رواية أهل الجبل في اليوم السابع

تاريخ النشر: 07/02/15 | 10:21

ناقشت ندوة اليوم السّابع الثقافيّة في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس رواية”أهل الجبل” للأديب المقدسي ابراهيم جوهر الصادرة عام 2014 عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان، وتقع الرواية التي صمم غلافها نضال جمهور في 164 صفحة من الحجم المتوسط.
بدأ النقاش نسب أديب حسين فقالت:
ابراهيم جوهر وتقاطع الدروب الى الخليل

في الصفحة الأولى من الرواية ينسب الكاتب ما جاء فيها الى صديق غامض من رام الله، أرسلها اليه على شكل حلقات في شهر تموز من عام 2014. وهذا أسلوب أدبي صرنا نشهده أحيانًا في بعض الروايات المحلية والعربية، كما رأينا في رواية “المسكوبية” لأسامة العيسة، و”مصابيح أورشليم” لعلي بدر العراقي.
في شخصية هذا “الصديق” الذي هو راوي الرواية، تظهر في أحيان كثيرة شخصية الكاتب ابراهيم جوهر، وسيلحظ هذا من يعرف الكاتب عن قرب، خاصة في اتباع أسلوب الأسئلة والتساؤل، هذا الأسلوب الذي تقوم عليه الرواية في بناء الحدث بصورة تراكمية، وتدرج حين يتبع كل سؤال، سؤال آخر.
كذلك مع صفحات الرواية الأولى تظهر الشخصية الملازمة للكاتب ابراهيم جوهر وهي “أم علي”، هذه المرأة التي ظهرت في كتابات جوهر قبل نحو عامين على صفحة التواصل الاجتماعي. هي امرأة صامدة تمثل الشموخ الوطني، تتنقل بين أماكن عدة في أنحاء الوطن، خلال وقت قصير. تخبر أم علي الكاتب الذي ينتحل شخصية “الصديق من رام الله” أنّها تقيم في كهف في الخليل. وهكذا يحملنا الكاتب في رحلة لاستكشاف الخليل وجوهر أهله في تساؤلات عديدة، بعد ظهور خفيف لأم علي وغيابها نهائيًا مع الفصول الأخيرة دون أي اشارة أو تعقيب من الكاتب.
هذه الرحلة في استكشاف المكان والاطلالة عليه وتبني شخصياته تقوم باتجاهين، فنرى ابن رام الله المنفتح لأجواء تختلف عن أجواءه الماضي في زيارة آنية لاستكشاف الخليل، وابن الخليل ذو الطبيعة الطيبة المحصورة، الماضي صوب رام الله، لتحقيق أحلام عجزت مدينته عن تحقيقها.
هذا التوجه في مسارين باستجلاء المكان وطبيعة توجهه في فترة زمنية محددة وهي حزيران وتموز 2014، وتأثيراتها من تطورات سياسية في الوطن من اختطاف ثلاثة فتيان من المستوطنين في منطقة الخليل، واغلاق المنطقة للبحث عنهم، ثم اختطاف وحرق الفتى المقدسي محمد أبو خضير، الى الحرب الاسرائيلية على غزة من جهة، واستكشاف مكامن وهواجس ابن المكان بعيدًا عن مكانه مغتربًا في مدينة لم تعد تشبه ذاتها، يشكل ركيزة مبنى الرواية.
ينتصر ابراهيم جوهر في روايته للإنسانية وللفكر النقي فبطله (سعيد الظافر) ابن الجبل المستكشف للمدينة لم يتمكن من الانعتقاء من فكره وجبليته والانصهار في عالم المدينة. ولا يغفل الكاتب عن الجانب الانساني في العدو الماضي الى غزة محاولا التمرد على انسانيته وضميره فيُصاب بالجنون، مما يدفع الطبيب حاييم مولدوفيتش الذي يشرف على علاج أحد هؤلاء الجنود، الرحيل الى وطنه روسيا، خشية من تسرب الجنون اليه.
في هذه الرواية يتم تسليط الضوء على وجه من وجوه الوطن، في استغلال البعد الزماكني، وتصوير متنقل المشاهدات للمكان في فترة شهرين حددها الراوي. عدا انزلاق خفيف صوب أسلوب التقرير الصحفي ص 74-76 في الاشارة لاسحاق الحروب، ظهرت الرواية في أسلوب روائي ابداعي للكاتب ابراهيم جوهر، الذي يظهر التطور التكنولوجي وأسلوب النشر والرد على الكتابات على صفحات التواصل الاجتماعي تأثيرا وأبعادًا جديدة على نهج كتاباته.

وقال جميل السلحوت:
رواية تدعو إلى التفكير
القارئ لرواية” أهل الجبل” سيجد نفسه أمام تساؤلات كثيرة، تماما مثلما هي الرواية تطرح تساؤلات كثيرة، فما الذي يريده ابراهيم جوهر في هذه الرّواية؟ وقراءة فاحصة ومتمعنة للرواية تقودنا إلى إجابات كثيرة، بل تقودنا الى مزيد من التساؤلات، فهل جاءت الرواية انعكاسا للواقع المضطرب الذي يعيشه الفلسطيني المعذب في وطنه الذّبيح؟ وكاتبنا الذي اختار منطقة الخليل لتدور عليها الأحداث الرئيسية في روايته، حتى أنه اختار أسماء حقيقية أو الاسم الأوّل في شخوص الرواية حقيقي واسم العائلة ليس حقيقيا، لكن تصاحبه دلالات تشي بالاسم الحقيقيّ كخولة العايد مثلا. وقد تكون البطولة في الرواية للمكان، فاختار الكاتب الخليل وقضاءها للتعبير عن الأصالة، والتمسّك بالأرض ودوالي العنب ومحاجر وحجارة يطّا ودورا وقراها؛ لتكون مسرحا لشخوص روايته، وأتانا بقصّة حارس التراث اسحاق الحروب ابن قرية دير سامت كنموذج للأصالة والحفاظ على التراث، والحروب معلم المدرسة قام بجهود فردية لم تقم بها مؤسسات ووزارات، عندما جمع ووثّق واقتنى موجودات تراثية شعبية لا تقدر بثمن، وجعل بيته متحفا يزخر بهذه الكنوز الثقافية، وهذه لفتة كريمة من الكاتب الى ضرورة الحفاظ على موروثنا الشعبي، وما يتعرض له من طمس وسرقة وتشويه. ورغم ذلك فان مدينة الخليل التاريخية وقراها لم تسلم من عبث المحتلين ومستوطنيهم الذين يحتلون رؤوس الجبال ويهلكون البشر والزّرع والضرع.
ويقابل مدينة الخليل في الأصالة مدينة رام الله، وما تتعرض له المدينة من تحديث على حساب أصالتها وعراقتها، من خلال الأبنية الحديثة ذات الطوابق المتعددة التي احتلت أرض المدينة، وسلختها عن ماضيها العريق، الذي ضاع وسط معمعان الحداثة، فحتى الأسود الحجرية التي تتربع وسط دوار المنارة الشهير وسط المدينة، لم تسلم هي الأخرى، حتى أن استبدال أحد هذه الأسود بأسد جديد لم تنجح، فجاء فُخّاريا مهشّما وناشزا لا يليق بعراقة أقرانه الحجريين.
ولا تنسى الرّواية عسف الاحتلال ومظالمه فحاجز “الكونتينر” على أراضي السواحرة الشرقية، يتكرّر ذكره كعلامة فارقة تفصل شمال الضّفة الغربية عن جنوبها. ولا بدّ لعابريه من الوقوف والتفتيش، وما يتعرّضون فيه من إهانات ومسّ بكرامتهم. وتعرّج الرّواية إلى دير ياسين تلك القرية الوادعة التي تعرضت الى مذبحة بشعة في التاسع من نيسان عام 1948، وكيف أن هذه القرية التي أقام الاسرائيليون فيها مشفى للمجانين، لم يبتعد عنها اجرام المجانين العنصريين، الذين قاموا باحراق الطفل محمد أبو خضير حيّا حتى الموت في 2 تموز 2014، لتختلط رائحة اللحم البشريّ المحترق برائحة الخبز المنبعث من المخبز الاسرائيلي القريب من مكان الجريمة، ولتتواصل الجريمة بالمحرقة التي تعرّض لها قطاع غزة صيف العام 2014.
وتزداد الأمور تعقيدا من قبل الاحتلال، فقطاع غزّة الذي كان قريبا الى الخليل يستطيع المرء وصوله في عشرات الدقائق، أصبح بعيدا بعد اغلاقه ومنعه من التواصل مع شقّه الثاني-الضفة الغربية-، تماما مثلما هي رام الله أصبحت بعيدة عن الخليل بسبب الحواجز العسكريّة والمستوطنات. والاتيان بهذه المفارقة التي لم تعد عجيبة في الرواية ليس عفويّا بمقدار ما يحمل من اشارات الى ما آلت إليه الأمور بعد اتفاقات أوسلو التي وقعت في ايلول 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، وكيف جاءت طموحات الشعب الفلسطيني بالتحرر والاستقلال واقامة الدولة المستقلة بعاصمتها القدس معكوسة تماما. بل إنّ الأمور ازدادت تعقيدا، وازداد عذابات الشعب الفلسطيني، بل إنّ الحديث عن الفكرة، وكيف تتطوّر وتنمو جاءت بطريقة غير مباشرة، حيث أنّ الاحتلال في اتفاقيات أوسلو سعى إلى إعادة روابط القرى البائدة وإن بأسماء أخرى، فهل تنطلي الخديعة؟
والقارئ للرّواية سيجد أنّ الكاتب استعمل لغة عالية في بلاغتها ودلالاتها، لتحتمل التساؤلات والأفكار التي تحملها.
وقد خرج الكاتب عن أسلوب الرّواية السّرديّ المعهود إلى أسلوب كتابة اليوميّات، التي ترتبط بخيط شفيف، لايصال الفكرة أو الأفكار التي تحتويها.

