• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    رسالة للنشر وتوضيح فهمي

    الأحبة في موقع ” بقجة ،  تحية واحتراما لكم شخصيا وللموقع ، سأحاول أن أوضح بعض فهمي الأدبي ، الشخصي ، للقصيدة الحديثة وشقيقتها القصة القصيرة .

    بداية أحب أن أشير إلى قصيدتي التي سبق ونشرت مؤخرًا في موقعي ” ميس ” و” بقجة ” . أشرت عامدا في العنوان الصغير أن النص الشعري ، الذي كتبته ، ليس مرثية ، بل رجفة ألم ألمت بي لحظة أنبأني صاحبٌ من برلين برحيل صديقنا المشترك وأن في وداعه كان ستة صحب ، خمسة وأحمد الراحل كان سادسهم . حين كتبت أن النص ليس مرثية ، لأن المرثيات الكثيرة التي قرأتها ، القديمة والحديثة ، هي نص مناسبات ونص بكاء ومدح . من فترة طويلة لا أبكي إنسانا ميتًا ، لأن الحياة المفكرة علَّمتني أن الموت ضرورة حياتية والموت هو نقيض الولادة وكلاهما معا أحد شروط الحياة الإنسانية . ما آلمني في رحيل هذا الصاحب العزيز هو الحدث المرافق للرحيل كانهيار التراب ، رحيل الشمس المتخيل على عجل ونحو الغروب ، قلة الصحب من رافقوا آخر خطاه وهذا الشعور الموجع كأن هذا الإنسان ما كان . فما ذكرته بإيجاز هو رجفة ألم . والشعر الحديث ودائم التجدُّد هو في كل محصلة رجفة حِسِّيَّة .

    قليلةٌ هي القصائد العربية القديمة التي علقت في ذهني رغم مرور الزمن ، أذكر منها قصيدتين لشاعرين ، بشر ابن عوانة والحطيئة . عاش الأول قبل ظهور الإسلام وكان الثاني واحدا من الشعراء المخضرمين . والقصيدة الأولى هي قصة ملحمية في نظري ( أسطورة تتحدَّثُ عن الخوارق )، مطلعها :

    أفاطمَ لو شهدت ببطن خبتٍ وقد لقِيَ الهِزَبْرُ أخاكِ بِشْرا

    والقصيدة الثانية هي قصة ، هي في نظري تروي أسطورة ، إذ تتحدث عن حَدَثٍ وقع في مكان صحراوي . ومطلعها :

    وطاوي ثلاثٍ عاصب البطنَ مُرمٍلٍ بصحراء لم يعرف بها ساكن رسما

    قرأت القصيدتين مرارا واتضح لي أنهما تختلفان كثيرا عن المعلقات وقصائد أخرى قديمة ، كما اتضح لي أن من أجمل الشعر ما كان يتحدَّثُ عن قصة ، حكاية أو أسطورة متخيلة .

    وكبر لدي الإدراك أن بعض الشعر الحديث هو قريب جدا للقصة الحديثة . فالقصة الحديثة هي ليس مجرد سرد لحدث إنما فكرة ويتم الأمر بإيجاز ورموز وإيحاءات وقد يكون الحدث نتاج فكرة متخيلة . فثمة تقارب واضح ، في نظري ، بين القصيدة الحديثة والقصة الحديثة . وكثيرا ما أجد أن بعض نصوصي الشعرية هي أقرب للنصوص القصصية ، فأقرأها كثيرا قبل النشر وبعد صراع مع ذاتي ( الشاعرة ) أحدد طبيعة النص ، أهو شعر أم قصة ؟ والشاعر المجيد هو كاتب قصة حديثة ، لكن ما يغلب على كتاباته هو البوح الشعري . وهذا ما لاحظته في أكثر نصوصي القصصية المختارة التي ظهرت مؤخرا ( حسن الممروش لم يتناول طعامه ذاك المساء ) .

    هذه الهواجس الموجزة اعترتني لحظة وجدت نصي الشعري الأخير المنشور في ” بقجة ” هذا الأسبوع ، نُشِرَ ضمن تصنيف ” خواطر وقصص ” . ليس في الأمر أي حرج ، فمسألة التصنيف هي من صلاحيات محرري الموقع وأنا أحترم رأيهم حقا .

    قرأتُ النص ، كتبته كقص ، لكن قص حدث مزروع في الذاكرة لم يكن هدفي ، إنما الإنبهار بجمال الذات الأخرى الذي أصفه بالجمال الحيي ، فالحياء في نظري هو أجمل ما في هذه الذات التي أسميها رمزا فاطمة – معشوقتي المتخيلة . وزهرة البنت المستحية هي من أجمل زهور حاكورتي وكونها تسمى مستحية وتبدأ الإزهار في المساء ، ذكرتني بالفكرة التي تشغل ذهني :

    أجمل ما في الذات الأخرى هو حياءها ، حياء طفل ، أي حياء ساذجٌ وبريء .

    وذكر أمي مسألة متخيلة ، كأنها جاءت لتؤكد ما يدور في رأسي . هذا الأسلوب هو ما ألجأ إليه في كتابة الكثير من النصوص الشعرية . وهي نصوص تعكس أمنيات حياة :

    أن تكون تلك الذات حيية كطفل وساذجة كما الحياة ، أو كما يجمل بالحياة أن تكون .

    أنا أترك للقارىء ، حين يكون ، أن يقرأ النص كما يشاء ، نَصًّا شعريا أو نصا قصصيا ، أحترم قراءاته وفهمه وتأويله لما يقرأ ، فلا كتابة مزدهرة دون قراءة مُشَجِّعة ومُدقِّقة .

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    1. الحبيب أبا مالك، ولك إعزاز كبير!
      لا شك أن نصوصك فيها جمال ورهافة، ولكن اسمح لي أن أصوب أخطاء وردت في مقالتك، فربما ستنشر هذي في كتاب ذات يوم.
      بشر بن عوانة (بدون همزة)
      بشر بن عوانة ليس شاعرًا حقيقيًا أو جاهليًا ، وإنما هو بطل اخترعه بديع الزمان الهمذاني في مقامته البشرية، وفيها كانت القصيدة والحكاية.
      هو حياؤها- الهمزة على الواو.
      البيت:
      أفاطمَ لو شهدت ببطن خبتٍ وقد (لاقى) الهِزَبْرُ أخاكِ بِشْرا
      بشر بن عوانة لم يرد في أي مصدر قديم سوى في الحماسة البصرية لأبي الحسن البصري المتوفى سنة 658 هـ، وقد أورد قسمًا من القصيدة ذاكرًا أنها لشاعر جاهلي هو بشر بن عوانة.
      ويبدو لي أنه نقل ذلك عن الهمذاني أو التبس عليه الأمر، والهمذاني سبقه بثلاثة قرون (ت. 358).
      أرجو أن أكون قد أبنت، وفي الختام أحيي وأدعو لكم!

    2. شكرا عزيزي فاروق ، سبق وأشرت إلى ما تحكيه عن شخصية بشر بن عوانة في مقال سيظهر لاحقا في كتاب لي حول فهم الشعر وقد حدَّثني عن هذا الأمر في – الملاحظة – أكثر من صديق وسبق أن أشرت في تلك المقالة المشار إليها أن ما يعنيني في مثل هذه التعقيدات هو القصيدة وليس الشاعر الشخص ، فما أردت أن أؤكده هو ما قرأته مرة لأبي حيان التوحيدي أن كمًّا ملحوظا من الموروث الشعري اختفى ولم يحفظه الرواة ولا الكتبة . والهدف من استعراض القصيدة والكتابة عنها كان التأكيد أن الموروث الأدبي العربي ، خاصة قبل الإسلام ، عرف الأدب الملحمي كما عرفته شعوب أخرى عاشت الظروف الإجتماعية نفسها.
      لديَّ مشكلة مع ما يقوله لي كثيرون من معارفك وأبناء مدرستك ، بي حياءٌ حقا ، أقبل ملاحظتهم حول الهمزة المرفوعة في نهاية الكلمة وأشكرهم ، كما أشكرك على كل ملاحظة مجدية ونافعة ومثقفة . منذ بداياتي وأنا أكتب تلك الهمزة فالتة . ملاحظاتك أفادتني كثيرا ، فلك الشكر وخالص شكري لموقع بقجة ، الذي يتيح لنا ولناس كثيرين فرص اللقاء الأدبي ولو عن بعد . ابراهيم مالك

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.