• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    بشار والغضبة المضرية

    ..
    قال ابن رشيق في العمدة (باب الافتخار، ج2، ص 137):
    ” وأفخر بيت صنعه محدَث عندهم بشار:
    إذا ما غضبنا غضبةً مضريةً *** هتكنا حِجاب الشمس أو قَطَرت دَما
    ويروى: هتكنا سماء الله أو مطرت دما”

    (البيت في ديوان بشار، ص 590، وفي المختار من شعر بشار للخالديَّين: “أو مطرت دَما”، وفي كتاب ابن قُتَـيبة- الشعر والشعراء، ج2، ص 760= “أو قطرت دَما”، وقد علق ابن قتيبة بقوله: “ومما أفرط فيه” وكأنه يتحفظ منه، بينما ذكر ابن المعتز “أفرط وأجاد”- ابن المعتز، طبقات الشعراء، ص 30 ؛ ومن جهة أخرى قال الفارسي: “إن هذا الشعر من المُهَجّن”- المَرْزُباني، المُوَشح، ص 289)
    ..
    المفارقة أن بشارًا فارسي الأصل (ت. 784 م) هو مولى لبني عُقَيل، ويبدو أن تبعيته لهم كانت وثيقة متينة، فبنو عُقيل هم من قبيلة مُضَر، وهم موضع الفخر، بل إن بشارًا في البيت التالي ألمح إلى أن مضر من أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فله هذه الأواصر التي يعتز بها المسلمون:
    إذا ما أعَرْنا سيدًا من قبيلة *** ذُرا مِنبرٍ صلى علينا وسلما
    ..
    ويبدو أن الشاعر يفخر بنفسه من وراء فخره بالعرب، ونظير ذلك ما قاله في قصيدة أخرى:
    إنني من بني عُقَيل بن كَعْب *** موضعَ السيف من طُلى الأعناقِ
    (الديوان، 565)
    ..

    هناك أكثر من شرح لقوله “هتكنا حجاب الشمس”:
    حجاب الشمس هو الضوء (لسان العرب- مادة حجب) وبالتالي غطى غبار الحرب ضوء الشمس؛
    وعن المبرِّد أنه قال “اشتدت الحرب أولاً، ثم سعينا بينهم فأصلحنا ما فسد فسقط الغبار، فكأنهم هتكوا حجاب الشمس. ومنهم من شرح: خلَّينا عن أنفسنا وتركنا لها ذكرًا واضحًا كوضوح الشمس بفعلنا”- (عن الجاحظ: الحيوان، ج6، هامش ص 113)
    (في كتاب المرزوقي – الأزمنة والأمكنة ورد هذا الخلاف بين ثعلب والمبرد في الشرح، فثعلب يقول: حاربنا حتى لم يكن حرب، فلم يكن للشمس حجاب).
    ومع الغموض في الشرح أتساءل:

    ترى، هل قصد في عبارته تشبيه الشمس بالعروس على سبيل الاستعارة المكنية، فبدت “الرجولة” هنا؟
    ..
    انتبه إلى أن فاعل “تمطر” أو “مطرت” هو مقدّر- السيوف، فالسيوف هي التي تقطر الدماء وليست الشمس – كما يخطئ البعض.

    ..
    أما “الغضبة المضرية” فالمقصود بها غضبة الملوك، وكان يقال:
    “اتقوا غضب الملوك ومدّ البحار”، وقد اختار “مضر” بسبب النسب إلى الرسول، ومحاولته الالتحاق بهذا النسب.
    وارتباط الغضبة بما يجري مع الملوك الذين يجابههم بيّن، كما هو بيّن هذاالانتماء الذي يُفاخر به:
    اذا الملِك الجبار صعّر خدَّه *** مشينا اليه بالسيوف نعاتبًهْ
    ..
    في موسوعة الشعر العربي ذكر البيت على أنه للقُحَيف العُقَيلي (ت. 747م)، وورد كذلك في (التذكرة الحمدونية- عن الشبكة، ج2، ص 382)، حيث يورد:
    “على أن بيتي بشار منقولان، فالأول أنشده أبو هلال العسكري للقُحَيف:
    إذا ما فتكنا فتكة مضرية *** هتكنا حجاب الشمس أو مطرت دما
    والثاني عن جرير:
    منابرَ مُلك كلها مضرية *** يصلّي علينا من أعرناه منبرا
    (ديوان جرير، ص 186)

    وممن اتهم بشارًا بانتحال البيت ابن بَـرّي في (ابن منظور.لسان العرب- مادة غشم)، فقال عن البيت “هذا البيت الأخير سرقه بشار”.
    ..

    وإذا رأى ابن قتيبة أن بشارًا “أفرط” ورأى المَرْزُباني أن الشعر “مهجّن” فإن ابن رشيق يرى في البيتين الفخامة والجزالة:
    “هناك من يؤثرون فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب كقول بشار:
    إذا ما غضبنا غضبة مضرية *** هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دَما
    إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة *** ذُرا مِنبرٍ صلى علينا وسلما

    وهذا النوع أدل على القوة، وأشبه بما وقع فيه من موضع الافتخار”. (ابن رشيق. العمدة، ج1، ص 104)
    قال بعضهم لبشار بن بُرد: “إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت؛ قال: “وما ذاك؟” قال: “بينما تثير النقع وتخلع القلوب بقولك:
    إذا ما غضبنا غضبة مضرية *** هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دَما
    إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة *** ذُرا مِنبرٍ صلى علينا وسلما
    إذا بك تقول: ربابةُ ربة البيت *** تصب الخل بالزيت…إلخ”

    ويهمنا في القصة الشهادة بأن البيت بما فيه من غضبة يثير النقع (أي الغبار- ف) ويخلع القلوب.
    (انظر الزجاجي: مجالس العلماء، ص 98- مجلس بشار مع خلاّد بن المبارك)


    “غضبة مضرية”- شاع استعمالها في الشعر العربي، وكأنها تعني غضبة العرب، ومن ذلك:
    ابن سِنان الخفاجي يخاطب ممدوحه:

    لك كل يوم غضبة مضرية *** تُدني بها الآجال قبل أوانها

    وقال عمر الرافعي (طرابلس الشام ت. 1881):
    ويوم غضبنا غضبة مضرية *** على الترك إذ راموا اضطهاد الأعارب
    ..

    على ذكر الغضب كان إبراهيم اليازجي يبحث عن هذه الغضبة في قصيدته المشهورة “تنبهوا واستفيقوا أيها العرب”:

    اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَـذَا المَنَـامُ فَقَـدْ *** شَكَاكُمُ المَهْدُ وَاشْتَاقَتْـكُمُ التُّـرَبُ
    كَمْ تُظْلَمُونَ وَلَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ *** تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ
    ..
    شيء من النحو:

    أو تمطرَ الدما
    المضارع (تمطر أو تقطرَ) منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد (أو) وهي بمعنى حتى= إلى أن.
    (ما) في قولنا (إذا ما …) في كل من البيتين هي زائدة للتوكيد.

    ب. فاروق مواسي

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.