وقال عبدالله دعيس:
هل تموت الفكرة؟
تساؤل يطرحه الكاتب إبراهيم جوهر في روايته مرّات ومرّات، ضمن مجموعة كبيرة من التساؤلات، لنعاود السؤال مرة بعد مرة عن الفكرة التي لا تموت! فنجدها حية تتجدد في كل مرّة نظن أنها ستخبو. فروح المقاومة حية في قلب كل فلسطيني لا تموت أبدا مهما ساد الظن أنها ضعفت وتلاشت، وبالمقابل، فإن فكرة اخضاع الفلسطيني وسلخه من أرضه لا تموت، فكلما فشلت خطة نبتت خطة أخرى مكانها. لا تموت الفكرتان، هذه هي المفارقة الكبرى في الرواية التي ترتكز على مفارقات عديدة.
يقودنا الكاتب في هذه الرواية في مفارقة عجيبة بين الأصالة وبين الحداثة المزيفة، بين البطولة وبين الخيانة، بين العزة والكرامة وبين الذل والهوان. وحيث ينحصر هامش الحرية، يبرز الرّمز الذي يطغى على الرواية، يعطي للقارئ آفاقا واسعة من التحليل والخيال. فهذه الرواية تقوم على عنصرين أساسيين هما المفارقة والرّمز بلغة إنشائية جميلة موحية يكثر فيها الاستفهام والتعجب.
تزخر الرواية بالمفارقات. فابن رام الله الفارّ من زيف المدينة المتورّمة، يتجه إلى الخليل حيث أصالة الجبل وعنبه وأهله المرتبطين بتربته، أما ابن الخليل فيترك الجبل خلفه ويتجه باحثا عن فرصة عمل في رام الله! سعيد الظافر شاعر جامعة الخليل والأديب الموهوب، توصد في وجهه أبواب وزارة الثقافة وصحف مدينة رام الله، بينما صديقه الذي يفتقر إلى الموهبة يتربع على وظيفة مهمة في الوزارة ويعامل الشاعر بازدراء. المناضل الذي حُرّر من سجون الاحتلال، يبيع القهوة واليانسون ليشبع رغبات أو يهدّئ أعصاب القلة الذين تسلقوا على بطولاته؛ ليتحكموا في مصيره ويتركوه للنسيان. يخوض المقاومون في غزة حربا بطولية ضد المحتلين، بينما يرتاد المترفون المقاهي في مدينة رام الله. الباحث الجاد يبحث عن الحقيقة حتى في أجواء الحرب، مقابل ذلك الذي يبحث عن لقب علمي زائف ويشتري الأبحاث الجاهزة. المقاتل الشجاع في غزة الذي يتسلح بأسلحة بسيطة، مقابل الجندي الصهيوني المذعور المتمترس خلف أعتى أنواع الأسلحة وأقساها.
أدهشتني قدرة الكاتب على استخدام الرّموز في روايته وتوظيف دلالتها لإيصال المعنى للمتلقي بسهولة ويسر، دون إجهاد ذهن ولا تعقيد، بلغة بسيطة سلسة. تبدأ الرواية برسالة قصيرة من أمّ علي المختفية في أحد كهوف الجبل. أمّ علي ترمز إلى الأصالة المتجذرة في هذا الشعب وإلى الإصرار الممتد به مهما ادلهمّت الخطوب. والجبل نفسه هو رمز لصمود هذا الشعب الذي لا تزحزحه الرياح العاتية. والأسد الحجري يرمز إلى القوة، والذي يتحول إلى فخار قابل للكسر عندما يتجه إلى رام الله – أي عندما يتخلى عن روح المقاومة – لكنه لا ينكسر، ويعود ليصبح من حجر صلد عندما يرجع إلى أصالته ويتجه إلى الخليل، فتتراءى له صواريخ المقاومة من غزة، والصمود الأسطوري لأبطالها الذين يخرجون من بين الرمال فيقذفون الرعب في قلوب الصهاينة. ومبنى تلفزيون الجبل ذو الجناحين والعرف الرمادي، يرمز إلى تفرّق أبناء الوطن الواحد إلى اتجاهين؛ أحدهما امتهن المقاومة وحمل السلاح، وآخر آمن بأن الاستسلام والخنوع قد يجلب له حقا. جناحا الوطن ليسا منطقتين جغرافيتين يعزلهما الاحتلال بحواجزه، وإنما موقفان ونظرتان وسياستان في هذا الوطن الذي اختفت فيه الأصالة في حضن الجبل؛ ليبدو للعيان وجها قبيحا سرعان ما يغيب. تأتي أمّ علي بتراب الجبل تضعه تحت هذين الجناحين اللذين لا ينقصهما الارتباط بالتراب، فهو في النهاية سيوحدهما.
مدينة رام الله تقف على الحواف. يذكرني هذا الرمز بقوله تعالى: “ومن الناس من يعبد الله على حرف” يوشك على السقوط إن لم يتدارك نفسه ويتشبث بالأصيل، ويدحر عنه الدخيل، في تشبيه بديع لحالة السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو. الرجال الذين غادروا الجبل واتجهوا إلى رام الله هم أولئك الذين حادوا عن جادة الصواب، لذلك يصوّر الكاتب وجهوهم سوداء ممتقعة. ويذكر الكاتب الدالية كثيرا، والدالية ترمز إلى العنفوان والإصرار على الصعود إلى أعلى، وكلما قلّمت أغصانها نهضت في ربيعها وتسلقت الأعواد بسرعة وجلد.
يبدأ الكاتب روايته وينهيها برمز الغزالة المحيّر، والذي يتركه غامضا معطيا المجال للقارئ كي يسرح في خياله مع هذه الغزالة، التي خرجت من دير ياسين عندما ذبح أهلها وسرقت البراءة من أرواحهم، فعاشت في قلوبهم وما زالت دليلا لهم تقودهم لطريق العودة بإذن الله.
اختيار أسماء الشخصيات في الرواية موفق، فكل اسم كان له دلالة معينة: فسعيد الظافر، مثلا، لا يكون سعيدا ولا يظفر بالراحة إلا عندما يتشبث بأصوله، ويعود إلى جذوره. وهكذا إذا استعرضنا أسماء جميع الشخصيات في الرواية، فسنجد لكل اسم دلالة خاصة قصدها الكاتب وعناها. أمّا شخصية الراوي، وهي الشخصية الأبرز في الرواية، فقد أبقاها الكاتب مبهمة ولم يعطها اسما، وجعلها تطرح السؤال تلو السؤال، ليبقى القارئ محتارا مشرئبا لسماع المزيد من الأسئلة من هذا الباحث عن حقيقة الصمود والأصالة في فلسطين، والذي يرمز لكل فلسطيني متحرر من الخنوع باحثا بجد عن الحقيقة. عدم الافصاح عن هذه الشخصية يزيد الرواية تشويقا.
والرواية تؤرخ لفترة حرجة من تاريخ الشعب الفلسطيني. لفترة شهدت بشاعة الاحتلال الذي أحرق الفتى محمد أبو خضير حيّا، وحاصر مدن الضفة الغربية، وخاصة الخليل بحجة البحث عن ثلاثة مفقودين، وأعمل فيها قتلا وتدميرا وخرابا، ثم امتدت سطوته وعنجهيته لتطال قطاع غزة في أيام رمضان عام 1435ﻫ.
عندما يحاول اليأس أن يطغى على شعلة الأمل الكامنة في أعماق القلب، ويطغى الشعور بالاغتراب في وطن يعاني من احتلال للأرض وتنكر للأصالة، قد تختفي الغزالة عن الأنظار برهة من الزمن، لكنها تعود تقفز بخفة ورشاقة. فالغزالة تلازمنا، لا تفارقنا، وإن غابت عن ناظرينا. إنها الغزالة التي يتتبعها إبراهيم جوهر وهي تقفز بخفة بين رام الله والخليل، وتتخطى الحواجز إلى قلب القدس، تنظر إلى الجبل بأصالته وإلى المدينة المتورمة بزيفها، ثم تظهر لنا لتجدّد الأمل في قلوبنا. وحيث تكون الغزالة تكون أمّ علي في كهفها تحفظ البقية الباقية من كرامة هذا الشعب، تحاول أن تقرّب بينه وأن تبني لديه الروح الذي كاد يفتقدها.
الأفكار لا تموت. فعلى الرغم من الضعف الجلي لفكرة مقاومة المحتل، وبروز عنصر آخر بعيدا عن هذه الأصالة، إلا أن هذه الفكرة لم تغب عن شعب فلسطين. وفكرة روابط القرى التي ابتدعها الاحتلال لم يتخل عنها عندما لفظها الناس، فجاء بها بهيئة أخرى ووجه آخر! ولكن في نهاية الرواية يختفي الوجه المزيف للوطن، وتسود روح المقاومة، وينتهي الحلم الصهيوني عندما يعود ذاك الطبيب إلى روسيا، معلنا أن فلسطين لا يعمر فيها غريب، وستخرج أمّ علي بأصالتها من كهفها لتسكن في ربوع الوطن.

