلية الإغاثية الليبية ، التخبط الحكومي في التعامل مع الكارثة في تصريح صحفي لصحيفة ـ”العربي الجديد” الصادرة في لندن 15.9.023، قائلا أن “السبب الأول يكمن في الإجراءات الأمنية الناتجة من وجود حكومتين متنافستين، ما عرقل وصول الإمدادات الحكومية من مناطق الغرب لساعات طويلة، فلا بد لحكومة طرابلس أن تحصل على موافقة حكومة بنغازي قبل تحركها في مناطقها، والسبب الثاني هو حيازة حكومة غرب البلاد لأموال الدولة، ما دعم جهوزيتها في إعداد وترتيب المعونات، وتنظيم اللجان الوزارية والفرق، بينما حكومة الشرق تأخرت بسبب صدمة الحدث التي أربكت حركتها، وعطلت قراراتها بشكل أثر في قدرتها على التعاطي مع وصول المساعدات والفرق الدولية”..11عاما لم يصنع الفاسدون في ليبيا سوا منظومات فساد ونهب ومناطق نفوذ وحروبات قسمت ليبيا وزرعت فيها التخلف بكل اشكالة وعلى راسة تهالك البنية التحتية في البلد الغني بالنفط والثروات الطبيعية….*ما سمعناه وشاهدناه اثناء “الثورة” الليبية المدعومة من الخارج هو ان الثورة على القذافي هدفها الديموقراطية والعدالة وبناء دولة ليبية عصرية والنتيجة فساد وبارونات وامراء حرب وخراب اجتماعي واقتصادي وسياسي وما جرى في درنة هو نتيجة مباشرة لنهج الفاسدون والمفسدون والمجرمون التي قُتل في عصرهم اكبر عددا من الشعب الليبي..درنة جريمة اهمال وفساد اداري وسياسي قبل ان تكون ” قضاء وقدر”…الرحمة كل الرحمة على ارواح شهداء الطوفان في درنة وكامل المناطق المتضررة في ليبيا..
ما فهمناه من من وسائل الاعلام وما توقعناه حقا وحقيقة هو الحاصل وهو ان الشعب الليبي شعب اصيل وصاحب نخوة وهو الشعب الذي داس على خلافات الفاسدون وهب لنجدة المناطق المنكوبة في فزعة وطنية اصيله لا بل في فزعات النشاما والنشميات من الليبيون اللذين سَيروا قوافل المساعدات من كامل مناطق ليبيا نحو المناطق المنكوبة وهذه القوافل تخطت معابر التقسيم ومفاهيم الطروحات المغلوطة ووصلت الى درنة في رحلات طويلة من كامل المناطق الليبيه” غربا وشرقا وشمالا وجنوبا” وهي الان في الميدان تقدم العون المنظم ميدانيا واعلاميا ولوجستيا وانسانيا واداءها يتقدم نحو الافضل الى حد انها ” القوافل ومنظمي القوافل” قد حفزت نخوة الناس وخلقت تنافس طبيعي ايجابي على الخير بين المدن والمناطق الليبية في تقديم المساعدات والتبرع للمناطق المنكوبة..
الليبيون يصطفون على ارصفة الطرق لدعم قوافل الاغاثة التي تمر من مناطقهم حيث يصف احد المتطوعين في قوافل الاغاثة واسمة وسام الشيخي لاحد الوسائل الاعلامية العربية النخوه الليبية و” كيف امتلأت حمولة شاحناتنا، فانطلقنا من مدينة الخمس (100 كلم شرق طرابلس)، وعندما وصلنا إلى سرت (وسط شمال)، دعمنا عشرات من الأهالي على حافتي الطريق بمأكولات جافة جاهزة وتمور وألبان ومياه وعصائر وقهوة وشاي. حتى الوقود لم ندفع ثمنه، فقد قادنا شباب سرت إلى محطة سخرها صاحبها مجاناً لسيارات الإغاثة، وعندما تعثرت إحدى سيارات الحملة بسبب عطل، هرع الشباب لإحضار أحد الفنيين الذي رفض هو وصاحب محل لقطع الغيار تقاضي أي أجر نظير إصلاحها، وعلى هذا الحال استمرت أجواء الطريق حتى وصلنا إلى بنغازي، حيث كان الاستقبال لافتاً، بداية من أحد ضباط بوابة مدخل المدينة الذي رفع لنا التحية العسكرية، إلى استقبال الأهالي الذين وفروا إقامة مجانية للمتطوعين”. ..
لم يتغير الشعب الليبي المعطاه وبقيت جودته وفحواه الوطنية والانسانية والعربية عالية الجودة والمقام, والحقيقة الذي تغيَّر في ليبيا بعد رحيل القذافي هو ان ليبيا تغيرت الى الاسوأ ودخلت في غيبوبة فساد وتقسيم وحروب نتيجتها هلاك وتهالك البنية التحتية وماجرى في درنة التي تقع ضمن نفوذ سلطات حكومة الشرق الخاضعة لسيطرة خليفة حفتر حيث تعرضت تحديدا مدينة درنة لحصار دام عامين ضربته قوات حفتر حول المدينة التي تعرضت اكثر من مرة لقصف عشواءي وخاصة عام 2018 وبالتالي كانت درنة وما زالت الضحية في عصر القذافي وعصر حفتر والضحية المباشرة للعاصفة الكارثية 2023 حيث تعاملت قوى الفساد باهمال صارخ مع السَدين المتهالكين ولم تقم بتفريغهما قبل العاصفة عبرفتح الصمامات للتعامل مع هطول الامطار الغزيرة وعدم قدرة السدود استيعابها وهو ما*” أدى الى انهيار السدّ الأول بعد أن ارتفعت المياه فيه 30 مترا وتبع ذلك بالضرورة انفجار السدّ الثاني، وهو ما دفع لتدفّق المياه بارتفاع 12 مترا في وادي درنة وأدى إلى هدم كل المنازل والمنشآت في ممر الوادي وحوله”….
ببساطة : ترك الفاسدون درنة تنتظر مصيرها والنتيجة مافوق ال 20 الف قتيل ومفقود ودمار شامل لحق بالمدينة المنكوبة..نشير في هذا الصدد الى ان أحد خبراء علوم المياه الليبيين، عبد الونيس عاشور، قد حذّر من هذا المصير وهذا القتل الجماعي ، قبل عام، حين قال في دراسة إنه «إذا حدث فيضان ضخم، ستكون النتيجة كارثية على سكان الوادي والمدينة برمّتها» مشيرا إلى «تهالك السدود القائمة في المنطقة» ومشددا على أن على المسؤولين اتخاذ إجراءات فورية….لم يتخذ الفاسدون اي اجراء والنتيجة كما توقعها عاشور صارت واقعا كارثيا في درنة يحاول الفاسدون تعليقة على شماعة القضاء والقدر والحقيقة هي ان : دولة ثلل الفساد والخراب وليس القَّدر وحدة مسؤولة عن الكارثة…الرحمة للشعب الليبي وكامل الشعوب العربية من هذا الفساد القاتل والمجرم..الرحمة لشهداء الطوفان والخزي والعار للفاسدون والمفسدون والمطلوب تقديمهم للعدالة والمحاكمة على هذه الجرائم والمأسي..سلام ل درنة وسلام لكل الراقدون في ترابها وبحرها وحيزها..ادعو لهم بالرحمة والغفران لقد كانوا وما زالوا ضحايا الفساد والدكتاتورية قبل ان يكونوا ضحايا القدر ومشيئة الله…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة