• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    جلسة حوارية حول باكورة الأديبة كلود ناصيف حرب “كلمات من أعماق الحبّ”

     

    كلود ناصيف حرب: لقب “سيّدة الحنين” يتوجني وأضعه في قلبي . . .
    الأب لويس الفرخ: أنت لست إعلامية وأديبة فقط بل أنت مرجع للحب .
    د. جميل الدويهي: بحروف قليلة أشعلتِ ناراً على سطر وأحرقتِ كل المفاهيم الجامدة . . ابراهيم مشارة: بَوحٍ لامرأةٍ فتـَنها الحبُّ من رأسها إلى أخمص قدميها . .
    د. مروان كساب: شاعرتنا تضفي على القلوب الكالحة بسمة الرجاء
    رنده رفعت شرارة: كلود، امرأةَ الشوقِ، تلبسُ الانتظار َشالاً وثوبا . د. عصام حوراني: ما أبهاكِ يا شاعرتنا وأنتِ قد غمستِ ريشة قلمكِ في قمقم عطرٍ، من عند عبْقر!
    سليمان يوسف ابراهيم: حبيبها، هو العاصفةُ والمطرُ والمظلّةُ من غيمةٍ حُبلى بماء شوقٍ وفيضِ هُيام . ٍ
    حاتم جوعيه: لها قاموسها الشعري الخاص بها ولها أسلوبها المميز ونكهتها الخاصة .
    ألبير بطرس: تنتقى كلماتها بدقة ومشاعر حقيقية فتصل للقلب بسرعة عجيبة . …

    تحولت الجلسة الحوارية حول كتاب “كلمات من أعماق الحب”، للإعلامية الأديبة كلود ناصيف حرب “سيدة الحنين” إلى مناسبة رائعة بكل ما في الكلمة من معنى، مناسبة أدبية روحية، ثقافية، اجتماعية بامتياز، كيف لا والأديبة حرب هي سيدة الحنين والأناقة، وهي تعمل مع الذين يعرفون الأدب ويحترفونه، وبوحي من النقد الصحيح والحقيقة؟ في صالة دير مار شربل بانشبول كان الحدث، وعلى الرغم من أن الدعوات كانت محدودة وخاصة جداً، فقد تحلق خمسون ضيفاً حول كلود، يتقدمهم سيادة المطران جرجس القس موسى راعي طائفة السريان الكاثوليك، والأب د. لويس الفرخ رئيس دير مار شربل، والرهبان الأجلاء إيلي رحمه، أنطوان طعمه، وشربل القزي، وبطرس دياب، والأب يوحنا، والراهبة لينا نجيم من راهبات العائلة المقدسة المارونيات، والأديب اللبناني د. جميل الدويهي صاحب مشروع “أفكار اغترابية للأدب المهجري الراقي” وعقيلته السيدة مريم، والمحامية نضال حمزة ممثلة المجلس الأسترالي اللبناني راعي الحفل لوجود الرئيس غازي قلاوون خارج أستراليا، والأستاذ جوزيف سكر رئيس نادي الشرق لحوار الحضارات – أمناء سيدني راعي الحفل أيضاً… ولفيف من الشعراء والأدباء والزملاء الإعلاميين والأصدقاء
    بداية رحبت صاحبة المناسبة الأديبة حرب بالحضور، وقالت: “هذه الجلسة هي جلسة خاصة بامتياز، والدعوات كانت خاصة، ولأننا نحبكم أحببنا أن تكون الدعوات مثل باقة ورد، كل وردة بلون وعبير، وتحت رعاية مار شربل وبركته، الكلمة تكبر.” وتقدمت حرب بالشكر من الاب د. لويس الفرخ رئيس دير مار شربل الذي قدم الصالة لهذه المناسبة، وقالت إنها اختارت عنواناً للجلسة “لحن الذكريات”. وشكرت من جاؤوا من أماكن بعيدة ليشاركوا في أمسية الكلمة الصادقة، “كلمة المحبة التي هي نور العالم، المحبة الحقيقية التي لا تجرح في عالم مليء بالجروح. وطوبى لكل إنسان يجاهد من أجل المحبة والسلام”. وأوضحت كلود أن “كلمات من أعماق الحب” كان فكرة، ومفاجأة، وتتويجاً لمرحلة مهمة من حياتها، “فقد كنت مذيعة سابقاً ,انا أديبة الآن بتوقيع د. جميل الدويهي. وانا اليوم سعيدة بأن أضيف إلى عملي كإعلامية ومذيعة سابقة رصيداً في الأدب ” . ولفتت حرب إلى أن الدويهي يشبّهها دائماً بالفلاحة الصغيرة، “ومنذ يومين أرسل لي صورة طفلة صغيرة تزرع بعض الورود وتسقيها. فرحتُ بهذه الصورة وأحسست بأن رسالتي جميلة، فانا أحب أن أزرع الفرح والسلام وأعطي الورد للناس”.
    وأضافت حرب: “هكذا صارت النبتة شجرة، والشجرة غابة، والحبر أصبح نوراً وعبيراً. ود. جميل الدويهي أعطاني أيضاً لقب “سيدة الحنين”، وفعلا هذا اللقب يناسبني لأن جميع نصوصي في الكتاب كانت مفعمة بالحنين. هذا اللقب تاج أضعه في قلبي وأشعر أن الغربة هي العامل الأول الذي يحرّك هذا الحنين”. وشرحت كلود عن كتابها الثاني “عيناك مرفأ لحنيني” الذي سيصدر أواخر الشهر الجاري في سيدني، وشكرت مرة ثانية الأب الرئيس لويس الفرخ الذي كان في لبنان أثناء توقيع كتابها الأول “كلمات من أعماق الحب”، وكان يشجعها دائماً على العطاء الإبداعي. وطلبت كلود من مريم العذراء والإله الفادي ومار شربل والقديسين أن يحفظوا الجميع بالخير والبركة، ورحبت بالمقدم د. جميل الدويهي “الذي لولا دعمه وتشجيعه ما كنت وصلت إلى ما وصلت إليه على الصعيد الأدبي، وأنا أعطيته لقب “العبقري اللبق”، وهو لا يحب الحديث عن نفسه، ولو سمعني أقول هذا الكلام عنه سيعاتبني. عنده أكثر من 30 عملاً أدبياً مختلفة الأنواع وباللغتين العربية والإنكليزية، وهو أول شاعر عربي على الإطلاق. يكتب 7 أنواع من الشعر . متواضع لدرجة أنه يرفض أن أمدحه بأي طريقة”
    الأديب الدويهي استهل الجلسة الحوارية بالترحيب، باسم كلود وسايمون حرب: بسيادة المطران جرجس القس موسى، والأب الرئيس د. لويس الفرخ، والآباء الأجلاء، والاخت لينا نجيم من راهبات العائلة المقدسة، ومعها عازف الكمان فادي، الأساتذة المشركين في الجلسة من أستراليا وخارجها، ورُعاة الجلسة: صحيفة المستقبل الأسترالية بشخص رئيس التحرير الأستاذ جوزيف خوري الذي لم يتمكن من الحضور لارتباط مسبق، المجلس الأسترالي اللبناني ممثلاً بالمحامية نضال حمزة لوجود الرئيس غازي قلاوون في لبنان، نادي الشرق لحوار الحضارات – أمناء سيدني ممثلاً برئيسه جوزيف سكر، مشروع أفكار اغترابية للأدب المهجري الراقي ممثلاً بالأستاذة مريم رعيدي الدويهي، السيد جورج بدر الذي قدم مساهمة في الحفل، وجميع الحاضرين، كل شخص ساهم بمحبته لإنجاح هالمناسبة. وقدم الدويهي سيادة المطران جرجس القس موسى الذي أشاد بأعمال كلود الأدبية وقرأ مقاطع من كتابها “كلمات من أعماق الحبّ”.
    الكلمة الثانية كانت لرئيس دير مار شربل الأب د. لويس الفرخ، الذي استهل بالترحيب في رعاية القديس شربل، وأخبر قصة مفادها أن كل شيء له وجهان، وعلى الإنسان النظر بإيجابية إلى الأمور لكي يراها جميلة. وقال الأب الفرخ: “يقولون: إن روعة الإنسان ليست في ما يملكه بل هي في ما يمنحه . ويقولون: حيث توجد الإرادة توجد دائماً طريقة للتعبير. ويقولون أيضاً: الحياة بدون أحلام كحديقة من دون زهور. عزيزتي كلود، أنت صادقة في الكتابة عن المحبة والحب، وأنت أمينة في وصف مشاعر الحبّ وأحاسيسه… لقد أبدعتِ بتعداد مشاعرك ولم تتلوني لنيل إعجاب الآخرين وإرضائهم. لق د تميزت بوصف الأسرار الكامنة وراء طموح ونجاح الحب وأحلامه وأهداف الحب المباشرة، والارتقاء به، وبقدرات الحب الكبيرة في تطوير الذات واكتشافه المستمر للآخر وتقديمه للبدائل… كنت راقية ليس فقط في وصف الحب والرقي به، إنما أيضاً بقدرته على المغفرة والتقدير والانحناء أمام عطاءات الآخرين”.
    وقال الأب الرئيس أيضاً: “يا كلود، في كتابك “كلمات من أعماق الحب” عبّرت عما تعنين وتشعرين وأنت مدرسة للكلام عن مسيرة الحب، والذي معدنه من ذهب يبقى دائماً ذهباً”. وبعد أن استعرض الأب الفرخ بعض القيم التي اختارها من الكتاب، قال: “يا كلود أنت إنسانة مؤمنة راقية وحساسة ولست إعلامية ولا أديبة بل أنت مرجع في الجب. لقد تعلمنا أن الإيمان والحب والتفاعل والعطاء والإيجابية هي القوى الفاعلة في الحياة”. وختم الأب الرئيس بالتمني بأن تتابع كلود مسيرتها في العطاء والمحبة وقال: نرى فيك الوجه الحقيقي والقلب الحقيقي. الرب يرعاك”.
    الكلمة التالية كانت لراعي الجلسه المجلس الأسترالي اللبناني تلقيها أمينة السر المحامية الأستاذة نضال حمزة، التي هنات كلود وأعربت عن سرور المجلس برعاية هذه الجلسة والمناسبات الثقافية، وألقت كلمة الناقد والأديب الجزائري ابراهيم مشارة التي ناقش فيها نصاً لكلود ناصيف حرب بعنوان “أيها البعيد القريب”، وعنوَن الناقد مشارة مطالعته بـ “بوح شهرزاد”، وفي ما يأتي كلمة مشارة
    “في نصّ الشاعرة كلود ناصيف حرب (أيُّها البعيدُ القريب) والذي تنطلق فيه من عَتَبة نَصّية قِوامُها الثنائية الضدّية: القُرب والبُعد، لتصلَ عَبرَ لغةٍ شفافة، لغةِ بَوحٍ لامرأةٍ فتـَنها الحبُّ من رأسها إلى أخمص قدَميها (أنت قمري أنت لي وطن) لكنّها امرأةٌ تحتفظُ في أعماقها بكبرياءِ شِهرزاد. وتتطامَنُ أنوثتُها كمَيسم الزهرة، لتنفَحَنا بأريجِها عَبرَ قصائدِها التي تحتفي فيها بحبِّها… بمشاعرِها بقلبِها(أسمعُ صوتـَك يختالُ بهدوءٍ في أذني/ تنبُتُ قصيدةٌ فوق شفتي)إنها لا تكتفي بالحبِّ كتجربةٍ ذاتيةٍ تحياها لوحدِها، ولكنّها تعيدُ إنتاجَها جماليا، عَبرَ مضامينَ شعرية تتجاوزُ التجربةَ النمطيةَ الكلاسيكيةَ لشاعراتِ العالم العربي في القرنِ السالف، فالقصيدةُ تَنبُتُ بين شفتيها، فهي تُربةُ عِشقٍ وبوحٍ لا اصطناعَ فيها. القصيدةُ كائنة ٌ سلفا وحضورُ الحبيب ِ إرهاصٌ بميلادها، بوحٌ شِهرزاديٌّ طَوّرَ أدواتِه الفنية وصقلَ تجربتَه الذاتية وكرَّسَ الحضورَ الأنثويَّ لا كظل، ولكن كهُويةٍ مستقلةٍ ذاتِ كينونةٍ متفرِّدة مُعادِلة تماماً للتجربةِ الذُّكورية ومتجاوِزة لها في أحايين، وفي هذا النصِّ تحديدا تنْبجِسُ موسيقى داخلية تتعاقبُ فيها موجاتٌ هادئةٌ تُحيل على تجربةِ العِشقِ والانتظار واللهفةِ والحنين: (برفقٍ يتسللُ قلبي إلى صندوق بريدِك/ كلصٍّ تُصيبه الفوضى/يسرُق من حروفِك قصائدَه/ويتركُ مثلما يتركُ اللصُّ خلفَه/ يتركُ لهفته)إنها التجربةُ الأنثويةُ الفاعلة -لا المفعول بها- كمّا عوّدتْنا التجاربُ الكلاسيكية. هذه التجربة التي يكونُ فيها الاندِغامُ في العِشق يُعطي لشِهرزادَ كينونتَها المُعبِّرة المُفصحِة عن ذاتِها الفاعلة المُنتجة لرؤيتِها للحُب (حضورُك يحرِّضُني على الحب /يا لكثرةِ حديثِك الصامت/سأقولُ الآن تذوقتُ طعمَ القصيدة)، والشاعرةُ تعي جيدا تجربتها إنها خُلقت لتُحب وتُحَب. والبُعدُ الفيزيائي مهما كان كبيرا فهو على ميناءِ القلب لا على ميناءِ الساعة، مقدارُ عناق. انظرْ كيف تُحرّضُ الشاعرةُ الحبيبَ على الحبِّ والوصال، لا عَبر أدواتِ التحضيضِ والعَرض النحْوية، ولكن عَبرَ هذه المُفارقة الزمنية بين ميناء القلب وميناء الساعة؟ موسيقى داخلية تنبجسُ من بين الكلماتِ كما ينبجسُ الماء من النبع، ولغةُ بَوح شفافة ذاتية تُكرّسُ حضورا ذاتيا رؤيويا لنظرة شِهرزاد للحب، يَتجاوزُ التجاربَ السالفة َ للمرأةِ وهي في طريقها إلى مزيدٍ من النُّضج والاستواء، كما يتجلى لي من خلالِ متابعتي لها عَبر “أفكار اغترابية”.
    بعد كلمة الناقد مشارة ألقت الأديبة كلود ناصيف خرب نصاً من نصوص كتابها بعنوان “بعد سماع صوتك”، على أنغام الأورغ بأنامل الأب إيلي رحمه الذي رافق الجلسة من بدايتها إلى ختامها، وأضفى جواً راقياً وجميلاً عليها، ثم رتلت الراهبة لينا “يا مريم البكر فقت الشمس والقمرا” بصوتها الملائكي. وكانت بعدها كلمة لنادي الشرق لحوار الحضارات – سيدني، راعي الحفل، ألقاها الرئيس جوزيف سكر، الذي قال: “يسعدني بما أمثل ومَن أمثل في نادي الشرق لحوار الحضارات – مجلس أمناء سيدني أن يكون هذا الحدث الثقافي الفكري برعاية نادي الشرق، فالإعلامية والكاتبة كلود ناصيف حرب قدمت مؤلفات أدبية طغى عليها طابع الحب العذري الذي يربط الإنسان بالإنسان، على مبدأ الشفافية والمصارحة والخيال النير الذي يستمد قدرته وصوابيته من علاقة الإنسان بالله وما ينتج عن هذه العلاقة”. وقدم الأستاذ سكّر نبذة عن تأسيس نادي الشرق لحوار الحضارات، وأهدافه والقيم التي يسعى إلى تحقيقها
    وأثناء التقديم أوضح الدكتور جميل الدويهي بضع حقائق “لمن يهمهم الأمر”، هي أن أفكار اغترابية لا يخلق مبدعين وأدباء فالله هو الذي يخلق. وأفكار اغترابية لا يطبع كتب كلود على نفقته، بل هي التي تطبع وتتكفل بكل أعباء الطباعة. وكلود رفضت لتواضعها أن تسمي نفسها شاعرة كما يفعل الكثيرون ممن يستسهلون الشعر فيحولون النثر إلى حالة شعرية، وإطلاق تسمية أديبة عليها كان لهذا السبب، وليس هناك تسمية أخرى يمكن أن تطلق عليها باعتبار أن تسمية كاتبة لا تطلق على العاملين في الأدب بل على العاملين في حقل الكتابة الجافة ككتابة الصحافة والتاريخ والعلوم. ووجه الدويهي نصيحة إلى كلود بأن لا تلتفت إلى الوراء ولا تسمع إلا صوت ضميرها، وقال: سيظل الصراع قائماً إلى الأبد بين الوردة والشوكة، ولكن ليس من أحد يزيّن عنق حبيبته أو صدرها بشوكة بل يزينهما بوردة. وروى الدويهي أنه كان ذات يوم في عمله في الجريدة فوصلته 6 نصوص بالتتابع من كلود في غضون ساعتين أو ثلاث ساعات، فتعجب واستوضح عن الأمر، فعلم أن الصديق سايمون حرب طلب من كلود أن تجلس في المحل الذي يملكه وتنهي كتابها الجديد، وهذه شهادة من جميل وسايمون معاً، “فلا تلتفتي يا كلود إلا إلى الأمام ، فالكلام في غير محله يبقى في غير محله وأنت مبدعة وأديبة ونحن معك والله معك”. ووزع الدويهي على الحضور مطالعته المطبوعة لنص بعنوان “كيف لا أحن إليك؟” للأديبة حرب، توفيرًا للوقت ولإفساح المجال أمام المتكلمين. وفي ما يأتي كلمة الدويهي:
    كلود ناصيف حرب والحنين: التعبير يخرج من العينين في قدسيّة اسمها الصمت (جولة في نصّ “كيف لا أحنّ إليك؟” بقلم د. جميل الدويهي)
    لا نكاد نعثر على نصّ لكلود ناصيف حرب لا نجد فيه لفظة “حنين”. وحنين كلود التي جاءت من باب الإعلام إلى الأدب هو تعبير عن شعور حقيقيّ ونبيل وصادق. وبصفتي من محبّي كتابات هذه المرأة المشاغبة في حنينها، الراقية في تعاطيها مع الناس، الرقيقة في انتقائها لمفرداتها، أجد نفسي متتبّعاً لنصوصها، وأقرأها بشغف، فهي ذات لغة خاصّة. صحيح أنّها لا تدّعي الأدب، وليست في مستوى جبران وسعيد عقل ونزار قباني وغوته وموليير، لكنّها لا تيئس، وهذا ما يغبطني في شخصيّتها، وتلاحق الأمل والحلم، حتّى بات العديد يريدون اللحاق بها ومعرفة السرّ الذي استطاعت من خلاله أن تقتحم عالم الأدب وتثبت نفسها في كتاب صغير، أنيق، ليست فيه رموز كثيرة ولا سوريالية معقّدة، بل لغة واقعية عذبة تتسلل من بين الضلوع إلى القلب. ولكن هذه البساطة لا تعني السطحية، بل بساطة صعبة، ولا يستطيع أن يعرف أسرارها إلا القليلون، وخصوصاً أولئك الذين تعوّدوا أن ينفذوا إلى الروح الداخليّة، ويفهموا تعابيرها ومكنوناتها. فما أجمل هذه البساطة في قول كلود: “أكره حين أصمت فتخرج الكلمات من عينيّ، فالصمت أحياناً يأتي بمعنى ويحتاج إلى الإصغاء..”. لا يمكن لأحد مهما كان أكاديمياً صارماً، أو متكابراً، أن يغض الطرف عن جمالية هذه الكلمات القليلة. حبّات من اللؤلؤ كانت مهملة، فجمعتها كلود في عقد صغير، أو سوار يلتف على اليد، فيطيب إليه النظر. التعبير يخرج من العينين، في قدسيّة اسمها الصمت… والنص “كيف لا أحنّ إليك؟” من كتاب “كلمات من أعماق الحبّ” يختصر عالم الشوق، فلا حبّ من غير حنين إلى اللقاء، ولو كان لقاء يمتنع. وفي ظنّي أن كلود من الناس الذين يعتنقون حبّ الروح لأنه خالد وأنيق. وحبّ الروح يصرخ به الصادقون والمترفّعون عن النزوات والمادّة: “أحتاج إليك ولا أستطيع الاعتراف بذلك… مغرمة أنا بعالمي الخاصّ هدوئي… صمتي… ضجيج قلبي… فعالمي لا يفهمه أحد سواي أنا”! ولست أدري، في هذا النصّ تحديداً، إذا كانت كلود من الذين يتقنون التمثيل في الأدب، فتتخيّل وتكتب… أو هي تقول الحقيقة عن نفسها. قد تكون أحبّت حقيقة أو تصوّرت مَن تحبّه، لكن هذا الحبّ من نوع آخر، عصيّ على التصديق…حيث تتوحّد فيه الذات مع الحبيب الغائب، وكأن الغياب هو حضور أيضاً، والتعبير يمتنع أن يصدر عن فم امرأة تدور حول نفسها وتدور من الحيرة، بحيث أنها لا تجد الكلمات التي تصوّر بها حبها، فتكتفي بالقول: “كلّ كلمات الدنيا لا تملأ الفراغ حين تغيب عن عينيّ” . إن التحليل النفسي لشخصية كلود ناصيف حرب في قصيدة “كيف لا أحنّ إليك؟” لهو صعب جداً، لأنّ صاحبته شخصيّة نادرة، تعشق وتحنّ من بعيد، ليصبح الحب في درجة الألم… وتريد في لحظة غضب من نفسها أن تعيش بلا قلب لكي تنجو من العذاب والحنين المتمادي: “في أوقات كثيرة نرغب في العيش بلا قلب، فالإحساس أصبح يؤلم جدّاً”. ويتصاعد النص في لهجة راقية، مدهشة، تفاجئ المتلقي بمجموعة من التناقضات والمواقف المتعارضة: “أيقنت بأنّك حلم، وحلمتُ بأنّك واقع… أنا لا ألومك على الغياب، ولكن ألوم نفسي على الانتظار”. في كلمات قليلة يتم كل شيء: يتم الحلم، والواقع، والغياب وانتظار طويل… والسؤال هنا: لماذا يكون الحلم بديلاً عن الواقع ويكون الانتظار بديلاً عن الغياب؟ التحليل ذاته يؤكد أن كلود تعيش في وضع التعذيب الذاتي من أجل أن يبقى الحبّ ولا يزول، والتعذيب للنفس هنا ليس مازوشياً masochist ، أي بهدف جذب اهتمام الآخرين والحصول على عطفهم بأي ثمن، لكنه تحمّل من نوع آخر، صوفيّة، وترفّع وصبر… فالهوى الجسدي سرعان ما يتلاشى، والحبّ الروحي هو الأبقى والأنقى. فلتعِش هي الحلم كتعويض عن واقع تخشى أن يصيبه الموت، ولتنتظر إلى ما شاء الله في محطة الوجود لصورة، لخيال، لرجل تحبّه وتحنّ إليه، لكنّه في الغياب يبقى وفي الحضور يتوارى… وما أجمله من تصاعد في الفكرة قول كلود: “نادوا باسمك فالتفت قلبي”، وهنا أحكّم الشعراء والنقّاد والمنتقدين وأسألهم بضمير أدبي: أليس هذا بربّكم من أجمل ما سمعتم من التعبير؟ أغار منكِ يا كلود، لأنّ هذا الكلام لك ولا تسمحين لي بسرقته… بحروف قليلة قليلة أشعلت ناراً على سطر وأحرقت كل المفاهيم الجامدة، وأعلنت من قلب النار أنّ الأدب حريّة… وأنّ الإبداع لا ينحصر بمقاييس وأزمنة، وأن لا حاجة للمبدع إلى أن يكتب كثيراً، فكلمة منه قد تغيّر وتُخيّل وتأخذنا إلى عالم بعيد وعميق. وعرسُك الأدبيّ كنتُ فيه أنا من المغامرين لا المقامرين، من المؤمنين لا المشكّكين، من الفرحين لا المتفارحين… لأنني أؤمن بقدرتك… وكثيرون بعد هذا العرس حزموا أمورهم وقرّروا أن تكون لهم أعراس، وكم جميل أن تحرّكي البحيرة الراكدة بصدى من كتاب أخضر هو كالربيع، كابتسامة الخلود. ثم تقولين وتقولين: “على توقيت ابتسامتكَ يضبط الياسمين موعد انتشار العطر”… أهذا من كلام بشر أم من كلام إلهة من عصور قديمة؟ إنّ فينوس في سحرها وجلالها حين سمعتك تقولينه، فرّت على غير هدى واعترفت بأنها خرساء باردة ولا تعرف كيف تحبّ… كما اعترفتْ بأنها لم تمنح أحداً حقّ التجول في تفاصيلها، كما منحتِ أنت ذلك الحبيب الخفيّ الذي تحنين إليه في كل مساء… وعند إشراقة كلّ صباح… فألف تحيّة لحنينك الساهر لأنّه سيّد الكلام… ورقيق كما كأس مترعة بالخمرة الطيّبة.
    الأستاذة مريم رعيدي الدويهي ألقت أثناء الجلسة كلمة الأديبة الأستاذة رنده رفعت شرارة – كندا التي عالجت نص “هكذا أنتظرك” لكلود ناصيف حرب. وفي ما يأتي نص الأديبة شرارة:
    “كأنني معَها على سفر سفرٌ صامتٌ يلامسُ دهشةَ الكلام دونَ كلام. رسالةٌ معتقةٌ كنبيذِ الكروم، تجوبُ الدّنيا وتسكنُ “حقيبةَ سفرٍ” ملؤها الحنين، تغدو كلود، أمرأةَ الشوقِ، تلبسُ الانتظار َشالاً وثوبا، وتنظرُ إلى أصابعِها متلهفةً، علَّ احدها يشيرُ إلى طيفٍ عائدٍ من خلفِ بابِ الرحيل وتغدو هي فراشةُ الاحتراقِ التي تدورُ حولَ نورِ مصباحٍ في ليلٍ طويلٍ طويل شفافةٌ هي كمرآة، تُدركُ ان لا حولَ ولا قوّةَ لانتظارِها سوى السكتِ العميقِ الذي لا تكادُ تُسمعُ حتى أنفاسِهِ، فالمشهدُ أكبرُ من قصةِ رحيلٍ ورحلةِ انتظار، بل هي قرارُ قلبٍ عاهدَ نفسَهُ أن يعيشَ الحبَّ رغمَ كُلّ لوعتِه، ويرى أن َّفي عذابِ هذا الحبِّ لذةّ لا ندركُها الا عند َاللقاء هل هي قصيدةٌ في منتهى الرومانسية ِفقط، ام أنّها قصةٌ مكتملةُ العناصر عنوانُها ” وهكذا انتظرك” حاضرٌ ليقولَ لنا: هذهِ تفاصيلُ انتظاري لك ويأتي صلبُ الموضوعِ ليشرحَ تفاصيلَ ليلِ العاشقين، الباكي بصمتٍ، والذي يمضي وقتَهُ في كتابةِ رسالةٍ يودعُها بريدَ القلب، وتنتهي الحبكةُ الجميلةُ باعترافٍ واضحٍ، أن كُلَّ لحظاتِ الزمنِ “المتمثلةِ برمز ِالأصابعِ العشرة” لا تكفي لتُعلنَ الاعترافَ الصريحَ بأن “رجُلَ الرحيلِ” هذا… هو وحدهُ القصيدةَ، هو وحدهُ الحياة كلود ناصيف حرب، قصةٌ في قصيدة، وفراشةُ ليلٍ لا ينامُ حلمها أبدا كلود ناصيف حرب، من مونتريال – كندا، إلى سيدني استراليا، لكِ وللصديق الأديب الشاعر د. جميل الدويهي كُلَّ احترامٍ وتقدير”.
    وبعد الاستاذة الدويهي ألقى الشاعر د. مروان كساب “قلعة تنورين”، مطالعة عن كتاب كلود، في ما يأتي نصها: “كلود ناصيف حرب شاعرة اعتصرت خمرة شعرها الإنساني من عناقيد الوجع والحرمان، لتسطر قصيدتها الثائرة في حبر اللوعة والمعاناة على قرطاس الديمومة والبقاء. أرى في شعرها عوالم متعددة ومعالم مختلفة في حين أن خواطرها الشعرية تتأرجح بين عالمين هما العاطفة والخيال اللذان يعزفان على أوتار المجهول وتمتمات المدى المثقل بالآهات، لتبقى شاعرتنا المبدعة خارج الزمان والمكان. تتوكأ على الواقعية بدعامة الخيال، إذ إني تارة أرى في أسلوبها الصبغة العلمية الملتصقة بالقواعد الطبيعية الثابتة، وطوراً أراها الشاعرة المحلقة التي لا يقرّ لها قرار ولا أجد محطات لطيرانها الماسك بأجنحة الغيوم، وهي تطارد الغيب بأحلامها الخضراء، ورؤاها المسحورة بجذوة الانتظار على شطآن المستحيل… ديوانها الوارد تحت عنوان “كلمات من أعماق الحب” هو برأيي المتواضع أكثر من ديوان، لا بل كل قصيدة فيه تنطوي على ديوان كيلا نقول أكثر. قصائدها تنبع من فؤادها المعذب والسعيد في آن معاً، من عذاب الحبّ والأحباء، ففي حبها تعيش قصيدتها مزودة بنقيض الحياة، حيث الجرح والبلسم يلتقيان في عرس المواعيد اللاهفة إلى معانقة الأحلام والبكاء على أطلال الذكريات الراتعة في صومعة الاحساس والحنين. أوزان قصائدها مستنزفة من بحّة الجداول الرقراقة في وادي السكينة المتشحة بوشاح العبقرية والإلهام، بحيث إزاء هذه الشاعرة وحيال هذا الديوان أجد نفسي بصحبة قصيدة من قصائدهاالرنانة، ألا وهي القصيدة التي تحمل هذا العنوان “ثاني أوكسيد الحنين”. يطالعني أول ما يطالعني في هذه القصيدة عنوانها الذي يحمل في ثناياه عالمين متناقضين قد يستحيل الجمع بينهما، إلا أن شاعرتنا كلود استطاعت بما أوتي لها من عبقرية خلاقة وتألق في الإبداع أن تقارب هذين العالمين بريشة خيالها الرمزي وعاطفتها الرومانسية، فبات ثاني أوكسيد الحنين هذا الثاني أوكسيد المركب الكيميائي من الأوكسجين والكربون، وهو العنصر الملازم لاستمرار الحياة، مما أوحى للشاعرة أن تقرن الحنين هذا الحافز الحيوي، وهذا ما يدل الدلالة الواضحة على أن الشاعرة العظيمة كلود ناصيف حرب تسعى السعي الحثيث في قصائدها الوجدانية إلى إلصاق مشاعرها وتجسيد خواطرها في الواقع البشري، اعتقاداً منها بأن الواقعية هي المرآة الصافية التي تتجلى على صفائها مصداقية الشاعر وشفافية الصورة الشعرية، فضلاً عن أن ثقافة هذه الشاعرة في الأدب والشعر، أكاد ـأقول وبدون مغالاة، هي عميقة وعميقة بمقدار ما أوحي إليها أيضاً في إطلاق عنوان ديوانها “كلمات من أعماق الحبّ”، مزدانة بأجمل الألوان وأبهى الأضواء، فعلى البساطة أحياناً تتجلى الصور الرائعة بما يذكرنا بالمقولة الفرنسية: La simplicite fait la beaute البساطة في الكتابة هي الجمال بعينه، وكم هي عظيمة شاعرتنا حقاً عندما تنبري في أحد الأبيات في هذه القصيدة لتقول ما حرفيته: “قد تسكن قصراً وتضيق بك الحياة، وقد تسكن كهفاً ويشرح الله صدرك، قد تكون أبيض ويحتلّك السواد، وقد تكون أسود ويشعّ منك النور”. لله ما أروع هكذا تصاوير، وما أشفّ هكذا تعابير! مما يجعلني أقول: إن شاعرتنا في عطائها الشعري هذا تضفي على القلوب الكالحة بسمة الرجاء، وتضمّد الجراح ببلسم الحنان، وتغسل الأحقاد بدمعة الحنين، وبالأحرى إنها تنحت في خواطرها الإبداعية الرجاء من اليأس، والبسمة من البكاء، والحياة من الفناء. وإذا كان لي أن أسبغ على شعرها الجذاب صفة خاصة به، فإنه يصنّف في إطار الشعر الوجداني المتسم بطابع الديداكتيك Dedactic Poetry أي الشعر التعليمي والتثقيفي، مما يصح بها القول إنها في هذا الديوان الشعري وفي هذه القصيدة يالذات تطل علينا الشاعرة كلود بإطلالتها الملائكية، حاملة على أجنحتها الذهبية رسالة السماء إلى الأرض، لترتفع بالأرض إلى السماء، بفضل جناحيها الذهبيين، ألا وهما العاطفة والخيال، وقد أبدعت من خلالهما إبداعا خارقاً، وقلّما يقيّض للشعر وللشعراء أن يؤتى له ولهم بمثل هذه الأناقة الجمالية وهذه الرشاقة السحرية في الأدب الشعري الخالد”. ”