وقال رفعت زيتون:
حينما نتحدث عن رواية أهل الجبل فإننا نتحدث عن الوطن، وعندما نتحدث عن الوطن فإننا نختصر بحديثنا إبراهيم جوهر؛ لأننا في حرفه وفلسفته وفكره وكثيرا من أسئلته نجد الوطن.
هو يقرأ الحجارة والشجر والناس، ويعود إلى شرفته الصغيرة في فناء بيته، والمطلة على الأفق الواسع، ليكتب ما قرأه في هؤلاء، يترجم للقارئ ما لم يستطع قراءته ولا فهمه، فيرى القارئ عنده الجمال والقبح ويشعر بسعادة، الحجارة وقهرها لأن الحجارة بين سطوره تصبح كائنا يتنفس.
هذا هو إبراهيم جوهر، القارئ للتفاصيل قبل أن يكون كاتبا، هو يستلم رسالة فيتمخض عنها رواية؛ لأن الرسالة عنده لا تمرّ مرور الكرام، يسير في الشوارع فتعلو إلى ذهنه الأسئلة، فيبدأ في عملية البحث عن إجابات شافية، يصل إلى بعضها، وبعضها الآخر يدخله في دوامة
جديدة من الأسئلة والألغاز، أحدها يسلمه للآخر. وهذا يخلق عنده مسارين للحوار، مسارا بينه وبين كل من وما هو حوله، ومسارا موازيا بينه وبين نفسه، وفي نقاط الالتقاء بين المسارين يتطور الصراع في الرواية، ولكي يتم ذلك، يبدأ برسم هياكل الشخوص والأشياء والأمكنة. لأن الحدث يحتاج لمن يفعله ويحتاج إلى مكان وزمان.
رواية أهل الجبل اختلفت عن نمط الروايات التقليدية إلى حد ما في تأثر الكاتب في أسلوب كتابة اليوميات، فخرجت بعض أحداثها على شكل يومياته المعروفة. فكان ذلك في البداية مع أم عليّ ومع ناحت الصخر الذي جاء من جبل الخليل إلى رام الله حاملا معه أسده المصنوع من الفخار، والذي لم يلمس فيه الكاتب النبض الذي توقعه. وكذلك في الأصدقاء الإعلاميين.
إبراهيم جوهر كان يشارك الآخرين همومهم وتساؤلاتهم، وليس هذا فحسب، بل كان بطريقة أو بأخرى يشغلهم بتفكيره فيغيرون حتى جدول عملهم أو لقائهم لذلك اليوم.
ربما أدرك إبراهيم جوهر أنّ ما على كتفيه النحيلين وظهره من الهموم ما ينوء به الجبل، فذهب للحديث عن أهل الجبل. هذا ما عرفته عن كاتبنا الذي أقام من حوله عالمه الخاص
فحرّك الساكن وأسمع من به صمم. بعض التكرار في الأفكار والألفاظ والجمل صاحب الصفحات وبالذات الأولى منها ولعل فكرة اليوميات التي تحدثت عنها في البداية كانت السبب.
لم تكن لغة الرواية عادية، رغم حفاظها على البساطة، فاتّكأ على بليغ القول تركيبا وصورة، والشواهد على ذلك في روايته كثيرة، لكنها لم تغرق الصفحات، ولعل هذا يناسب أكثر كتابة الرواية مما يزيدها حلاوة.
المكان أخذ حيزا واسعا من صفحات الرواية، فكان الكاتب يصفه بدقة وجمال، لم يكن الوصف كمن يحمل كاميرته بيده، بل وصف حيّ فيه روح.

وكتب محمود شقير:
يكتب الأديب المقدسي ابراهيم جوهر عن أهل الجبل؛ لكي يؤكد على انتمائه الصادق لتطلعات الناس المشروعة في بلادنا. يكتب عنهم وعنا جميعًا، ناقدًا، محللا، ومشيرًا إلى فسحة الأمل التي يمكنها أن تخرجنا مما نحن فيه من تخبط وارتباك. وهو يعمد في نصه الروائي إلى طرح الأسئلة التي تتلوها أسئلة لكي يحفز العقول على التفكير وعلى التبصر والإدراك.
تعتمد رواية “أهل الجبل”، من ضمن تقنيات أخرى، أسلوب التوالد السردي، حيث يولد السرد من السرد، وحيث نجد سؤالا يتبعه جواب، وجوابًا يترتب عليه سؤال. وفي حالة كهذه، تلعب اللغة الشعرية دورًا بارزًا، جالبة للمتلقي متعة عقلية فائقة وهو يتابع تجلياتها الرشيقة وتقليبها الذكي لأوضاعنا، ولما آلت إليه أمورنا في ظل احتلال عنصري لا يكف عن ممارسة العسف ضدنا بمختلف الوسائل والأشكال.
واستعان الكاتب كذلك بأسلوب التقطيع السينمائي (المونتاج) وبالمشاهد القصيرة المتوازية التي استطاعت نقل أفكاره وتأملاته من دون إثقال على المتلقي، ما جعل بطء الإيقاع محتملا، بما يمكّن القارئ من التوقف المتأني عند الطروحات الفكرية التي احتشدت في ثنايا النص الروائي.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذه الرواية قدرة الكاتب على توظيف الحدث اليومي الساخن الذي كان يطفو على شاشات الفضائيات التلفزيونية، وعلى ألسنة الناس أثناء كتابته لروايته، بحيث اندمج هذا الحدث في متن النص، وصار مادة إبداعية لها أبعادها التي تشير إلى ما هو أبعد من حدود الحدث، بحيث تطال هذه الأبعاد مستقبل الصراع، وحتمية انتصار حقنا على باطل الأعداء، عبر مجموعة من الإضافات التي اعتمدها الكاتب لتعميق دلالات الحدث اليومي، ولتعزيز موقفه الفكري الذي كان يتردد على امتداد السطور والصفحات.
ولي في هذا السياق ملاحظتان. الأولى لها علاقة بالمادة التوثيقية الخاصة بمتحف المقتنيات التراثية، التي جاءت مسهبة بحيث لا يحتملها الإيقاع المطلوب للنص الروائي. وأما الثانية فلها علاقة بمدينة رام الله. ذلك أنني متفق مع الكاتب في ما ذهب إليه وهو يعرض أحد أوجه المدينة. وكنت أتمنى لو أنه أشار كذلك إلى وجهها الأكثر تميزًا الذي جعلها حاضنة لأفكار التنوير والتآخي والمثاقفة والانفتاح على المستقبل. بذلك كان يمكن للصورة أن تكتمل فلا نغمط واحدة من أهم مدننا حقها في أن يكون لها حضورها الذي يعبر عنها بموضوعية وإنصاف.

وقال عزّ الدّين السّعد:
رواية أهل الجبل راوغتني وأعملت فيّ ولعا من نوع آخر، فلا تكتمل لديّ قراءة لرواية إن لم أستحوذ أنا على سبر غورها منذ البداية، بعناق صفحاتها ومراقصة لعدد من فصولها متناثرة بين بداية ونهاية، واستكشاف لكبد أعمال أبطالها، إلا أهل الجبل فقد كانت تلاحقني متخفية تارة بشخوصها وأسمائهم المنتقاة بعناية تامة، وطورا آخر بأمثال شعبية، فكنت كالسّائر في بلاد الله ” وبلاد تجيبني وبلاد تحطني ” وأنا عالق على درب بين الجبل الأشمّ المتألق بكل من فيه، وما فيه من الدّوالي والحكايات والإصرار والكهوف والحياة المتجددة في أمّ علي، وخولة العايد وراشد البلد وسعيد الظافر المسافر الى احلام رام الله الجديدة؛ لتقع عيني على ظفر غير متوقع بفضل الختام كما اعتقدت، فسعيد هذا لم يظفر بدوام “نعمة” هناك فيلملم أسده الفخاريّ ويعود للجبل.
يعود… هل هنا “مربط الفرس ” كما تناغم ذلك في صوت سعيد الغريب في رام الله، ابن الجبل الصّلب الذي “تسوقه ” وتناديه بهية عبد السلام! تناهى الى قلبي برجفة صوت سعيد الآخر ذاك ابن ابي النحس الذي عاد وما عاد، وبقينا معه على ميعاد.
سعيد الظافر كان أحد جناحي عودة تمّت بدراية واقتناه بأن ما آلت اليه تنهيدة رغد الوظيفة سراب كاد يعصف بحلم أبلغ وأهم… من نمنحها في العام يوم وتظل تمنحنا وتضمنا كل يوم تلك هي الأمّ… يا شاعر الجامعة الذي يعرفه أناس لا يعرفهم.. كتلك البهية بهية عبد السلام التي أيقظته ليرى زيف ما يرى… فهل يأتي لبلد الحلم ليكون مجرد كاتب اعلانات خياطة بلا أصالة الجبل، “وكأننا” ما زلنا تحكمنا ماكنة سنجر للخياطة… فحمل أسده الجبليّ وعاد لدماء الجبل التي تحركت في جنبات عروقه ” فمن لا أحلام له في جبله لن تحققها مدينة الصّابون والرمل ” ص161….. ما كانت هذه نهاية الرواية بل عودة من عودات مخبأة تحيكها الرواية والراوي طوال الزمن المتفاعل بين الآن ههنا والآن هناك.
ابراهيم جوهر الروائي المبدع الانسان المعلم أجاد بحملنا مع الراوي بين أحداث قد نراها للوهلة الأولى سردية واضحة، وسرعان ما تتفتح بعمق غاياتها بها وبما يحيطها… تعايش الحكاية في حكايات هنا والآن، فتنتقل للرسالة النصية القصيرة الملحةّ الى صفحة الفيسبوك فالتلفزيون، فالحديث الشيق بين الأصدقاء وجها لوجه، ومراسلات وتتشابك الأحداث ولا تنفصم يحملك للجبل والعين على غزة، والقلب في عتاب يعبد وخذلان سعيد الظافر من مدينة الصابون وجنون الجنون وعودة التسعيني الجد الى دير ياسين، وضمير الحاضر الطبيب النفسي، واسماء المكان القشرية المستحدثة والحدث يتلوه حديث.. تتداخل في يوميات لحرب لا لشخص؛ لتمنحك مسرح الحياة الدّامي هناك وهنا، وهنا هو القدس التي تظل مجمع الطرق ومفترق الزمن، من جغرافية الصابون لحديث الحاجز، وتلاقي الأجيال ورائحة القتيل الشهيد محمد ابوخضير، الذي أحرق جسده “الديمقراطيون” ليصحو ضمير الغريب ليقوم بما يمليه عليه ضميره، يعود لطفولته البريئة في موسكو.
الشخوص بأسمائها تجدها فيما يحدث، وكل رأيه مغزول بحنكة رائعة على مهل، وروية وفكر وقاد يمنح القارئ المعلومة تلو الأخرى، فهي مولودة من رحم الجبل؛ لتعطي النمط المكاني والزماني لمجرى الأحداث، فلست في رواية كغالبة الروايات المصرية من القرن العشرين، عمدة وشيخ البلد وشيخ الخفر وصاحب الاملاك…. وهم من لديهم الخبر اليقين عن كل شيء…لا، هنا انت في منجم حديث يمنح للمكان حرمة هالة أهله، ولكل بإسمه ليس مجرد دور مصنّع.
خولة العايد وراشد البلد وعبد الرحمن ابو زهرة واسلام الهيموني وتقى القواسمي ونضال طنطوري أصدقاء الراوي الكاتب في (تلفزيون الجبل) ولماذا تلفزيون؟ هل للرمز الى الترفع القسري عن الحياة الواقعية، أم لأن العصر عصر النقل عما يحدث لحظة بلحظة، أو تورية من يقود الدفة الآن؟ هل هو الحدث أو من يصيغه أو من يبثه؟ اسئلة كثيرة.
ليس محض صدفة تلفزيون الجبل” في عين سارة، ومشيد بحجارة يطا، مبنى بجناحين يعلوهما عرف رمادي اللون ” ربما جناحا الوطن المحاصر… ص21
وعمّ يبحث الرّاوي ” عن علاقة الانسان بالارض في جبل الخليل، حيث يتميز ابن الجبل بالصلابة والعناد والطيبة والأصالة ” ص22، وأيّ علاقة تلك بين الجبل والانسان؟
“نضال الطنطوري – “نسبة للطنطورة قرية مهجرة على الساحل جنوبي حيفا”
يسأله هل حصل (وتمرمغت) بتراب الأرض يا استاذ؟ هنا السرّ!
جرب الحوار مع الجبل صخوره وترابه وسيفهمك ص22″
الأسماء التي ترد في الرواية تتلو عليك قصة عن صاحبها، فخولة ابنة العايد وراشد يرشدك عن البلد وللبلد، وهو العاقل راشد البلد والطنطوري لاجئ… ثم يأتيك للبرنامج التلفزيوني ابناء القاضي والحلواني وابنة القواسمي، ومن تيسر الا=أمور فتجبرها أسماء من أصالة جبل الخليل بعائلاته.
أمّا الهوية فيظل البحث عنها متدرجا في حواريات ملهمة، يذكرها الراوي من فم نضال الطنطوري… اسمه نضال وهوكذلك بذاته ومعناه، يقول ص27 ” في الجبل نهتم بالتراب لدرجة أننا نخلطه مع بعض الأطعمة. التراب عندنا مقدس وليس مجرد تراب.
التراب في جبلنا له روح وهو يتنفس ويحكي ويحسّ…. لم يتخلّ انساننا في الجبل عن أصله فلم يتُه ولم تضع هويته ”
في الذروة التعريفية التي يبنى عليها تفاعل ما يأتي من زمن الحطاية للشخوص لاحقا
لاينسى الراوي سعيد الظافر على الجناح الآخر، ولا العتاب الآتي من يعبد جنين،
فأمّا صبحي الكيلاني ابن يعبد فمكالمته ذروة أخرى، وهو الصديق الذي يعاتبه ويطالبه الا ينسى أصالة يعبد وجنين الصمود، فيجيبه ببساطة وثبات بعد أن يتساءل ص151 + ص152
– ” هل تاهت الفكرة فلم تصل الفكرة لصبحي الكيلاني الصديق من يعبد؟ ”
– “وقفت عند مفاصل الوطن الذي أبحث عن روحه في الجبل،لا تلمني يا صديقي بل لـُم الكلمات، لـُم المدينة التي اعجبت بالصابون والرمل والمرايا المشروخة كالذين غادروا الدوالي والجبل، باختصار (جبل الخليل ) نحمله في صدورنا. كل واحد منا وله خليله” الخليل”هي الفكرة. أرجو الا يراسلني أصدقاء آخرون سائلين عن قراهم ومخيماتهم ومدنهم… فأنا أرى في كلّ (خليله)، ولكل (خليله)، و(خليلنا) واحد يتوزع على خارطة الجغرافيا والتاريخ… لكنه محتاج لمن يقف على المعنى والدلالة.” ص152
وفق الكاتب تماما باستخدام اسماء وادوات التكنولوجيا الحديثة، من الرسالة النصية الى الفيسبوك والتلفاز، وطوعها للحدث الروائي راصدا الزمن وسرعة التواصل….
فقد أورد ثلاثة فصول عن مشفى المجانين ودير ياسين والحرب على غزة بمهارة راقية، كجزء لا يتجزأ من الأحداث، فتبدأ بالبحث عن الرابط بينها وسرعان ما يدخلك لقاعة الاجتماعات في تلفزيون الجبل؛ ليثني الأصدقاء على التقارير المذكورة، فيعيدك الراوي بمهارة لتسلسل أحداثه، ليضعك في بوتقة الذروة العليا لما يصبو اليه الكاتب بوضع رسالة العودة… نعم العودة.
حيث تتعاظم خلاصة الفكرة عن الوطن والعودة، كلّ يعود لأصله لطفولته، وكل شخصية تهتف هتافها كأنه منبثق من اسمها،خولة العايد تعلق بفرحة على التقارير الواردة عن دير ياسين، ومشفى المجانين وشهادة الدكتور حايم مولدوفيتش، ومفاجأته المشاهدين أنّه قرر ضميريا العودة الى مرتع طفولته في موسكو؛ لتقول خولة العايد: ” لا يصح في النهاية الا الصحيح مهما طال الوقت ستظهر الحقيقة.
ويقول راشد البلد: ” هذه البلاد منذورة للمصاعب، ولا أحد يستطيع العيش فيها من غير ابنائها الذين شربوا روحها فتشرّبوا أصالتها” ص153
وتقى القواسمي: “على رأي جدتي “هذه البلاد لا يعمـّر فيها غريب “.
ويعود سعيد الظافر أيضا للجبل يتحسس أسده فيجده صلبا ص162
” والأسد صلب. من حجر الجبل اقتطع ليكون هناك الى جانب أسود المنارة… لم يعد فخارا”
وأنا أحن إلى خبز أمّي وقهوة أمّي وعودة الى سطح دار أمّي وسنعود…بإذن الله سنعود.

وقالت سوسن عابدين الحشيم:
تهدف هذه الرواية باسلوب الحوار الذي لجأ اليه الكاتب الى توضيح فكرة “الوطن” والاغتراب مستخدما بعض الرموز والسرد الروائي، فقد تسلسل الكاتب بعرض أفكاره عن طريق رواية تجمع بين الشمال والجنوب، بين الارض وبين المدينة، بين الجبل المتمثل بالصحراء وجبل الخليل وبين رام الله المدينة الحديثة… يتساءل الكاتب في روايته هل تموت الفكرة؟ فكرة تحرير الوطن واسترجاع الارض. ها هي قد تحررت رام الله، لكن هل الانسان حصل فعلا على حريته أم أصبح عبدا للتحضر والمدنية وجمع المال… مثلت هذا الدور بهية عبد السلام التي حاولت اقناع سعيد بالشغل معها في الدعاية لمشغلها الخياطة… لكن رفض بطل الرواية سعيد الظافر عرضها…هو الذي ترك الجبل والصحراء، ترك الأرض، ترك الحرية، ترك القوة والتحدي، ترك الفكرة من اجل البحث عن عمل حاملا أسده الحجري الصلب، والذي يرمز الى القوة والصلابة؛ لكي يضعه جانب أسود رام الله في دوار المنارة… لكنه عاد خائبا مما رآه في هذه المدينة شعر بالاغتراب…ضاع الانسان فيها، فها هو صديقه حصل على وظيفة راقية بوزارة الثقافة وهو لا يستحقها، أمّا سعيد والذي كان ملقبا بشاعر الجامعة لم يجد عملا يليق به…ضاع الانسان في هذه المدينة الكبيرة، لم يعد للصداقة والشهامة مكانا فيها…تضيع كل المثل والمبادئ فيها، تضيع الفكرة…فكرة تحرير الانسان والارض…وها هو أسير محرر يبيع اليانسون والقهوة…مشروبان متناقضان أحدهما يهدئ الاعصاب، والآخر ينبهها وينشطها…تعرض الكاتب لتراثنا الفلسطيني القديم حيث ذكر لنا ان هناك من حاول حفظ هذا التراث وهو من عائلة الحروب احدى العائلات الكبيرة الموجودة في دورا، وجمع كثيرا من المقتنيات القديمة والأثرية…تناقضات كثيرة في هذه الرواية أراد بها الكاتب توعية القارئ لها وادراكها، أحد شخوص الرواية يبحث ويبحث عله يجد جوابا أو حلا لما يحصل…يبحث في الجبل ويتساءل ما علاقة الانسان بالارض؟ يسأل ويجيب انها علاقة قوية جدا فالارض مصدر القوة والخير والتحرر للانسان…يسير عليها ويتجول فيها بكل حرية وسعادة وطمأنينة، فتبعث في نفسه الهدوء والسرور…تبعده عن صخب المدينة وعماراتها الشاهقة وضجتها…الأرض والتي رمز بها الكاتب الى جبل الخليل هي الروح، هي الوطن هي الحرية…تراب الارض غال جدا، يتمرغ به الانسان ويتحاور معه كما اشار اليه الكاتب ص ٢٣، يتسم انسان الجبل بالأصالة والطيبة والصلابة والعناد، فهو قريب من الأرض يجلس على صخورها ويتحاور معها فتحل له مشكاله وتريحه…تعلمه القوة والصلابة والتصدي لأيّ عائق في طريقه… دوالي الخليل بعنفوانها ورفعتها تبعث في نفسه القوة والتحدي والفخر…هنا يقارن الكاتب الخليل بجبلها، والارض الصحراوية المتاخمة لها برام الله المدينة التي تحولت بالحضارة الحديثة الى شيء جديد وزمن جديد ولغة جديدة، كان على سعيد هو ايضا ان يتحول الى انسان جديد ويترك انسان الجبل، ويترك الفكرة التي يعود اليها الكاتب ليذكرنا بها… فكرة استرجاع الوطن الفكرة لا تموت هناك علاقة روحية بين الانسان والجبل…الروح في الوطن لا تغادره حتى لو غادره الجسد…فليعلم المحتل ان أرواحنا في الارض خالدة لا تموت حتى لو ابتعد الجسد عنها….ها هي دولة المحتل الدولة المجنونة كما لقبها الكاتب تعيبث فسادا في الارض، تتجول على الجبل مدعية البحث عن ثلاثة جنود مفقودين؛ لتبرر اعتقالها لشبابنا وتخريبها وهدمها للبيوت، تدمر وتقتل وتعتقل وتحرق الاطفال في غزة، انها حكومة بلا عقل ولا انسانية… ترهب الاطفال وتقتلهم، فقد حرقت الطفل محمد أبو خضير بكل وحشية وقسوة، ذبحت ودمرت قرى إحداها كانت قرية دير ياسين، حيث وثق الكاتب بعض الاحداث التاريخية واعمال الاحتلال الارهابية، لا تدري كيف ستدمر وتبيد شعبا بكامله، فهي تجهل السر الكامن في نفوس ابناء الارض، والذي وثقه الكاتب بقصة الطبيب النفسي اليهودي الذي عاد الى بلده موسكو، ليترك هذه الارض؛ لانها ليست له ولن تكون له مهما حاولت حكومته فرضها عليه، حكومة تجهل سرّ العلاقة بين الارض والانسان، سرّ الفكرة التي أوحاها الكاتب في الرواية والتي من أجلها يعود سعيد الى الجبل.

وكتب اياد شماسنة
إبراهيم جوهر يؤسس للواقعية المعرفية، ويكتب رواية تقوم على بطولة الفكرة
لا يحدث كثيرا أن تحظى بقراءة عمل أدبي تتمته فيه بالدهشة، ورغم أن كاتبه لا يزال يطرح الأسئلة منذ البداية حتى السطر الأخير دون أن تصاب برغبه في الاتصال بالكاتب لمعرفة ماذا يريد إلا إن كانت الرواية تجمع بين البساطة والثراء، وبين القيمة المعرفية العليا والوضوح، مثل رواية أهل الجبل.
رواية إبراهيم جوهر، الصادرة عام 2014، عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في 162 صفحة من القطع المتوسط بغلاف جميل للفنان محمد رباط من السعودية، هي رواية الأسئلة بامتياز، أسئلة الهوية والأصالة والاتجاهات، حيث لا يوجد فيها أبطال رئيسيون كبار، يلعبون الحدث الدرامي، ولا شخصيات مساعدة،لكن فيها رموز بشرية بدلالات تشير إلى “أهل الجبل” كرمز للأصالة والهوية التي حافظ أهلها عليها تقريبا، بل إن من المدهش هو أن الرواية بكاملها ليست رواية أشخاص، والصراع فيها ليس صراعا ذا طابع بشري، بل هي رواية فكرة بامتياز،نرى هذه الفكرة تبحث فيها الأسئلة وتجيب عليها الشخصيات عبر حركتها وتفاعلها مع الأشياء والجغرافيا والتحولات التي أصابت كل شيء، وهنا يتميز إبراهيم جوهر في طرحه المتكامل داخل العمل الأدبي.
المكان هو جنوب فلسطين ابتداء كما يشير اسم الرواية، والجبل هو جبل الخليل بما يحتمل المسمى من جغرافيا ومن شموخ وصمود وثبات وتحمل، ومن قسوة العيش والظروف وتقلبات المناخ، وعصف الظروف، وتلون أهله بألوانه، وقد أكلوا من ترابه وشربوا من سمائه، ثم ينتقل المكان أو يتمدد إلى رام الله، التي وقعت في المقارنة بين المدينة الأصيلة وبين المدينة البديلة التي فقدت الكثير من تراثها وشكلها لصالح حداثة مفترضة لكي تستطيع أن تواكب التحولات المتوقعة منها والتي جاءت مع التحول السياسي في مكانتها، وهنا تنعقد مقارنة غير مباشرة بين الأصالة والبراءة، وفطرة الجبل من جهة، وبين المدينة الهلامية بهويتها وشكلها وقيمها من جهة أخرى
ربما يقسو جوهر على رام الله ويتحيز إلى الجبل، فيرفع “أم علي”، الشخصية التي نستطيع أن نعاتبه على بقائها كائنا رمزيا”شبحيا”، ويذهب بفتاة رام الله إلى درك أدنى؛ بالتأكيد لا يمكن تعميمه، كما لا يمكن تعميم نموذج أم علي،. لكن جوهر في النهاية، كروائي، يشير إلى مشكلة أساسها الفكرة التي تقول إن تحولات كبرى تصيبنا، وهناك أسرار يجب إدراكها، وان تركناها تتحكم بنا فلن تتركنا على المسار الذي يتناسب مع تاريخنا وهويتنا أو طموحنا ومستقبلنا
الزمان واضح في رواية أهل الجبل ويتحدد بشكل دقيق في رمضان 2014 وما حوله، وهو قصير جدا ليستوعب التحولات الكبرى التي ترصدها لغة إبراهيم جوهر الخاصة التي يتميز بها، والتي تتجلى واضحة في الجمل القصيرة، وفي التساؤلات الدقيقة.
يلجأ جوهر في روايته إلى العديد من الرموز المتحولة في معناها ودلالتها بدْءا من أجنحة مبنى التلفزيون في الجبل، فهي وان كانت معمارا إلا أنها ذات دلالات، وكذلك “أم علي” التي لا زالت رمزا أكثر منها شخصية محورية وان ظلت كرتونية الصفات، أي أنها لم تتطور كشخصية في الرواية بل بقيت ثابتة طيلة العمل الأدبي.
ومن الرموز أيضا الأسد الجنوبي الذي كان فخارا هشا أثناء ذهابه مع صاحبه إلى رام الله وفي خاطره أن يقف بين اسود رام الله الصخرية، وعندما صدمته التحولات وصقلته التجربة عاد من صخر، مع أن اسود رام الله كانت منذ البداية من صخر وبقيت رغم التحولات.
حوار جوهر بين شخصياته عفوي، متناغم مع سياق العمل؛ إلا انه سريع ومختصر، تتجلى فيه خبرة الكاتب في الإيجاز الذي لا يترك غموضا رغم قدرته الواضحة على الإسهاب عندما يريد أن يسهب، لكن الملاحظ انه جعل الحوار متناسبا مع طبيعة الفكرة موضوع الرواية والأسئلة التي أثارها
إبراهيم جوهر كاتب يحسن السرد ويعرف حق الرواية عليه، وهو لا يكتب للتسلية أو المتعة، لأنه مهموم بقضايا جوهرية، ومهتم بطرح أسئلة، وإثارة تساؤلات عن الماضي والحاضر بشكل يستطيع معه التأسيس لاتجاه المستقبل، لا يجامل شخصياته ولا يحشرها في رغباته بل يكونها ثم يتركها تعيش أدوارها، كثير من شخصياته واقعية تماما وربما يستطيع القارئ العثور على أسماء لها رصيدها من الحقيقة من أهل الجبل، مما يدل على اطلاع جوهر وعلاقاته، ومدى اقترابه من الفكرة \البطل في الرواية
أهل الجبل رواية واقعية “معرفية” بامتياز، وربما سيحسب لإبراهيم جوهر في يوم من الأيام انه احد رواد الواقعية المعرفية، التي تقدم إسهاما معرفيا عبر طرح الأسئلة الذكية، وإثارة الدهشة، وخلخلة الراكد من القضايا إضافة إلى نفض الغبار والأوهام

فراس حج محمد/ فلسطين
هل كان إبراهيم جوهر** يكتب رواية أم أنه كان يقارن بين مدينتين؟ هل كان الكاتب المقدسي يتأمل التاريخ والجغرافيا أم كان يبني حدثا روائيا محدودا؟ هل كان السارد العليم الخبير بكل شيء يسائل هذا الواقع أم أنه كان شاهدا عليه فقط؟ كل تلك الأسئلة ولها كثير من المعتكفات والمنعطفات والمنحنيات أخذت تتشكل وتتصالب وتتراص أمامي وأنا أتأمل رواية أهل الجبل، تلك الرواية/ البحث في أهل الخليل وطباع أهل الخليل، الذين ربتهم الصحراء وسقتهم تاريخها ووسمتهم بميسمها!
ربما كان البناء الروائي بسيطا وقريبا غير مبني على فلسفة معقدة من البناء الفني للرواية الحديثة على الرغم من أن الكاتب قد لجأ أحيانا إلى تقطيع الحدث الروائي لتتداخل المشاهد بين مكانين وزمانين أو بين مكانين في زمان واحد، على الرغم من تلك البساطة إلا أن الرواية قد استندت إلى مجموعة من الفنيات الرصينة التي أعطتها قيمة فنية وأدبية، وفيما يأتي سأقف عند جملة من القضايا التي أثارتها الرواية في بعديها المعرفي والفني.
الموازنة بين المدينتين (الخليل ورام الله)
يتضح في الرواية أن الكاتب يحمل وجهتي نظر متناقضتين حول تينك المدينتين، وقد عبر السارد المشارك بالأحداث كأحد شخصيات العمل الروائي عن هاتين النظرتين، فقد بدت رام الله مدينة الغربة والغرباء، وتبحث عن ذاتها في ذاتها، مدينة الصابون والرمل والزجاج، مدينة السرعة والفنادق والوجبات السريعة، مدينة تأكل أبناءها، مدينة بلا تاريخ، تأكل الماضي كله، مدينة عصرية مغرية ومغوية، تمني زائرها الأماني الخادعة، يركض فيها من أتاها ليحقق ذاته وإذا به يركض وهو محله، ظانا أنه قد أحرز شيئا وإذا به كما هو، لذلك فهي مدينة الأحلام والانكسار والخيبة، مدينة بلا ظل وبلا ملامح مفتتة ومشرذمة، ولكنها هي المركز
تلك الصورة القاتمة لمدينة رام الله تقابلها الخليل مدينة الأصالة والعراقة والتاريخ والمقاومة، مدينة فيها كل شيء مختلف له طعمه ودلالته حتى المباني والأسماء، وعلاقة الناس فيما بينهم وعلاقتهم بالطبيعة والصحراء والتراب والجبل والهواء علاقة تماهٍ واندماج، فهم منغمسون في الأرض والتراب، لم يضيعوا في موجات التغريب والقشور الزائفة القادمة مع مشروع السلام الميّت، فظلوا متمسكين بالأصالة والوطن، ولم يتنكروا للتاريخ، سواء في ذلك تاريخ المدينة الخاص أم تاريخ الجغرافيا الأكبر لفلسطين كلها، لذلك كان واجبا وطنيا وأخلاقيا وإنسانيا من (إسحق الحروب) ليجمع التاريخ ويعيد تشكيله من تلك القطع الأثرية، إذ تحول منزله إلى متحف تاريخي وإنساني واجتماعي، وكأنه يقاوم على طريقته..
مدينة تخلق مزاجها من كينونتها الخاصة عبر أربعة من العناصر (التراب، والهواء، والارتفاع، والدوالي)، لتقف هذه العناصر في تحد ومواجهة مع تلك العناصر الفلكية التي تصنع الحظ والتاريخ الفردي للبشرية والمعروفة عند أصحاب الفلك (التراب، والماء، والهواء، والنار) لنجد الناس عند هؤلاء مجموعة أمزجة نابعة من واحد من هذه العناصر، هنا تجد التراب والهواء مشتركا عاما، ولكنه ليس ذلك التراب العام، إنه تراب الجبل، وليس الهواء الملوث إنه الهواء ذو التيارات الخاصة بالتشكل في فضاء الجبل، وليكون الارتفاع عنصرا ماديا وحضاريا وإنسانيا مكانا وتاريخا يليقان برمز المنطقة الدّال عليها كالعلامة الخاصة المميزة، وهو الدوالي، فهنا إذن أنت في الخليل، بكل تلك السمات الخاصة التي شكلت إنسانها وإن كان فيه صلابة الصحراء وقوتها وشموخ الجبل إلا أنه أصيل وطيب وخلوق وإنساني وبسيط ويحب الخير ويفهم الأرض وسر الأرض، ومع كل ذلك فإن المدينة هي هامش تدخل في صراع خجول غير معلن مع رام الله/ المدينة المركز، وهي بذلك تصنع وجها آخر من وجوه المقاومة!
إن هذا كله جعل أهل الخليل وحدة إنسانية خاصة، يشتركون فيما بينهم في مجموعة سمات عامة، ومع وضوح تلك السمات العامة إلا أنها لم تلغ الخصوصيات الفردية لآحاد الناس، ولذلك حرصت الرواية عبر الحدث الروائي أن توضح هذين الجانبين الخصوصية الفردية لابن الخليل، والسمات العامة للناس بشكل عام، وجعلت الإنسان الخليلي ابن الجبل المتشبع بالسمات العامة في مواجهة مدينة الضياع، إذ لا وجه لها غير وجه استهلاكي سريع متضخم يركض فيها الشخصُ دون أمل، تأكله الأحلام، وتسحقه التمنيات، ولا يظفر بغير الحسرة والندم، الناس فيها غرباء فلا يشفع فيها الحب ولا تنفع فيها الصداقة، ولا يؤثر فيها التاريخ، مدينة تشبه بهية عبد السلام أم أن تلك المرأة حالة بشرية مجنونة من صناعة مدينة لا تتمتع بالبهاء ولا بالسلام!!
إن هذه المقابلة بين المدينتين يطرح تساؤلا صفته الأولى سياسية عن علاقة المركز بالهامش، وهي علاقة خلقتها كثير من الظروف السياسية المستجدة على المدينة المركز، إذ لم تكن كما هي الآن، لقد تحولت سريعا لتكون العاصمة السياسة والثقافية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية، والكل يسعى إليها ليستظل بظلها، وهنا تطرح الرواية إشكالية كبرى ما زالت تتعمق يوميا، ليزداد المركز تبؤرا، والهامش انفلاشا وابتعادا ليكون أبناء الهامش على ما هم عليه من أصالة وتاريخ خدما لأبناء المركز على ما هم عليه من تغريب وعصرنة لها سمتها غير محمودة النتائج!!
اللحمة الثقافية والجسد الروائي
يوظف الكاتب في روايته الكثير من الإشارات الثقافية، مؤكدا بتلك الإشارات الثقافية ما يرمي إليه الكاتب من رؤيا عامة وفلسفة ينطلق منها الحدث الروائي، فتجد حضور المنطقة، منطقة جبل الخليل، والتي تشمل عدا الخليل، القدس وبيت لحم، في كثير من المؤلفات الإبداعية التي يذكرها السارد، وقد تحدثت عن تلك المنطقة، وكأنه يشير من طرف خفي قدر تلك المنطقة وأهميتها إبداعيا وثقافيا، فقد تجلت في فرس العائلة لمحمود شقير، وكلب البراري لجميل السلحوت، ونار البراءة لمحمود شاهين، وقبلة بيت لحم الأخيرة لأسامة العيسة
كما ظهرت أهمية تلك المدينة ثقافيا في جهود أحد أبنائها (إسحق الحروب) في الحفاظ على التراث والتاريخ من الضياع، ليدخل في منافسة مع الإسرائيلي الذي يدفع المال من أجل أن يستولي على تلك الآثار ليزَوِّر التاريخ، فكما قاوم أهل الجبل مشروع روابط القرى في ثمانينيات القرن العشرين، فهم أيضا يقامون بالثقافة والامتداد عبر التاريخ والجغرافيا معا، فحركة المقاومة للمدينة حركة مستمرة، والسياق الذي جاءت فيه الرواية يبين ذلك في حديث الرواية عن تداعيات ما قبل الحرب والتي بدأت في جبل الخليل وكهوفها، حيث اختفى ثلاثة من المستوطنين، اتهمت “إسرائيل” بعض المقاومين من الخليل بخطفهم ثم قتلهم بعد ذلك!
إن ذلك الرجل التسعيني الذي يحفظ الأحداث المهمة ويسردها بحرقة، لم يكن إلا وجها آخر من وجه المدينة الزاخر بالمعرفة السياسية والتاريخية المعاصرة، فإن كان ذلك الحاج قد تحدث بإسهاب عن نكبات الفلسطيني، فقد أعطى دلالة ثقافية مهمة، تقف جنبا إلى جنب مع سعيد الظاهر وهو يتأمل لوحة “الفتاة الضاحكة” المعلقة في أحد مقاهي رام الله ويدعى “ملتقى عشاق القهوة”، إنه الإحساس بالجمال الذي رافق ابن الجبل في البيئة الطارئة!
وما بين هذين البعدين في الإحساس بالجمال والتاريخ، تتسلل إلى لغة الكاتب وعلى لسان السارد والشخصيات مجموعة من النصوص الأدبية شعرية ونثرية من مخزون الثقافة العربية الحية، فتحضر الأمثال العربية القديمة، والأحاديث النبوية والآيات القرآنية، والحكم، وكما وقفت الآثار القديمة بجمالها ودلالتها في تآلف تام فيما أشرت إليه من أمر اللوحة والقطع التراثية، تجد المواويل والأغاني والأمثال الشعبية حاضرة بتآخي الصياغة مع تلك المنتخبات من الثقافة العربية القديمة، لتبدو كل العناصر في تراصف يفضي إلى لحمة ثقافية مكتنزة تساهم في تشكيل الجسد الروائي الذي غدا جسدا صلبا متينا!
البناء الروائي
للغة في وعي الكاتب أهمية خاصة، فجوهر يرى أن “اللغة هويتنا ووسيلة إبداعنا وحاملة فكرنا، ويجب أن تكون حية نابضة”، ويتجسد هذا الرأي في أهل الجبل؛ إذ جاءت اللغة متينة السبك، واضحة، متسلسلة، لا تكاد تجد خطأ لغويا نحويا أو إملائيا، لغة تدل على شخصية كاتبها بالدرجة الأولى، وعدا ذلك فهي كانت حاملة لأفكار الكاتب ورؤياه، لغة واقعية لا تجنح إلى التصوير أو التهويل أو الزخرفة البيانية من أي نوع، وكانت تعتمد على سلاستها وجريانها بتدفق دون عناء، لأن الكاتب مشبع بالفكرة، وهما تتدفقان (الفكرة واللغة) معا ويتوغلان في وعي القارئ وفكره لتشكيل النص، ليبوح بما باح به فيه!
واستندت الرواية في بنائها الفني على تقنية السرد المباشر، يؤديها أحد شخوص الرواية، وهو سارد عليم بمفهوم النقد الروائي، يعلم الظواهر والبواطن، ويعرف الحدث قبل وقوعه، سارد لم يكن بطلا بالمفهوم التقليدي للبطولة، كان شاهدا على بطولة الجبل وأهل الجبل، إذ لا بطل تقليديا هنا ولم تعتمد الرواية على حكاية لشخصية ما، وإنما أراد الكاتب أن يمنح تلك البطولة للمكان والتاريخ والناس كشخصية عامة تمثلت في الخليل أرضا وتاريخا وإنسانا!
ومع ذلك الملمح الفني في الرواية استحضر الكاتب أدواته ليكون هناك شيء من مساءلة الواقع بأحداثه الراهنة الحقيقية، وليست الواقعية فقط، إذ لا داعي لنكتب خارج الحدث الحقيقي، وإن لم يرد الكاتب أن يؤرّخ للأحداث، لكنه أراد التعريف والبيان، ولم يصل الأمر في هذه النقطة بالذات إلى حد المسائلة المفصلية، وغلبت مناقشة الأفكار في حوار الشخصيات، ولم تحفل الرواية برسم أي ملامح خاصة لأولئك البشر المتحركين في الرواية، فلا تكاد تشعر بهم على المستوى الإنساني، فقد غلبت الفكرةُ، الفنيّةَ الروائيةَ، فبدت الشخصيات فكرية فقط!
لقد اعتمد الكاتب على البعد اللغوي كثيرا في رسم الشخصيات، فاختار لها الأسماء التي تتوافق والبعد الفكري في الرواية، وهنا أصبحت الشخصيات بأسمائها حاملة للمفاهيم الفكرية التي تحملها الرواية، فمن خولة، وراشد إلى سعيد الظافر وبهية عبد السلام، تقف الدلالات شواهد على الفكرة، فقد أنهى الكاتب إهدائه للرواية “وإلى الغزالة الباقية هنا”، والخولة هي الظبية كما جاء في المعجم، فارتبطت الشخصيتان معا في العتبة النصية الأولى (الإهداء) وفي المتن الروائي، فهناك ظهرت على المسرح الموصوف بالإهداء بأنه (هنا)، التي كانت تلك المرأة التي ساعدت السارد خلال رحلته إلى مدينة الخليل، وبرزت شخصيتها الفكرية وطبيعة أفكارها، عندما أخذ الكاتب ينقل لنا من كتاباتها التي تدونها على صفحتها في الفيس بوك، فبدت امرأة واعية متناغمة فكريا مع أفكار السارد.
أما الشخصية الثانية والتي رافقت السارد خلال رحلته إلى الخليل، فهو راشد البلد، وراشد كما يبدو من المتن الروائي شخص يعرف تفاصيل الجبل وأهل الجبل، وحتى فلسفة الأسماء ودلالتها للقرى والمواقع، فهو بطبيعة دوره في الرواية استحق اسم راشد، وهو الراشد فعلا، في وعيه ونضوجه ومعرفته التي رأيناها في الرواية.
أما الشخصية الثالثة فهي شخصية سعيد الظافر، وهنا الدلالة ضدية، وهي دلالة مقصودة، وقد عرّض الكاتب بهذا الاسم، لافتا النظر أنه لم يظفر بشيء، وبالتالي فإنه لم يكن سعيدا في البيئة الجديدة رام الله، في حين أنه لو بقي في الجبل/ الخليل لظل سعيدا ظافرا، فقرر العودة ليكون من اسمه نصيب، وتشترك بهية عبد السلام بجزء من هذه الدلالة الضدية، فقدت بدت امرأة مختلفة تماما عن نساء الجبل، وبرزت في تضاد كامل مع خولة العايد، بدت انرأة جريئة، رسمت ملامح جرأتها من خلال لغتها العفوية المنسابة، وارتيادها للمقاهي وطبيعة حديثها مع سعيد الظافر، فيخيل إليك أنها تتمتع بالبهاء، ولكنك تكتشف أنها امرأة مصنوعة على عين المرحلة والمدينة الجاذبة المركز وكأن المدينة والمرحلة هما بهية، أو كأن بهية هي صناعة تلك المدينة وهاتيك المرحلة، تلك المدينة التي شكلتها ثقافة السلام في مرحلة السلام، فيدت بهية عبد السلام نتاج المرحلة والمدينة الزائفتين، لتبدو المرأة هنا فكريا نموذجا إنسانيا هشا لأنها تعبر عن مرحلة ومدينة تعانيان من الهشاشة أصلا، فصار الاسم يدل دلالة عكسية على حقيقته، وكأن إبراهيم جوهر ذا اللغة المكتنزة بالموروث الشعبي يريد أن يقول “من برة ألله ألله ومن جوّة يعلم ألله”، فكان ذلك ينطبق على الثلاثة معا؛ المرحلة، صناعة المدينة، صناعة الشخصيات، بهذه التفاهة المحضة!
وبالانتقال إلى جانب آخر فيما يخص الشخصيات، فإن الدارس سيلاحظ أن الكاتب قد سيطر سيطرة كاملة على الشخصيات، فلم تفلت منه الشخصيات لتعبر حسبما يراد لها القدر الروائي، وذلك لأنها مسيرة بالكامل بإرادة مسبقة من سارد عليم يريد منها أن تقول وتفعل ما يريد، وربما يندرج في هذا السياق تلك النهاية المحكومة بالقدر الروائي المشار إليه سابقا، فقد انتهت الرواية باحتجاج من سعيد الظافر على ما شاهده في مشغل الخياطة، بدا المشهد باهتا إذ لم يكن هناك سبب مباشر أو قشة لتقصم ظهر البعير لتجعله ينتفض تلك الانتفاضة التي رأيناها ليعود أدراجه إلى حيث أتى، مختارا عن قناعة بلده وأصالته، إنها الفكرة التي فعلت كل تلك الأفاعيل.
وبعد:
ربما لم ينته الحديث حول هذا العمل الموسوم ب “أهل الجبل” والمصنف على أنه رواية، ففيه الكثير من الجوانب التي توقفت عن الحديث فيها خشية الإطالة والإثقال على القارئ، ولكنها بالتأكيد عمل فنيّ ممتع وذو دلالة في وصف المكان بعموميته وفي مزاج أهله وثقافتهم، ينمي الذائقة ولا تخاف على نفسك من التورط إلا في حب الخليل وأهل الخليل، الذين يستحقون المجد والرفعة والجمال والحب، فيا نعم ذلك التورط الجميل، فهم عرق الوطن الأصيل والنابض حياة وشموخا!!

وكتبت فوزية النتشة:
رواية “أهل الجبل ” هذه الرواية التي تبحث في تفاصيل المكان وذاكرته الحية
فالكاتب هنا يبحث عن سر المكان وتاريخه مفتشاً عن إجابة، وباحثاً عن دليل ليصل إلى هذا السر “سر الجبل وأهله”، هذا الجبل الصامد بكبرياء زيتونه وبجمال الدوالي الثابتة فيه، أسئلةٌ كثيرة تطوف في نفسه ما هو سر، وما هي الإجابة لهذا اللغز؟
وما هي الحقيقة التي نُحتت من صخوره وكهوف الصمود فيه.
جبل الكبرياء والعناد والبقاء في وجه من أراد له الكيد صامداً بترابه وطيبة أهله.
مشوار الكاتب يبدأ برسالة من “أم علي” هذه المرأة الفلسطينية،رمز لكل ما هو حي وصامد بعثت له الرسالة من قلب الكهف المظلم لترسل نوراً مبشراً بالنصر والبقاء وما زال التساؤل في نفسه ولسان حاله يقول:
“ما سر صلابة ابن الخليل وطيبته؟ وهل للبيئة أثر على إنسانها؟ ولعل الشاعر عناهم حين قال: الناس في بلادي جارحون كالصقور وطيبون كرعشة المطر”
ثم حمل أسئلته وذهب وراء الحقيقة لاكتشاف السر،ومنذ اللحظة الأولى أدرك بأن مجرد التأمل لا يمنحه سره فقرر أن يستعين بزملائه من أصحاب الفكر والقلم، ممن عُرفوا بالقوة المستمدة من المكان وجماله وعمقه.
“المسألة أكثر عمقاُ وجدية مما كنت أظن”
فهنا خولة العايد، راشد البلد، إسلام الهيموني، وتقى القواسمة وغيرهم، من أبناء هذا الجبل، جميعها أسماء قريبة لواقعنا و كأنها شخصيات تعيش معنا عن قرب.
واصفاً طبيعة الجبل و أهله،و كيف لمدينة تحمل كل التناقضات من شأنها أن تمثل الوطن بأكمله.
“هنا الخليل هنا الناس وعنفوان الجبال هنا التناقض كله، الطبية مقابل التوجس والشك، الكرم والإنسانية مقابل الحرص، والصد والتخطيط والمسؤولية مقابل البساطة والتواكل هنا ناس يمثلون الوطن بكل تناقضاته”
واعتمد الكاتب في طرحه للرواية على عدة رموز:”مبنى التلفزيون بأجنحته الرمادية،التراب الهواء، والدوالي، الأسد”مما زاد في عمق الرواية و ساند فكرتها.
وهنا سعيد الظافر وأسده ورحلة إلى مدينة الأحلام ليواجه عدة مفارقات بينها و بين مدينته الأم، مكانين قريبين جغرافيا، ولكنهما ابتعدا كل البعد في اكتساب الحياة من مصدر واحد، بسبب الحواجز التي وضعها الاحتلال، و يسبب اختلافات كثيرة خلقها سكان المدينة أنفسهم، فرام الله التي غرقت في الحداثة واستبدلت قديمها بكل جديد في شتى مجالات الحياة، و مُلئت بالعمارات الزجاجية، تقابلها الخليل التي ما زالت تحافظ على تراثها المعماري والحضاري بزرع قيمها و عاداتها في نفوس أبنائها وتشربهم عراقة الماضي بجمالياته المختلفة البسيطة.

وتَوقفِ الكاتب عند بائع اليانسون و القهوة.. و إصرار هذا البائع على كلمة اليانسون و لكل مشروب دلالاته لدى المتلقي.
و المفارقة بين نساء الجبل باحترام الخصوصية مقابل مدينة أحلام سعيد قد بلغت النساء فيها قدراً من الجرأة، و سلط الضوء أيضاً على مفهوم الثقافة الجاهزة.. وجميعها أحداث قائمة في الواقع.
“ماذا اعترى الفكرة في بلادنا ”
وكيف سارت الأحداث بعد ذلك بسعيد حين اقتحم تفاصيل هذا المكان الذي أدرك بأنه لا يتسع له ولا لأسده و أن هذا المكان ليس حلمه كما اعتقد فكيف لأسد من فخار يعيش بين الأسود الحقيقة للمكان، وبمجرد رجوعه إلى مكانه و خليله رجعت له القوة و تحول إلى صخر.
و في الرواية أيضا استعادة لذاكرة المكان و سبب تسميته، والتوقف على تفاصيل دقيقة فيعود لسبب تسميه دورا بهذا الاسم ولماذا ارتبطت الخليل بنبي الله إبراهيم، وأصبحت خليل الرحمن.
وتقوم الرواية على أسئلة باعثة لأسئلة أخرى تدفع القارىء للتوقف عند تفاصيل لا تنتهي،
تدور أحداث الرواية في حرب تموز عام 2014 و التي بدأت بجريمة بشعة بحرق محمد أبو خضير و هو على قيد الحياة في قرية دير ياسين، وكأن الاحتلال يُصّر على إعادة ارتكاب جرائمه بحق هذه القرية وسكانها، ويستكمل المجازر في غزة وإشعال نار الانتقام فيها.
من مفارقات هذه الحرب أن المكان الذي شهد حرق الشهيد أبو خضير هو ذاته الذي أقيمت فيه مستشفى للأمراض العقلية المخصصة لجنود الاحتلال المتأثرين من هول الحرب، وقد سرد الكاتب قصة “شاؤول كوهين” كواحد من المصابين الذين أصيبوا بالذهول والفزع مما عاشوه في غزة، فقد أصيب بهاجس الخوف والهلع مما سبب له اضطراب نفسي عندما استبدل الموسيقى التي كان يعشقها، بموسيقى ضجيج الطائرات والقنابل التي لا تهدأ.
وتدهور حالته كما وصفها الطبيب الروسي الذي آثر الابتعاد عن كل ما يحيط به من جنون منتشر في كيانٍ لا دين له ولا عقل.
موضحاً بأن هذا مصير كل إنسان يريد أن يصنع له حياة على أنقاض حياة الآخرين وأرضهم وأهل الجبل هي رواية واقعية لغتها بسيطة مكثفة ومختصرة، وهي قائمة على البحث من خلال التساؤلات التي من شأنها أن تقودنا للحقيقة، وإيمان الكاتب بالفكرة الحية النابضة، فهي الركن الأول والأهم في منظومة البحث عن أصالة المكان وعلاقته بالإنسان وأثره عليه، و حفاظه على عراقته فالإنسان ابن بيئته كما وصفه الكاتب “كل يحمل خليله في صدره ”
ولكل إنسان خليله ووطنه الذي ينتمي ويخلص له.

دعاء عليان:
قراءة في “أهل الجبل” بقلم:دعاء عليان
لتلك الدوالي المتدليات سحر
يزمل المكان بساكنيه.
فيها دروس للجَذر كيف يتأصل
وللمرء كيف بالحق يصدح بملء فيه
وفي جبال الخليل معان
للصبر والعناد واللين حين الأمر يقتضيه.
في العام الرابع عشر بعد الألفين للميلاد،وهو العام الذي شهد الكثير من الويلات والاهات والنكبات التي حلت بفلسطين بجبالها وسهولها وصحرائها، خرجت إلى حيز الوجود والتميز رائعة الأديب الفلسطيني المقدسي ابراهيم جوهر “أهل الجبل.”
افتتح الكاتب روايته بإهدائها لمن يستحقها، فأهداها إلى أرواح شهداء غزة العزة الذين ارتقوا في رمضان العام المذكور، وإلى روحي الشهيدين البطلين المحمدين: محمد أبو خضير الذي شوي جسده الطاهر بنيران صهيونية يشعلها تخاذل عربي، ومحمد دودين ابن دورا الجبلية الخليلية والذي ارتقى مودعا عالما لم يتسع له. كما وأهدى الكاتب روايته إلى الغزالة الباقية.
“أهل الجبل” رواية عن الإنسان والمكان. فهي تسلط الضوء على دور المكان والبيئة التي ينشأ فيها الإنسان في تشكيل شخصيته وتحديد بعض ملامحها. وهي مساحة للقارئ المتمعن ليكتشف خفايا نفسه وأسرارها. ففيها يتطرق الكاتب إلى ذلك الصراع الداخلي الذي ينشأ في نفوس الكثيرين لدى محاولتهم خوض تجارب جديدة تتمثل في الغوص في عوالم يظنونها أخرى رغم أنها لا تبعد عنهم زمانيا ولا جغرافيا ذلك البعد الذي يجعلها تبدو بتلك الغرابة.
والواقعية التي تسيطر على الرواية تجعلها محببة إلى النفس وقريبة منها، وتجعل القارئ لا يمل قراءتها مهما كرر ذلك. وما يزيد الواقعية سلطة في هذه الرواية هو بساطة السرد، وجمال اللغة التي تأسر الألباب، والأهم من ذلك بالنسبة لي هو انتمائي للمكان، حتى أنني كنت أرسم في مخيلتي صورة لكل ما أقرأ، مبحرة في بحر تأملاتي وتوقعاتي.
لقد رافقتني هذه الرواية لأول مرة بنسختها الالكترونية في طريق ذهابي إلى رام الله الشقراء. حين مالت بنا السيارة يمينا على دوار الرام، وجدت نفسي ألتفت لتلك البنايات التي تتسابق فيما بينها وكأنها تقول للقادم من بعيد: هنا رام الله! في تلك اللحظة، شعرت بأنني على وشك الدخول إلى عالم اخر غير ذلك العالم الجبلي الذي أتيت منه. ومنذ تلك اللحظة وبعد إتمامي لقراءة الرواية في طريق عودتي من ذات الرحلة، بت أرى رام الله بطريقة مختلفة عن تلك التي اعتدت عليها. أصبحت رام الله بالنسبة لي – عدا عن أنها مدينة التعددية- مدينةَ المظاهر المزيفة. وما تجولي في بعض شوارعها الرئيسية منذ القراءة الأولى للرواية حتى اليوم إلا لأثبت لنفسي أن شقرة رام الله وصلت حد انعدام الملامح.
ومن تميز الكاتب في روايته والأدوات التي استخدمها لإيصال فكرته استخدام الرمز.فعلى سبيل المثال،ليصل صوت الجبل إلى القاصي والداني، لا بد أن يكون هناك من يحمل رسالته ويبثها في الأصقاع، ومن هنا كان تلفزيون الجبل الذي يضم نخبة من أبنائه. فتلفزيون الجبل هذا –كما أراه- مراةٌ للواقع الجبلي يجسدها حملة رسالة سامية.
و”أم علي” ذات الهوية المجهولة كانت تطل بين الحين والاخر حين تتعقد الأمور أو يستصرخ العقل طالبا النجدة لتعيد التوازن المفقود. ورغم أن شخصيتها مجهولة، إلا أنها وقت ظهورها في الرواية يحدثنا بأنها قد ترمز إلى صوت العقل الفلسطيني متجسدا بهيئة امرأة رزينة. لا أستبعد أن تكون أم علي هذه هي فلسطين الباحثة عن توازن وعدل بين شقيها المتباعدين وعاصمتهما الحزينة.
ولأنها رواية واقعية، كان للسياسة حضورها. ومن ذلك أن الكاتب أشار من بين ما أشار إليه إلى معاناة الفلسطينيين على الحواجز العسكرية التي باتت جزء ا لا يتجزأ من حياتهم اليومية. كما وأشار إلى الانتهاكات الوحشية ضد أبناء الوطن عامة والخليل خاصة على خلفية ما وصف باختطاف جنود صهاينة.
ومن دلائل الواقعية في الرواية أيضا عودة ابن الجبل إلى جبله. فالإنسان بطبيعته ميال إلى تجربة كل جديد. وهو وإن أبحر بعيدا عن موطنه، واستمتع بخيرات غيره، سيعود محملا بالحب والحنين، ودروس في الوفاء والانتماء.
“أهل الجبل” أيضا رواية حافلة بالعبارات التي تلامس الروح والوجدان، والتشبيهات التي تجسد المعاناة والألم والأمل أحيانا، و تضفي على الرواية رونقا خاصا دائما. والقارئ لهذه العبارات يذوب بين سطورها مستشعرا لذة الاندماج معها. فانظروا معي إلى قول الكاتب: (الكلمات لها ذاكرة، مثل البشر، والجبال، والأرض، والوطن.) وإلى قوله: (أن تتأمل المكان لا يعني أنه يمنحك سرّه بسهولة. المكان يتمنّع بدلال وقوة إرادة.). ففي الأولى جسد الكلمات وفي الثانية فعلها مع المكان، وبين الاثنتين يبحر القارئ مستمتعا.
وفي قوله: (باتت الحواجز تفرض لغتها وأسئلتها وإجاباتها) يذكرنا الكاتب بجرح لم يندمل يوما وبمعاناة أصبحت رفيقة لتحركاتنا.
ويحسن الكاتب وصف رام الله بقوله: (مدينة عصرية تأكل أبناءها ولا حنان في مبانيها وزجاجها البارد). يا له من وصف مؤلم قاس دقيق تقشعر له الأبدان! ويضيف عنها قائلا: (المدينة الاسمنتية التي أضاعت خضرتها وهدوءها وهي الآن تبحث عن هوية أضاعتها اجتهادات لم تنبع من أسودها.) فوا أسفاه على من أضاع هويته! ويقول أيضا: (أخذته المدينة في حقيبتها المسافرة العامرة بفقاعات الصابون والوحوش الكاسرة. لا مكان للأرانب هنا ولا للحمام. الذئاب تكشّر عن أنيابها وعدوانيتها والأفاعي تفحّ بلؤم غير معهود.) فكيف تكون هكذا مدينة ملؤها فقاعات الصابون الهشة والوحوش الكاسرة؟ أللأمان في هكذا مدينة مكان؟!
ولبائع اليانسون والقهوة نصيب. حيث يقول الكاتب مخاطبا إياه: (يا لك من حاو يجمع التناقضات في راحة يده!)
كما أن للنصيحة واستثارة الطاقات نصيب. حيث يقول الكاتب على لسان خولة العايد:
(الفكرة لا تموت يا أستاذ. الفكرة تأخذ أشكالا متعددة. المسؤولية تتعلق بحامل الفكرة ومدى إيمانه بما يحمل)
أخيرا، لأن الوطن واحد، والهم واحد، ولأن السهل يبكي لبكاء الجبل والوادي، والبحر يدمع لعَبـَرات الموج الاتي، أختم سطوري المتواضعة بما قاله كاتبنا في رده على صديقه حين لامه واتهمه بالتحيز لجبل الخليل حيث قال: ((جبل الخليل) نحمله في صدورنا. كلّ واحد منا وله خليله؛”الخليل)؛ هي (الفكرة) لا أكثر ولا أقلّ.
وشارك في النقاش عدد من الحضور منهم: محمد عمر القراعين، نزهة أبو غوش، ديمة السمان، ديانا أبو عياش وطارق السيد.

0202

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة