أطفال بدون تكنلوجيا.. 100 عام على تربية فالدورف

تاريخ النشر: 28/07/19 | 16:30

يصادف هذا العام مرور مائة عام على تأسيس اول مدرسة لتربية فالدورف في العالم. كان التأسيس في مدينة شتوتغارت الألمانية عام 1919 اذ افتتحت اول مدرسة تعمل بحسب هذا النهج التربوي الذي ابتكره الفيلسوف المجري رودولف شتاينر. تنتشر اليوم مدارس ورياض اطفال نهج فالدورف في كافة انحاء العالم بما في ذلك بلادنا التي تأسست فيها اول مدرسة عام 1989. في مجتمعنا العربي توجد مدرسة واحدة تعمل وفق هذا النهج في شمال البلاد تأسست منذ اكثر نحو عشرة اعوام.
ما الذي ضمن البقاء بل الانتشار السريع لهذا النهج رغم بساطته وخلوه من التكنلوجيا الحديثة؟
للإجابة عن هذا السؤال لابد من الدخول الى احدى المدارس التي تعمل بهذا النهج او زيارة بستان اطفال فالدورف.
زرت في السنوات الاخيرة عددًا من بساتين فالدورف باحثًا عن اجابة لهذا السؤال كان اخرها زيارتي لبساتين فالدورف في مدينة سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة. وجدت فيها جميعًا بديلا تربويا حقيقيا يعطي للطفل فرصة لتطوير وتنمية قدراته دون ضغوطات بعيدا عن تحديات التحصيل واكتساب المعارف كالتحضير للمدرسة ومعرفة اللغة قراءة وكتابة والعمليات الحسابية.

دائرة الحركة في بستان فالدورف بديل لتركيز الصباح

في بساتين فالدورف يتم توفير بيئة خالية من وسائل الوعي اللغوية او الحسابي ومظاهر التكنلوجيا الحديثة بكافة اشكالها. لا حواسيب هنا ولا تلفاز او خردوات تلفاز. كلها بحسب فالدورف تعتبر دخيلة على الانسان بجوهره وغريبة عن فطرته الاولى في طور الطفولة. كل ما يحيط الطفل في فالدورف مستوحى من الطبيعة النقية بألوانها الهادئة ومظاهرها الجميلة كما اوجدها الله سبحانه وتعالى دون ان يدخل عليها الانسان تعقيدات تفقدها الجوهر. فالأثاث هنا من خشب طبيعي غير مُصنّع وغير مدهون او مكسو بالفورميكا. العاب الاطفال كلها من الاقمشة الطبيعية او الخشب الحقيقي او مواد من مستعارة من الطبيعة مثل الحجارة والاصداف واكواز الصنوبر وحبات الجوز والبندق وغيرها. لا مكان لألعاب تركيبية بلاستيكية في هذه البساتين ولا العاب تفكيرية مثل البازل او المونوبولي.
السؤال الذي يتبادر الى الاذهان من جديد: الا تؤثر بيئة خالية من التكنلوجيا الحديثة وادوات ووسائل التعليم والايضاح والوعي القرائي على مستوى ودرجات التفكير لدى الاطفال وتضر في مستقبلهم الاكاديمي؟
قمت بإجراء بحث اكاديمي لمدة اربعة اعوام لفحص ذكاء الاطفال في بساتين فالدورف مقارنة مع ذكاء الاطفال في البساتين العادية من خلال لعبهم.
اتخذت من اللعب البنائي مؤشرا للذكاء الادراكي لدى الاطفال واستعنت بأدوات بحث كمية متعارف عليها لفحص ذكاء الاطفال من خلال تحليل رياضي وتكنلوجي لمدى تركيب الابنية التي يصممونها.
النتيجة كانت مفاجئة، فقد وجدت ان الابنية التي صنعها الاطفال في بساتين فالدورف حصلت على علامات اعلى بنسب مرتفعة من الابنية التي صنعها الاطفال في البساتين العادية. الامر اثار حب استطلاعي للبحث عن اسباب هذه الفروقات.
اتضح ان البيئات التربوية في بساتين فالدورف معدة بتفاصيلها لإتاحة المجال امام كل طفل للابتكار والبناء بشكل حر واخذها بالحسبان عدة عوامل هامة.
بساتين فالدورف توفر للطفل يوميا حيزًا من الوقت قوامه ساعتين كاملتين تقريبًا للعب الحر؛ توفر حيز مكاني قوامه كل البستان تقريبًا دون معوقات للعب الاطفال؛ توفر مجموعة متنوعة من مواد ووسائل البناء لكل طفل؛ في نفس الوقت، المربية في هذه اثناء لعب الاطفال منشغلة في العمل على انجاز مهمات كإعداد وجبة الافطار مطمئنة لما يدور خلف ظهرها بين الاطفال، لا توجه لهم ملاحظات على الملء ولا تصرخ بهم، بل هي نموذج امامهم ومرآة لأفعالهم يستمدون منها قوة العمل والدافعية للاستمرار.
من جهة اخرى كما اسلفنا لا توجد في بستان فالدورف العب جاهزة للتسلية ينشغل بها الاطفال سريعًا، فيلجؤون الى المواد الطبيعية الاولية فيبنون من خلالها متعتهم او مسرح لعبهم. حتى زوايا اللعب الخيالي الجاهزة مثل ركن المطبخ او عيادة الطبيب وغيرها والمتعارف عليها في البساتين العادية غير متوفرة في فالدورف، فيضطر الاطفال الى بنائها بأنفسهم بكل ما توفر لهم من مواد وقدرة على الابتكار والخيال.
ما عليكم الا زيارة بساتين فالدورف صباحًا لرؤية تلك التحف التي يتم بناءها من قبل الاطفال. كلما تقدم الاطفال في العمر في بساتين فالدورف زادت تجاربهم وخبراتهم وارتفع مستوى اداءهم التصميمي والبنائي لتصبح ابنيتهم اكثر جمالا واحترافا. الاطفال في فالدورف يبقون في ذات البستان لثلاث سنوات متتالية، إذ يدخلوه في سن الرابعة ويغادروه في سن السابعة.
تربية فالدورف ذات المائة سنة لا زالت قادرة على مجاراة الحاضر وتهيئة أطفال مبتكرين، مبدعين، سعيدين واصحاء يستطيعون خوض الحياة مجهزين بقدرات تكنولوجيا لا تقل عن القدرات الادراكية لأطفال البساتين العادية بل تزيد.
د. سلام قدسي – كلية القاسمي الاكاديمية للتربية

تعليق واحد

  1. أشكر د. سلام قدسي على طرحه هذا الموضوع المجدي،
    وأتمنّى أن يطّلع عليه العاملون في سلك التربية والتعليم
    للاستفادة.
    د. محمود أبو فنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة