إذا كان العطاء نعمة فالوفاء فضيلة

تاريخ النشر: 21/12/16 | 5:18

وصلتْني عبر الفيسبوك والبريد الالكتروني والهاتف، مئاتُ التعقيبات حول المقال الاخير الذي نشرتُه قبل اسبوعين بعنوان ” العطاءُ نعمةٌ”. معظم التعقيبات تعزّيني بوفاة صديقي جميل سليمان خوري، وفي ذات الوقت تغمرني بكلمات إطراء أرجو ان اكون جديرا بها فعلا، مما يجعلني امتنع عن استعراضها. رغم ذلك اراني مضطرا ان اتوقف عند تعقيب واحد منها، كان قد وصلني خطيا بالبريد الالكتروني، من الاستاذ صبحي محمد حلف من بسمة طبعون.
إفتتح الاستاذ صبحي رسالته قائلا: “ما زلتُ اواصلُ قراءة مقالاتك الهادفة والتي تدعو الى مكارم الاخلاق دائما. لا اخفي عليك ان هذه المقالات المتضمنة روح الدعابة والمُلح العربية تعيدني دائما الى ذلك الزمن الجميل عندما كنت فيه طالبا في دار المعلمين العرب في حيفا….”. أما خاتمة الرسالة، فلقد تضمنت ما يلي: “أشكرك استاذي العزيز على مقال “العطاء نعمة” الذي فتحتَ من خلاله نافذة نطل من خلالها على كفاحك في طلب العلم. اما موقف صديقك الشفاعمري الاصيل المرحوم جميل سليمان خوري، يعيدني الى ايام دراستي الثانوية في شفاعمرو هذه المدينة التي احتضنتني وغمرتني بكرم اهلها وعلى رأسهم رئيس بلديتها المرحوم جبور جبور(أبو إلياس) الذي رفض في يوم من الايام ان يصرفني الى البيت في عرب السواعد، لاني لم ادفع القسط الشهري للبلدية. لقد اعادني المرحوم جبور جبور الى الدراسة وكتبَ للمدرسة ان الطالب صبحي حلف يقطع كل يوم خمسة كيلومترات مشيا على الاقدام، صباحا حتى يصل الينا طلبا للعلم، ويقطع نفس المسافة عائدا الى اهله عصر كل يوم. لذلك يجب إعطاء هذا الطالب فرصة الاستمرار بالدراسة على حساب البلدية. بفضل هذا الموقف الكريم ُ أكملتُ دراستي الثانوية في شفاعمرو ومن بعدها اكملت دراستي في دار المعلمين العرب في حيفا، وواصلت تعليمي في جامعة حيفا تخصص لغة انكليزية وآدابها، وانا اليوم اعلم اللغة الانكليزية في المدرسة الشاملة بسمة طبعون. إن كل هذا الانجاز المتواضع لولد فقير جاء من اطراف شفاعمرو طلبا للعلم في زمن تميز أصلا بالفقر وشظف العيش وقلة الحيلة إضافة الى قسوة البيئة، يعود الى تلك اللحظة الفاصلة في حياتي التي اعادني بها المرحوم جبور جبور الى مقاعد الدراسة في مدرسة شفاعمرو الثانوية. أتمنى لو يقرأ رجال الاعمال العرب قصة “العطاء نعمة” ليتعلموا من صديقك جميل سليمان خوري نعمة العطاء. رحمكما الله يا جميل سليمان خوري ويا جبور جبور واسكنكما فسيح جناته”. كلماتُ الاستاذ صبحي حلف هذه، لمست فؤادي وهزّت مشاعري، فجعلتني اتذكر ثلاثة مواقف:
الموقف الاول كان في اواسط السبعينات من القرن الماضي. كنت آنذاك مربيا ومرشدا تربويا لاحد الصفوف في دار المعلمين العرب في حيفا. أعلمني مديرُ الدار ان احد المتبرعين الاجانب قد خصّص منحة تعليمية واحدة لكل صف من الصفوف، طالبا مني تسمية الفائز/ة من صفي. لمع في ذاكرتي إسمان امتنعُ عن ذكرهما صراحةً في هذا السياق لكني أشير اليهما بمحمود وزُبيدة كأسماء مستعارة. كلاهما كان متفوقا ومميزا تحصيلا وسلوكا واخلاقا. كنتُ اراهما تؤامين دراسيين متماثلين حتى على مستوى الوضع الاقتصادي الحرج لكل منهما. احببتُهما وقدّرتُهما بذات المستوى. كنتُ على قناعة ان كلا منهما جدير بالحصول على تلك المنحة. حاولتُ ان اقنع نفسي فاسمّي زبيدة كفائزة لكونها فتاة. لكني ما لبثتُ ان شعرتُ ان قراري هذا سينطوي على ظلم لمحمود لا يتحمله ضميري. تمنيت من اعماق قلبي لو كنت استطيع ان اقسّم المنحة الى قسمين متساويين، أو ان لديّ بدل المنحة الواحدة منحتين متساويتين. قلت لنفسي، اذا كان التقسيم غير وارد لتناقضه مع شروط المتبرع، أفلا استطيع تجنيد منحة مماثلة اخرى؟ بعد تفكير لم يدم طويلا، قررتُ التوجه الى صديقي المرحوم خالد الزعبي(ابو رأفت) صاحب مكتبة ومطبعة النهضة في الناصرة.
استقبلني ابو رأفت بترحابٍ شجَّعني على عرض الفكرة التي راودتني. لقد عرضتُها بخطوطها العريضة دون التطرق الى الاسماء والى التفاصيل الشخصية الدقيقة. ابتسم ابو رأفت ابتسامته المعهودة، شاكرا ايّاي على ثقتي به، ومادّا يده دونما تردد، الى درج مكتبه. تناول دفتر الشيكات، منتزعا منه شيكا بالمبلغ المطلوب، تاركا لي حرية تسجيل اسم المستحِق او المستحِقَّة، الذي أرتئيه.
أمّا الموقف الثاني، فكان في النصف الثاني من الثمانينات، اي بعد حصولي على الدكتوراة من جامعة لندن وتعييني محاضرا في جامعة حيفا(شعبة اورانيم). توجّه اليّ عميدُ الطلبة، مستعينا بي لحل مشكلة استعصى حلُّها عليه. قال لي ان القضية هي قضية موت وحياة بالنسبة للطالبة فتحية (اسم مستعار) من احدى القرى العربية في الجليل، والتي “تعيش حاليا حالة إكتئاب شديد، قد تؤدي بها الى الانتحار إن لم نتدارك الامر سوية”. كنتُ اعرف فتحية معرفة سطحية لا تتعدى كونها فتاة ذكية، نبيهة، سريعة الخاطر، دائمة اليقظة في المحاضرات، لا تتردد في إبداء رايها بما تسمعه من المحاضر، وطرح اسئلتها بجراءة ومنطق يستجلب احترام المستمعين. لم يُتح لي العميدُ الفرصةَ لأسأله عن السبب، فتابع حديثه قائلا: “لقد أراد اهلها تزويجها من ابن عمها. لكنها رفضت رفضا مطلقا، فحاولوا مضايقتها ماديا. لقد امتنعوا عن تقديم الدعم المادي لها، مما ورّطها في ديون كبيرة نسبيا، فاضحت تعيش أزمات متتالية ومتراكمة: علاقات متوترة شبه مقطوعة مع اهلها، ديونا متراكمة عليها، قلقا شلَّ تركيزها، ووضعا نفسانيا تفاقم الى درجة تهدد حياتها…”.
بعد تدارس الوضع بالعمق اللازم، بما في ذلك إستشارة عاملة اجتماعية ومستشارة نفسانية… توصلنا الى قناعة بان حل مشكلتها المادية، سيُخرجُها من ازمتها الخانقة ويعيدها الى اتزانها والى دراستها المنتظمة تحقيقا للنجاح الذي تصبو اليه، مما يمهد لها في المستقبل، طريقَ المصالحة مع اهلها دون ان تستسلم صاغرة لإملاءاتهم.
تطوعتُ لتجنيد منحة لها، فتوجهتُ الى اثنين من ميسوري الحال في حيفا، اللذين تذرّع كل منهما بشتى الاعذار تهرّبا…. كنت ادرك ان عنصر الزمن مصيريٌّ في هذه الحالة، فقررتُ ان اتوجه مرة اخرى الى السيد خالد زعبي. لم يكن ابو رافت في هذه المرة ايضا، اقل كرما ممّا كان في المرة السابقة، كما لم يسأل في هذه المرة ايضا، عن اسم الطالبة او عن انتمائها الديني او الحزبي الخ….
أما الموقف الثالث، فلقد كان قبل نحو شهر تقريبا، اثناء حفلٍ اقامتْه جمعيةُ التطوير الاجتماعي في حيفا، تكريما للمعلمين. شمل الحفلُ عدة فقرات منها مداخلة قدمها مدرب التنمية البشرية المعروف الاستاذ اشرف قرطام الذي قال ان اول منحة تعليمية حصل عليها في حياته، كانت من جمعية التطوير الاجتماعي، مؤكدا ان قيمة تلك المنحة لم يكن بمبلغها المالي المتواضع، إنما بسموّ الرسالة التي حملتْها، ومنوِّها بانه يقول هذا الكلام وفاءً لذكرى مؤسس الجمعية المرحوم حسين إغبارية.
ارتحتُ آنذاك لسماع كلمة “وفاء” من فم اشرف، وعُدتُ لاتذكرها من جديد، عندما قمتُ بإطلاعِ الاستاذ الياس جبور(ابو جبور) على رسالة الاستاذ صبحي حلف وما تضمنتْه من تقدير لشفاعمرو وللمرحوم والده. قال لي أبو جبور وقد بدا متأثرا: “اذا كان العطاء نعمة فالوفاء فضيلة”.

د. حاتم عيد خوري

17

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة