• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    عائلة

    كلمة (عائلة) لم ترد في المعاجم القديمة بمعنانا الشائع، بل إن بعضهم خطّأها بدعوى أن المعنى هو (فقيرة)، مستشهدًا بقوله تعالى {ووجدك عائلاً فأغنى}- الضحى، 7.- أي فقيرًا فأغناك.
    لكن اللغة تطورت، وأصبحت الكلمة بمعنى الأسرة أو الذين يضمهم بيت واحد من الآباء والأبناء والأقارب من بني الأب.
    إذن هي كلمة مولدة مستحدثة، وقد حاولت أن أستقصي بدايتها في معنانا المعروف، فوجدت أنها متأخرة، وقد وردت في شعر ابن نُباتة المصري:
    فلا أبالي إذا استكثرتُ عائلةً *** فقد كفى همَّ إصباحي وإمسائي
    ويقول البوصيري:
    إليك نشكو حالنا أننا *** عائلة في غاية الكثره
    والبُرَعي:
    فقر وإفلاس ودهر خائن *** وهموم عائلة وضيق مكان
    كما وجدت الكلمة مستخدمة في كتب (الفرَج بعد الشِّدة)، وكتب التراجم المتأخرة، وفي كتاب (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) لابن حجر العسقلاني – من ذلك:
    “…أمَا إِذَا كَانَ الْمُجِيزُ فِي عَائِلَةِ الْمُوصِي وَخَشِيَ مِنِ امْتِنَاعِهِ انْقِطَاعَ مَعْرُوفِهِ….”

    سألني سائل:
    في رأيك هل هناك تخريج للكلمة في العربية؟
    قلت:
    وما المانع أن تكون؟ فمعنى عالني أمره- أهمني، وعال الرجل عِيالَه مانهم وأنفق عليهم، وعيال الرجل من يتكفل بهم، وهذه المعاني واردة في (لسان العرب) وفي (تاج العروس) وغيرهما من المعاجم القديمة.
    وفي حديث النفقة قال رسول الله “وابدأ بمن تعول” (صحيح مسلم، رقم 1717، 1035)- أي بمن تمون وتلزمه نفقتك من عيالك. فالفعل (عالهم) يعني كفاهم معاشهم.
    فهذه المجموعة (مَعُولَة)- اسم مفعول، وقد اختار الذوق اللغوي أن يجعلوها اسم فاعل- عائلة، على غرار ما قالته العرب: عيشة راضية والمقصود مرضية، وسر كاتم والمعنى مكتوم، وهم ناصب والمعنى منصوب…إلخ

    بدأت كلمة (عائلة) تشيع أكثر في المؤلفات وفي عناوينها منذ القرن الثامن عشر، فمن الكتب الأولى في لبنان كتاب شهاب وديع رشيد- (التربية في العائلة).
    ثم أخذنا نقرأ مجازات الكلمة في نحو عائلة النبات، عائلة اللغة، عائلة لمجموعات مختلفة من البشر وغيرهم.
    إلى معانٍ أُخَـر:

    أما (عَيلة) في الآية {وإن خفتم عَيْلة فسوف يغنيكم الله من فضله}- التوبة، 28 فالعيلة هنا تعني الفقر، يقول أُحَيحَة بن الجُلاح:
    وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى يَعيل

    يُذكر أن عبد الله بن مسعود قرأ الآية السابقة:
    {وإن خفتم عائلة…}
    والمعنى هنا إن خفتم خَصلة تعولكم وتغلبكم.

    ثم إن الفعل (عِيل) في جملة “عيل صبري” معناه غُلب، فلم يعد الصبر قائمًا، فعالني الأمر غلبني، ولا شك أن الذين يحبون الجناس يحفظون بيت الشاعر المصري إسماعيل صبري بعد أن طرق الباب وكلّ متنه:
    “فقالت لي أيا اسما عيلُ صبرًا *** فقلت أيا اسما عيلَ صبري

    أما قول الخنساء عن أخيها صخر:
    ويكفي العشيرة ما عالها *** وإن كان أصغرَهم مولدا
    فعالها غلبها وثقل عليها.
    وأما “عال الرجل في حكمه” فتعني مال وجار، ودليلنا من القرآن {ذلك أدنى ألا تعولوا}- أي خوفًا من أن تميلوا وتجوروا.
    وقد ورد على لسان أبي طالب:
    بميزان قسط لا يخِسّ شعيرة *** ووازن صدقٍ وزنه غير عائل
    استخدم العرب “عوّلوا علينا” -أي اتكلوا- وأنا أعول عليكم أن تتقبلوا الكلمة وتخرّجوها بمعنانا المتعارف (عائلة)، فهي أقوى من أن نحاول تخطئتها، حتى لو أعول (صاح) من يدعو إلى ذلك.

    ب. فاروق مواسي

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.