• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    المنصوب بنزع الخافض

    قد يُحذف حرف الجر، فيُنصب المجرور بعد حذفه تشبيهًا له بالمفعول به، ويسمى “المنصوب على نزع الخافض، والخافض –كما نعرف- هو حرف الجر-.
    في الآية الكريمة {…إلا إن ثمودًا كفروا ربَّهم}- هود، 68 نصبت لفظة (ربّ) بعد أن حذف حرف الجر الباء، فالأصل في اللغة- بربِّهم.
    ومثل ذلك {واختار موسى قومَه أربعين رجلاً}- الأعراف، 155- أي من قومِه.
    كذلك قوله تعالى {وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخْسِرون}- سورة المطففين، 3 والمعنى إذا كالوا لهم وإذا وزنوا لهم، والمكِيل والموزون معلوم بمنزلة ما ذُكر في اللفظ.
    ومما سُمع عن العرب:
    قول جرير:
    تمرّون الديارَ ولم تعوجوا *** كلامكُمُ عليّ إذن حرامُ
    أي تمرون بالديار، فإعراب (الديارَ) كما قلت: منصوب بنزع الخافض.
    لا يقال إعرابها: (مفعول به)، لأن هذا الفعل (تمرّ) ليس متعدٍياً أصلاً ولا ينصب مفعولاً به، ولكنه يُنصب على نزع الخافض، أو على حذف حرف الجر- هذا هو المقصود بمصطلح “منصوب على نزع الخافض”.

    من ذلك أيضًا قول عمرو بن معدِيكرِب:
    أمرتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أُمِرتَ به *** فقد تركتك ذا مال وذا نشب
    أي أمرتك بالخير.
    يسمى مثل هذا بالحذف والإيصال، أي حذف الجارّ وإيصال إلى المفعول بنفسه بلا واسطة.
    وأشار إليه سيبويه: “واعلم أنك إذا حذفت من المحذوف به حرف الجر نصبته كما تنصب إذا قلت: (إنك ذاهب حقًا)، فالمحلوف به مؤكد به الحديث كما تؤكده بالحق، ويجر بحروف الجر كما يجر حق إذا قلت (إنك ذاهب بحق) وذلك قولك (اللهَ لأفعلن)…” الكتاب، “باب حروف الإضافة إلى المحلوف به وسقوطها”. ج2، ص 165.
    هناك من يرى أن هذا المنصوب سماعي، فلا يجوز أن نؤلف على غراره، كأن نقول: مررت زيدًا، أو كتبت القلمَ- أي بالقلم ، أو حفرت الفأسَ- أي بالفأس أو أكلت الملعقة- أي بالملعقة ؟
    ..
    وهناك من يرى خلاف ذلك، ويعتبره قياسيًا، فإذا جاز لهم أن يقولوا مثلاً: تمرون الديارَ، فلماذا لا نقول على غرارهم: تمرون السوقَ، آمنوا اللهَ؟!
    في تقديري أن الأَولى هو الاستساغة في الجملة الحديثة، والذوق له في ذلك دور، ففي قولك: دخلتُ الدارَ، لا أرى خطأ، بينما في قولك: خرَجت الدارَ، أراك تبتعد عن المعنى ولا تُفصح.

    ثم هناك أفعال تتعدى إلى اثنين أحدهما بنفسه، والآخر بوساطة حرف الجر، وهي مقصورة على السماع، ومنها:
    اختار، استغفر، أمر، كنى، دعا، زوّج، صدق، فنجد أن حرف الجر قد يُحذف، فبدلاً من قولنا: أستغفر الله من الذنب أقول: أستغفر الله ذنبًا…إلخ

    ملاحظة:
    ندر أن يبقى الاسم مجرورًا بعد حذف حرف الجر، فقد ورد للفرزدق قوله:
    إذا قيل: أيُّ الناس شرُّ قبيلةٍ؟ *** أشارت كُليبٍ بالأكفّ الأصابع
    أي إلى كليب أشارت الأصابع بالأكف.

    ملاحظة للباحثين:
    قام الباحثان جهاد العرجا وحسين العايدي- الجامعة الإسلامية- غزة- بدراسة مستفيضة عنوانها “المنصوب على نزع الخافض في العربية” – (518) صفحة- نشرت في سنة 2010
    خلصا فيها إلى النتائج التالية:

    1- إن مصطلح “المنصوب على نزع الخافض” مصطلح أصيل في وضعه اللغوي وفي استعماله الاصطلاحي، وأدرك النحاة دلالته الاصطلاحية بعد وضع علم النحو.
    2- إن الحذف ظاهرة مشتركة بين اللغات الإنسانية، وخاصة حذف حرف الجر، فالمتكلم يميل
    إلي بذل الجهد القليل في أثناء عملية الكلام، فيحذف بعض العناصر المتكررة، ولكن بشرط
    الوضوح وأمن اللبس والإفادة.
    3- إن كثيرا من تقديرات لغويينا القدماء يحتمها واقع اللغة العربية، فكثيرًا ما تسمح تراكيب اللغة بسقوط بعض أجزائها المتكررة، وعلى المفسر اللغوي أن يقدر كل ما سقط من التراكيب، إذا كانت صناعة النحو تقتضيه، وفي هذا الصدد ندعو إلى عدم إلغاء فكرة الإعراب التقديري، والتقدير، فهي مهمة وضرورية لفهم أسرار النظام اللغوي النحوية والدلالية.
    4- أكد البحث اطراد حذف حرف الجر مع “أنَّ وأنْ” بشرط الوضوح وأمن اللبس، ومن هنا يدعو البحث إلى القياس علي بعض الشواهد القرآنية والشعرية حيث حذف حرف الجر بعد فعل
    يتعدى تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر، وكذلك حذف في العطف علي ما تضمن مثل الحرف
    المحذوف، فالقرآن الكريم هو محور جميع العلوم، ولأهمية الأداء الصحيح، فقد استقرأناه،
    رغبةً في الوصول إلى معايير سليمة لضبط هذه الظاهرة.
    5- إن اختلاف آراء النحاة حول إعراب الاسم بعد نزع الخافض يعود إلى اختلاف الأذواق
    والثقافات، بالإضافة إلى فهم السياق اللغوي، وعليه فلا ضير من تعدد وجوه إعراب الاسم بعد
    نزع الخافض، وأن علة نصب هذا الاسم هو وصول الفعل إليه بعد نزع الخافض.
    6- إن حذف حرف الجر إنما يكون لأسباب وغايات دلالية، وعلى الباحث اللغوي أن يستقصي
    هذه الأسباب إذا كانت صناعة النحو تقتضيه، وحذف حرف الجر إنما يكون للاختصار
    والاتساع باللغة، بشرط عدم اللبس وعدم إفساد المعنى.
    7- هناك بعض الصعوبات التي يعاني منها الباحث في العربية كتعدد المصطلح العربي للمفهوم
    الواحد، فنحن بحاجة ماسّة إلى توحيد المصطلحات اللغوية في جميع الأقطار العربية.

    8- ينبغي التأكيد على عدم تدريس هذا الموضوع” المنصوب على نزع الخافض “للنشء بل لطلبة
    التخصص في اللغة العربية بالجامعة؛ نظرًا لأنه قد يدرج تجاوزًا تحت المفعول به أو
    المفعول لأجله أو التمييز أو الظرف أو القسم.

    ب.فاروق مواسي
    faroqmwasee

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.