    بعد الدكتور مروان كساب كانت كلمة الناقد والأديب سليمان يوسف ابراهيم عنايا – لبنان، عن نص “يهمس لي”، ألقتها الأستاذة جمانة منزلجي الجمل من المجلس الأسترالي اللبناني، هذا نصها:
    “تحيّةٌ وسلام، دعاني العزيز د. جميل للمشاركة بما يُبهجني، عنيتُ المُشاركة بهذه الجلسة الحواريّة حول باكورة فكر العزيزة كلود ناصيف حرب، وإنْ من خلف بحار، فلبَّيتُ جذلانًا مُغتبطًا؛ والأملُ يحدوني بأن أملأ المكان والمكانة التي أَفردتموها لي في موقع لقائكُم والقلوب. أَمّا بعدُ، أَقفُ معكم هذا المساء الفَرِح إِزاءَ “يهمسُ لي”: وهي مقطوعةٌ من نسجِ نِياط القلب، حفظتْها الأديبة بين دفّتَي “أَعماق الحُبّ” لأسوح معها بحلم حنينٍ، يحمل قارئَها كما حمَلَها،خلفَ ملاحقة حبيبها عبر لوحاتٍ من صفحات العُمر في كافّة مراحله، رسمتها لوحاتِ لقاءٍ بنضح كلماتٍ من حبرها الصّادق همسًا وبوحًا،سرًّا وجَهارًا. حبيبةٌ لم يطوِ الزّمن أَلقَ حبِّها بل لا زال معششًا في صدرها يضجُّ توهُّجًا إِزاء أيّ همسة حُبٍّ من حبيبها، كأنِّي بها تقف على أَعتاب الهمسة البكر أَمِ اللّمسة البكر، مُتمتمًا في خُلدِها: “أُحبُّكِ!”.وها الكاتبةُ في موضعٍ آخر،تجدُ نفسها نزيلة سجنٍ فسيح المدى…ما نبْضُ لحظةً، إلاّ لينهدَ لها اعترافًا بحبٍّ مَكين! وهي، تُبادلُه الهمسَ بترياق مُوافقةٍ لا ينضَبُ لها مَعين: “حيثُ تكونُ أ!كون!”. فتواتُرُ الإحساس بينَهما،أَحالَ البوحَ مِهرجانَ وَلَهٍ مُقيمٍ، ما دام للدّهر عيونٌ. وإن غاب عن ناظرَيها الحبيبُ، تُمعنُ تمسُّكًا بأهداب ذكراه، وتسجُنُها طيَّ قضبان حاضرها، وكأني به يبثُّ أَوراقَها بلُهاثِه ،فتقرأُ حضورَهُ فيها فوق شفتَيّ الإنتظار، قارئةً صُبحَ عودتِه مع أنّهُ مُقيمٌ بها، لم يبرَحْ ملاعبَ كيانِها… فحبيبُها، ساعٍ أَبدًا في حقولِ الحياة،: شمسُ الكفاحِ تكوي هامته في سبيل رضاها .وهو، هائمٌ في شِعاب الإنتظار، علّه يقطفُ كُرمى لعينيها عن غصونِ الأيّام حلوى الثَّمر ونفناف المُنى، بما يليق بابتسامِ رضاها والقبول! هي التي يُشرِقُ في بال وجدانها، صوتُ حبيبها المعلّق على جدران ذاكرتها؛ فتوصِد دون عذوبةِ رنينه سِجن صدرها، كيما في قلبها يُقيم! ضحكةُ الحبيب غدَت لقلبها نهرَ ابتسامٍ يستحيلُ حبرًا مُضيئًا يشعُّ بمَسِيله ديوانُ شِعرها بفيض شعورٍ دفّاق! وعند افتراقهما والبُعاد لم تعُد تحتفظ إِلاّ بحنين هدّارٍ إلى زمنٍ انقضى ولم يعُد لها منه سوى مِعطفٍ من ذكريات تدفأ إليه حين يدهم موئل الحبيب شوقًا يقضّ مضجَع الرّوح إلى دهرٍ من هناءٍ، مرّ بها سويعاتٍ، راحت تظلِّلُ برائحة حضور الحبيب كِيانها، وكأنّه يُحاذيها بعدُ! فحبيبها، هو العاصفةُ والمطرُ والمظلّةُ من غيمةٍ حُبلى بماء شوقٍ وفيضِ هُيامٍ لا تريدُ معه أن تستظلَّ من دفق الحنين إليه، مُشتهيةً البلل بانتظار عودته!! أمّا هي، فليست سوى الحبيبة المتراجعة طُهرًا ونقاءً إلى معاقل طفولتها، تلهو بجدائل أحلامِها وتداعبُ تلك القسَمات البريئة، ترسُم بخطوطِها حَكايا حبّها على مرآةِ العمر بعطر الياسمين!! فالكاتبةُ، لا تخشى الإعترافَ بأنَّ قلبَها دفع بها لإهمال عقلها؛ وسوقِها على درب القمر بجنون العاشقة! سعيًا خلف قِطافِ بهاءٍ فيه بعضُ سِماتِ الحبيب، تلهوحتّى حلولِ أوانِ العودة… لأنَّها مع حبيبِها، تحيا جَذلانةً خارجَ الزّمان، فحبُّها له حبٌّ متّصل لا يحُدّ ُنبْض قلبها فيه توقيتٌ! فهي، لا يربطُها بالوقت، سوى سَماعها لدقّات قلبِها طربًا كلّما حظيت برسالةٍ تتهجّى في ختامها اسمَ حبيبها، الذي لم تعُد تفقه من الأبجديّة سوى حروفِه! ولكن، كم رائعةٌ صحوتُها حين ذكّرت حبيبَها بأنّها امرأةٌ مثقّفة وعلى سِعةِ علمٍ، ومن كانت على هذا القدْر وفي تلك المرتبة، لا خوفَ عليها من أن يغتالَها تِنّين الحبّ! سيبقى صوتُ العقل فيها، كصوتِ الضّمير أَعلى، وينقذُها من براثن الضّاع!! ولأستعِدْ قولَها معكم بحرفيّته، لشدّةِ وقعِه: “امرأةٌ تقرأ،/ وحدُها تعرفُ من أينَ يؤكلُ الحرفُ!!”. وبالتّالي فهي مُخلصةُ في حبِّها إلى أن يحينَ الخلاص! بَدءًا ببقائه ملامساتِ الحبيب كالوشمِ في عُنُقِها وكدَين إِخلاصٍ له، حتّى استذكارِ ما يدورُ بينهما من وشائجِ الحديثِ من خواطرَ يسافرُ قلبُها إليه من خلالِها في كلّ لحظةٍ وهُنيهة!فحبيبُها يمثّلُ في حياتها كلَّ مظاهر الجمال، ويغتسلُ صوتُها بعطر الورود كلّما تهجّى قلبُها قبل اللِّسان اسمَهُ، فتغدو قصيدتُها له فعلَ تبتُّلٍ وصلاة!! وصْلاً إلى اللّون الأسود الّذي يستحيلُ مع امرأةٍ مُحبّةٍ، حبيبةٍ ومحبوبةٍ رمزًا للغِبطةٍ والفرح بعد أن عرَفه الإنسانُ منذ زمنٍ أزل، شارةً للحزن وسِمةً للحِداد؛ فيستحيلُ قميصُ الحبيب الأسود معها حُقَّ كُحلٍ يُبرز فرحةَ عينيها وبهاءَ الطّلة كلما رنَت إليه مُتأمِّلةً!! كما وأنَّ حروفَ اسمِ حبيبها تغدو إكسيرًا يُعيدُ للورقِ حياته، بعد أن استحالَ حبُّها حيًّا به الورق!! آهٍ من حِلمِكِ كلود ناصيف حرب! ومن غوايةِ أطيافه جميعِها؛ حيثُ بتُّ مثلَك تدغدغُ مخيِّلتي جميعُ رؤآه،ولا أودُّ منه صحوةً!!وعرَفتُ أيضًا أنَّ حُبَّكِ لا بديل عنه وقد تخيَّرتِه بعد تبصُّرٍ: إن كان حبيبُكِ من لحمٍ ودمٍ فهنيئًا لقلبِه مُحبّتُه ومحبوبتُه بإقامتِها والسُّكنى؛ وإن كان من نسجِ خيالٍ على نَول التّمني، فيا طوباكِ من أميرةٍ تبتَّلت الحُبَّ شهقاتٍ، زفراتٍ وطولَ أناة. كلود ناصيف حرب، امرأةٌ تكتبُ بدمِ القلب ولُهاث الرّوح، فتتضوّعُ كلماتُها بعبيرِ أدبٍ صادق النّبض، منغمسٍ برومنسيّةٍ رقيقةٍ شقيقةٍ، يعلو منسوب موجها ليغمر قلوب ونفوس قرّائها، بغَمرٍ من دمعٍ حُلو المذاق كدمع العذراء يوم بَكت وحيدَها!! تحيّةٌ من القلب إِليك صديقة كلود، وإلى إخوةٍ يُلحُّون طرقًا على باب التّمني: أنْ باللّهِ عليك، فليكن لنا معكِ بعدَ هذا الكتاب الباكورةِ” لقاءٌ، حولَ عِمادة ِ مولودٍ فكريٍّ جديد. ”
    وبعد السيدة منزلجي قرأ الدويهي مطالعة نقدية للأكاديمي الدكتور عصام حوراني – بيروت، بعنوان “كلود ناصيف حرب – وبحر من الذكريات والأشواق والحنين”، وفي ما يأتي نصها:
    “أيّها الحبّ! ما أعظمك وأنت تشعشع في زوايا النفس، وتشمخ في أعماقنا المضطربة، فتعيد إلى الرّوح السكينة والضياء، وتبعث في الرّوح الحياة النقيّة، فتصقل النفسَ وتعركها وتطحنها خبزًا سرمديًا يُقدَّم ساخنًا على موائد الغرام العامرة في زوايا المعمورة. الحبّ أنتَ يا غذاء الرّوح التائهة في عوالم خفيّة، فهو لا يعرف صخب المعامل والأسواق، وضجيج المصانع والنفاق، وموائد الصيارفة. الحبّ يسمو بنقاوته وطهره ويُحلِّق مع كلود ناصيف حرب بأجنحة من خيال عذبٍ راقٍ. سلام لكِ يا شاعرتنا الراقية كلود، وأنتِ تُبحرين بين أمواج المحيط الأزرق، تتقاذفكِ الذكريات، فتتصاعدين تائهة مع كلّ جَزْرٍ ومدٍّ، مع الأنواء والأعاصير التي ترميكِ على شواطئ أستراليا فتاة أليساريّة فينيقيّة ما زالت عاشقة لبحر الرّوم الأبيض. تطوِّفين في غير مراح، والسفرُ معكِ يا قبطانة الشعر والقوافي جميل ومريح، ومن حولكِ عرائس الضّاد ومهرجانات الأدب، تحملين معك جبال لبنان وسهل البقاع بكلّ كِبر وشموخ. والرّيح تعصف بالأشواق والحنين، وأنتِ صاغرة هائمة بين قراصنة من جبل الأحزان والرياح، ولسان حالك يُردِّد: “أريد أن أقوى عليها بكَ… أيّها الحبُّ… أيّها الحنين…أريد أن أنتصر… أريد أن أرتدي كلّ ألوان الفرح…كلّ الأماني… وكلّ الأحلام…”. الحبّ هو الخيال التائه في بحورٍ من العشق والهيام، هو الإبحار في عالمٍ الغرباء، حيثُ ضاعت المجاديف، ولم يبقَ إلّا قبس نوركَ يوجّهني من بعيد، يهديني إلى طريق الحبّ، وأسمعكِ يا شاعرتنا تنادين الشوقَ والحنينَ من خلف المحيط الهندي، من خلف بحور تيمور وأرمورا وكورال: هل تعلم كم سافرَتْ صلواتي وراءَ البحار؟أبحرتُ على كلّ الشواطئأفتِّشُ عن جزيرةِ حبّلا يسكنها إلّا الأنقياء والأوفياءوأعلم أنّ الحياةَ مثلُ المحيطِ الأزرق،نسافرُ فيه إلى ما لا نهاية،ولا يبقى لدينا شيءسوى بعض الذكريات… الحبّ لدى شاعرتنا هو الشوق والحنين، فعندما يبتعد الحبيبُ، تشعر بدفء خياله، وتشعر بأنّه في قلبها، يسكنه بفرح وسكينة… فنسمعها تخاطب الحبيب الذي يتساءل عمّا إذا كان الحبُّ والشوق ما زالا في قلبها أم أنّهما غادرا القلب ورحلا مع فراشات الرّبيع على بساط الرّيح الذي حاكت كلود خيوطه من “دقائق أوقاتِ الانتظار”: “فهل تعلم أنّنيﻓﻲ غياﺑكَ…ﺟﻠﺴﺖُ ﺃﺧﻴﻂُ ﺩﻗﺎﺋﻖَ ﺍﻟﻮﻗﺖِﺑخيوط ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ،ﻟﻳﻜﺘﻤﻞَ ﺛﻮﺏُ الانتظار؟” الحبّ مسكنه القلب، وهو شعور غريب يؤاتي الأحبّة، ولا يعرفون كنه أسراره، هو شعورٌ داخليٌّ عميق، لا يعرف لذَاتِهِ ولا يُعانيه سوى أهل الانخطاف والشطحات، وهو أغلى ما لدى المحبّ، وقد قال شوقي: وعندي الهوى موصُوفه لا صفاته…. إذا سألوني ما الهوى؟ قلتُ: ما بيا؟ نعم، وكما قال أيضًا:”ومَنْ يَهوَ لا يُؤثر على الحبِّ غاليا”. وكلود ناصيف حرب تترك الدنيا وما فيها، وتعدو خلف مراح الحبيب، حيث الفرح الكليّ، هناك تمكث في جزيرة الحبّ المنعزلة المتقوقعة في البحر الأدرياتيكي، أم في بحور أستراليا أم في بحر الحبّ الطاهر النقيّ في قلب المحبّ: “فهيّا معي لنذهبْ إلى جزيرةِ الكنزِ المفقود…هو في داخل قلبي وقلبك…هناكَ نسكنُ في جزيرةِ الحبِّ والحنين”. ما أبهاكِ يا شاعرتنا وأنتِ قد غمستِ ريشة قلمكِ في قمقم عطرٍ، من عند عبْقر، ولقد قدّمتِ نفثاتِ شعركِ عطرًا، فأعطيتِ من كلماتك نضحًا طيِّب الأعراف، وجاءت معانيك مخضَّبة بألوان الفجر الليلكي، وحمرة الشفق. ونسير وإيّاكِ يا شاعرتنا العزيزة كلود في شراع تتقاذفه الرِّياح ولا تلويه أو تكسره، إلى أن نصل معكِ إلى جزيرة الحبّ حيث المنتهى، فنشعر بالأمان مع أدب مستلٍّ من شِيم الخصال وكريم الفعال”.
    ثم قرأ الدويهي مطالعة الشاعر والناقد حاتم جوعيه – فلسطين حول نص “أيها البعيد القريب”:
    “حضرة الأخوات والإخوة الكرام : كان من المفروض أن أكون موجودا بينكم الآن في هذه الجلسةِ الحواريَّة – في مدينة سدني باستراليا – لمناقشةِ نصٍّ أدبيٍّ للإعلاميَّة والأديبة والشاعرة المبدعة ( كلود ناصيف ) ، ولكن لظروف صِحّيَّةٍ صعبة ولبعدِ المكان لم أتمكن من المجيىء .. ويسعدني ويشرفني أن تكون لي مداخلة او بالأحرى قراءة صغيرة في هذه المناسبة الثقافيَّة الميمونة . إنَّ الإعلاميّة والكاتبة كلود ناصيف غنيّة عن التعريف فقد حققت شهرة وانتشارا واسعا في استراليا والعالم العربي على الصعيد الأدبي والإعلامي .. لقد دخلت الأدب من باب الإعلام وكانت مذيعة في “صوت المحبَّة ” وأبدعت وتألقت في هذا المجال، وتابعت مشوارها بعد ذلك في عالم الشعر والادب وأبدعت في هذا المجال أيضا أيما إبداع ، وقد نشرت كتاباتها الإبداعيَّة في المنبر الإعلامي المشهور ( موقع أفكار اغترابية ) الذي يديره الصديق والأخ العزيز الشاعر والأديب والناقد الكبير الدكتور جميل الدويهي..هذا المنبرالرائد الذي يستقطبُ خيرة الكتاب والشعراء اللبنانيين والعرب في استراليا ومن شتى الدول العربيَّة . وفي هذه المداخلةِ الصغيرة سأقدم تحليلا مقتضبا لقصيدة ( أيها البعيد القريب ) للأديبةِ الشاعرة كلود ناصيف – حرب . هذا العملُ الأدبي .. أو بالأحرى القصيدة وتستحق هذا التعريف وهذه التسمية تصنفُ وتدرجُ ضمن الشعر الحديث الحر- المتحرر من قيود الوزن والقافية ، وقد يسميها البعضُ خاطرة أدبية ..فهي شعر بكلِّ معنى الكلمة بلغتها الجميلة وتموجاتها المشعَّة وموسيقاها الداخلية وألفاظها الساحرة ، ولكنها ليست موزونة حسب بحور الخليل التقليديَّة…وفيها يتجلى ويشعُّ كلُّ عناصر الجمال والأبداع .. والجديرُ بالذكر أنَّ القصيدة النثرية الإبداعيّة تحتاجُ إلى بعض التقنيات والعناصر الهامة حتى تجاري القصيدة الموزونة في جماليتها وتألقها ..العناصر والأسس والتقنيات التي قد تسدُّ وتغطي على الحَيِّز والجانب الهام والمفقود وهو الوزن الشعري …وليس كلُّ شاعر يستطيعُ أن يكتبَ قصيدة نثرية ناجحة ، لأن هذا الأمر يحتاجُ إلى موهبة شعرية فطرية فذة وإلى قدرات كبيرة وإلى ثقافة واسعة وإلمام في شتى المواضيع والمجالات ، ويجبُ أن يكون الشاعرُ أولا وقبل كل شيىء يجيد كتابة القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة…والذي لا يستطيعُ كتابة القصيدة العمودية الكلاسيكية لا يستطيع كتابة القصيدة الحديثة الحرة الإبداعيَّة .. وهذه القاعدةُ يعرفها معظمُ النقاد والأدباء . تمتاز الأديبة الشاعرة ” كلود ناصيف ” في جميع كتاباتها ، وفي هذه القصيدة أيضا بلغتها وأسلوبها الأدبي الشاعري الجميل والرقيق والشفاف أحيانا والساحر والجميل وبالمعاني العميقة وبالأبعاد الإنسانيَّة والفلسفيَّة ..حيث تكثفُ الشاعرةُ من المعاني وتستعملُ الأستعارات والتعابير البلاغيَّة الجديدة والمبتكرة ..وكل قارىء ذكي ومثقف يشعرُ أن الأديبة لها قاموسها الشعري الخاص بها ولها أسلوبها المميز ونكهتها الخاصة . هذه القصيدة طابعها وشكلها الخارجي غزلي، ولكن الشاعرة ترمي وتهدفُ إلى مواضيع أخرى غير الحب والعشق والعواطف والمشاعر الجياشة والشوق المؤجَّج العارم للحبيب المنشود ..ويلتقي في القصيدة البعدُ العاطفي والوجداني مع البعدِ الوطني ، وتذكرنا بشعراءِ المقاومة الفلسطينيِّين الذين يشبهون الأرضَ والوطن بالمرأةِ والفتاة الجميلة ..وبالشاعرات الوطنيات الملتزمات والمناضلات (العربيات والفلسطينيات) اللواتي يشبهن أحبَّاءَهنَّ وفرسان أحلامهن بالوطن الجميل المعطاء . وقد يحلِّلُ البعضُ هذه القصيدة على أن الشاعرة قد كتبتها للوطن الكبير والجميل ولم تكتبها لشخص ما حيث تقول : ( ” لا أريدُ من هذا الليل سوى قمر أنتَ قمري أنتَ لي وطن …. عيناك مسقط قلبي ” ) .. إلخ … ..وتستعملُ في القصيدةِ التشبيه والتشبيه المضاد والمعاكس .. والقلائلُ من الشعراء العرب اليوم والمجددين ورواد الحداثة يستعملون هذا الأسلوب ويدخلون هذا المنحى… والجدير بالذكر أنه في معظم الشعر الأجنبي الكلاسيكي القديم وليس الحديث وأيضا الشعر العربي جميعه قديما وحديثا نجد أن التشبيهات هي دائما مباشرة وواضحة كالتصوير الفوتوغرافي.. حيث تنقلُ التنشبيهات والصور بمعنانيها المجرَّدة والواضحة ويوجد علاقة مباشرة وواضحة ومطلقة بين الشيىء أو الموضوع والموضوع الآخر المشبه به ، وقد شذ عن هذا الامر امرؤُ القيس بعض الأحيان في الشعر حيث في العديد من صوره الشعرية وتشبيهاته المميَّزة لا يوجد أي تشابه بين الشيىء أو العيِّنة التي اختارها والشيىء والموضوع الآخرالذي يشبِّهُهُ بها ، ولكن التشبيه يكون معقولا ومنطقيا .. وشاعرتنا هنا تستعملُ هذا اللون الذي يندرُ في الشعرالعربي حتى في الشعرالحديث حيث يكون الموضوعان والأمران اللذان تشبهما ببعض متناقضين وعكس بعضهما البعض ولا يوجدُ أيُّ وجهٍ أو صلة للتشبيه تربط بينهما ، فمثلا عبارة : ( حديثك الصامت )..فالحديثُ هو الكلام الذي نسمعه بالإذن، والحيث لا يكونُ صامتا أو أخرسا .. وممكن أن يكون التعبير بالإشارات أو بنظرات العيون التي تكون صامتة وليس لها صوت ولا تسمع بحاسة الإذن . وتستعملُ الشاعرةُ – في هذا النصَّ- بعض التعابير والمصطلحات البلاغية الجميلة التي قد تكون مبتكره ، مثل:
    ( صوتُكَ يختالُ بهدوء في أذني.. ) إنهُ لتعبير جميلٌ وله وقعُهُ الساحرعلى المتلقي، ويوجدُ التناقضُ الجميل في المعاني والأشياء المشبهة ببعض..فالصوتُ الذي يختالُ وكأنهُ فارسٌ مغوار معجب بنفسه يكونُ اختياله رزينا وخفيفَ الظل وغير مزعج ، ومكان وجغرافية الإختيال هو أذن الشاعرة وحاسَّة سمعها..والأذنُ تعشق قبل العين احيانا -على حد قول الشاعر العباسي المخضرم ( بشار بن برد ) ..والتشبيهُ هنا تشبيهٌ حِسِّي وشعوري وروحاني وليس ماديًّا ملموسًا. وبعد هذه الجملة الشعرية تتابعُ الشاعرةُ قولها مباشرة : ( تنبتُ قصيدة فوق شفتي) وفي هذه الجملة التي تختمُ فيها الشاعرةُ القصيدة قد نجدُ كلَّ الفحوى وملخّص الرسالة التي تريدها الشاعرة .. وبالإمكان تلخيص وتقييم هوية وطابع وسيميائيَّة هذه القصيدة في عدة أسس ومجالات، وهي: 1 ) تستعملُ الشاعرةُ أسلوبَ السهل المتنع أحيانا ، وتبدو المعاني والصور الشعرية كأنها عاديَّة ومألوفة ، ولكنه من الصَّعب على كلِّ شاعر أن يأتي بمثلها ويرقى إلى مستواها الفني المُمَيَّز . 2 ) التناغم والإنسجام والإنسياب الجميل بين اللفظ والمعنى . 3 ) المحاكاة الضدِّيَّة والتشبيهُ المعاكس والمناقض..إذ لا يوجد أيُّ صلةٍ أو تشابه بين الشيئين والأمرين المُشَبَّين ببعض . 4 ) نجد أيضا في بعض العبارات والجمل الشعريَّة المعاني العميقة المترعة بالأبعاد الفلسفيَّة والأجواء الرومانسيَّة الحالمة وبالرؤيا الشمولية للحياة الجميلة…وهذه القصيدة أو النص الأدبي نابضة بالأمل والتفاؤل والإشراق وتنبؤُ بربيع مزهر وغدٍ جميل رائع” .
    وختمت الجلسة الحوارية بقراءة رسالة أرسلها الصديق ألبير بطرس – نيويورك، هذا نصها:
    “بالرغم من اننى لم التق بالاستاذة كلود شخصيا .. بالمصادفة وعلى الانترنت وجدت موقعاً اسمه صوت المحبة .. و حينما دخلت لموقع هذه الإذاعة فوجئت بصوت جذبنى بشدة، صوت لم اسمعه منذ ٦٢ وهو عمري فى ذاك الوقت .. و أصبحت مدمناً لهذا البرنامج و بمجرد ان تأتى نهاية حلقة البرنامج اتمنى ان يمتد لساعات .. واقولها و بكل ثقة ودون مجاملة ان الاستاذة كلود ناصيف حرب اجمل صوت اذاعى دون منافس .. وخسارة ان هذا الصوت معطل.اما عن بوستات الاستاذة كلود على الفيس فكلها متفائلة وتشع بالحب والامل .. فهي تنتقى كلماتها بدقة ومشاعر حقيقية فتصل للقلب بسرعة عجيبة.انا متابع جيد لكل كلمة تكتبها الاستاذة كلود .. في اوقات شدة مرضي الذي يجعلني فى بعض الاحيان لا أفارق سرير مرضي .. و لكن المفاجأة تكون قراءة بوست للأستاذة كلود وكأنها تعلم ما انا فيه وتبعث برسالة امل تجعلنى اشعر بأنني اقفز من سرير مرضي و يملأنى الامل بغد افضل. كلماتها عن الحب فى منتهى الرقى والأحاسيس الشجية من قلب يفيض بالمشاعر الحقيقة النقية. كنت أودّ ان احضر هذه الأمسية لاستمتع مع الحضور بالاستماع للأستاذة كلود بشخصها مع الانسان الجميل الذي سعدت ان اعرفه منذ ايام قلائل وحزنت لاننى لم اعرفه من قبل .. وعلي وعد ان اقرأ له كل ما يكتب لانه أديب يستحق ان يسجَّل اسمه فى التاريخ مع رواد ادب المهجر. اعتذر عن الحضور لوجودي في الاراضي المقدسة. الاخ الحبيب سيمون، كل سنة وحضرتك طيب يا صاحب اجمل ابتسامة تنبع من قلب طفل في منتهى البراءة.استاذتي الفاضلة كلود: ارجوكِ عودى للإذاعة. تمنياتى لحضرتك والاستاذ الجميل جميل الدويهى كل كل نجاح ومزيد من التألق الدائم . تقبلوا مني كل محبة وتقدير واحترام لكم جميعا وللحضور الكرام”.
    يذكر أنه أثناء الحفل، قدمت كلود وسايمون عدة أيقونات، وقدم الدويهي وعقيلته مريم لسايمون قصيدة معايدة في إطار أنيق، كما قدم جميل ومريم باسم “أفكار اغتربية” غلاف كتاب كلود الجديد “عيناك مرفأ لحنيني” في إطار. وقرأت كلود قطعين عن الحبّ والمحبة من رائعتي الدويهي الفكريتين ” في معبد الروح” و”تأملات من صفاء الروح”. كما ألقى الشاعر نجيب داود مقاطع شعرية مهداة إلى كلود وجميل والأب الرئيس لويس الفرخ.
    وبعد ختام الجلسة الحوارية، انتقل الجميع إلى جناح خاص في الصالة طغت عليه الأناقة والترتيب، للاحتفال بعيد ميلاد الغالي سايمون حرب، حيث قطع الكايك، وأنشد الجميع له “هابي بيرث داي”، ولون الاحتفال غناء جميل من الأب إيلي رحمه والفنان خالد الأمير. وألقى د. جميل الدويهي نصاً نثرياً باللغة العامية لتهنئة الصديق سايمون بعيد ميلاده قال فيه:
    “حبيت قول هالكلمات للصديق والخي الغالي سايمون حرب، بمناسبة عيد ميلاده. رحلة عمر مْشيتوها، والعمر ما كان لعبه، مع الإيمان مشيتو، وعا مركب النور قطعتو بحور بعيده، تا وصلتو عا أرض جديده. ومين قال ما عمّرتو عالشط بيت كبير، معبد روح وإلتزام، واللي عمّر هوّي الله الما بيترك حدا، وما في حدا غيرو بيقْدر يحطّ حجر عا حجر. قديش في ناس بيتباهو بالدهب، وإنتو كل لحظة من حياتكن هيّ أغلى من الدهب. وهلّق وقت اللي بفكّر بسايمون وكلود، بشوف أربعه بالبيت،هنّي وطفلين زغار خلقو من الحنين، عم يتدلّلو… وعم يلعبو تحت ضوّ القمر. يا سايمون، كل يوم بحياتك عيد لأنو كلود معك، وقلبها الحلو، النفي، الصادق، الوفي، معَك. ونحنا معك أصدقاء بيحبّوك ، وكلما سألت عنّا بتلاقينا إخوه إلك. وإنت كتبت كلمة محبّه بقلوب الجميع. وهالكلمه ما بتنْمحى وما بتزول لأنا كلمة ألله. وأنا دايماً بقول إنو كلود وقت اللي سهرت تا تكتب الكتاب، كنتْ إنت وحدك قصيدة الحبّ الأبدي وكنت وحدك عنوان الكتاب. وأجمل هديّه بعيدَك مش من تراب هالأرض، هيّي من روح وسما وعبير، ومن كلود سيّدة الحنين، عصفورة الحنين، “كلمة بحبّك أنا” ، وعينيك يا سايمون حرب هنّي مرفأ للحنين
    الليله فرَحنا كلّنا، فرح تنورين وزحله وكل ضيَع لبنان، وكمشة نجوم نقّتهن جاندارك من كتاب السما تا تودّيهن لإلك… هيّي اللي بتصلّي للكلّ، والمسبحه بإيدا مسبحة الدموع المشتاقه عا بنتا وعا ابنها، وعا ولادها المشرشرين خلف البحور. وأنا وصّيت عصفور بيضلّ يسافر عا ميدان إهدن، تا يرتّل هونيك ترتيلة الخلود، ويضْوي تلات شمعات بسيدة الحصن، واحدة تا الرب يحمي سايمون، وواحده تا الرب يحمي كلود من عيون الأشرار والحاسدين، وواحدة تا العدرا تحفظ بتوبها الأزرق لبنان والغيّاب وكلّ المحبين. وكل عيد وإنتو بخير.

    ( عن موقع أفكار إغترابيّة – أستراليا – بإدارة الدكتور جميل الدويهي)
    – يرسل للنشر من : الشاعر والإعلامي حاتم جوعيه – المغار – فلسطين

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.