• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    معايداتٌ وتمنّيات

    د.تغريد يحيى- يونس

    تبادُل المعايدات بمناسبة الأعياد الرسميّة، الدينيّة والوطنيّة، وتبادل التمنّيات في المناسبات الشخصيّة هو ظاهرة مألوفة في المجتمعات المختلفة وعلى مرّ العصور. وإذا ما تبارك المجتمع بتركيبة إنسانيّة (سكانيّة) تعدّديّة كما في حال شعبنا الفلسطينيّ، فالأعياد متعدّدة وعلى مدار العام. تؤدي ظاهرة تبادل المعايدات والتمنّيات وظائف اجتماعيّة مهمة في حياة الفرد والجماعة والمجتمع؛ وبعضها لا يخفى على أحد، لذا سأختصر ذكرها هنا لضيق المساحة. لكنّنا نلاحظ في العام الأخير، وبالذات منذ رأس السنة الميلاديّة الأخير، كمًّا كبيرًا من تبادل المعايدات في الأعياد المختلفة لأبناء شعبنا. هذا الكمّ من المعايدات كبير في تقديرنا مقارنة به في سنوات ماضية. فكيف ندرك ذلك وأيّ تفسيرات تكمن في الظاهرة؟

    يهلّ رمضان هذه السّنة وشعبنا وأمّتنا والعالم في حالة من الأحزان والمشاعر الثقيلة الأخرى أكثر من أي سنة مضت. على مستوى فلسطينيي أراضي 48 بيوتٌ وأسَرٌ كثيرة تتجرّع ألم الفقدان إمّا جرّاء جائحة كورونا، كوفيد 19، وإمّا جرّاء جائحة العنف والجريمة التي تضرب تباعًا، وإما لموت “طبيعيّ”، والموت حقّ. يتزامن ذلك مع مشاعر ثقيلة أخرى تخيّم على الأجواء عامة جرّاء السيرورات التي مرّ بها مجتمعنا وبخاصّة مؤخرًا وعشيّة الانتخابات القطريّة، إبّانها وبعد انتهائها. فضلًا عن تفاقم السياسات اليمينيّة واستهداف المواطنين الفلسطينيين وضرب القوى الوطنيّة وتفتيت نسيجهم الاجتماعيّ، فقد أفرزت السيرورات السوسيو-سياسية تفكّكًا غير مسبوق، وانحسارًا للعمل السّياسيّ الوطنيّ، وعودةً للممارسات الانتخابيّة العربيّة في صالح الأحزاب الصهيونيّة، والتي سادت في العقدين الأوليْن من قيام دولة إسرائيل وتحويل شعبنا إلى أقليّة وطن تملّكها الذعر وعدم الوضوح وانعدام الخبرة في مقارعة الدولة وأحزابها ومؤسساتها الأخرى. هذا فضلًا عن الجديد من ظواهر أفرزتها المرحلة وسيُولِيها المهتمّون والمهتمّات الاهتمام بالكتابة عنها لاحقًا.

    رافقت أزمة الجائحة في السنة والشهريْن الأخيرة أزمة اقتصاديّة عانت ولا زالت تعاني منها شرائح اجتماعية كبيرة من الفلسطينيين. وحيث أكثر من نصفهم (50%) يقع في الطبقات الفقيرة في الأيام “العاديّة”، فقد أرتفع المعطى نتيجة لجائحة كورونا. هذا الارتفاع في نسبة الفقر أو الضائقة الاقتصادية مردّه إلى المشاركة المنخفضة للنساء في سوق العمل لأسباب وعوامل بنيويّة بالأساس، وليست ثقافيّة صرفة، وثمّ استغناء سوق العمل عنهن في قطاعات تضررت من الجائحة. معطى البطالة عند الرجال الفلسطينيين مواطني الدولة ارتفع هو الآخر ولنفس الأسباب إلى 70% (!)، حيث تتركّز شريحة منهم في قطاع الخدمات التي أقفلت أبوابها جراء الجائحة. وفي المحصّلة انتشر الفقر بين أبناء مجتمعنا. رافقت الحظر والحجر الصحيّيْن والضائقة الاقتصاديّة والفقر مشكلاتٌ اجتماعيّة جمّة داخل الأسرة وفي المجتمعات المحليّة وفي المجتمع الشامل. العنف والجريمة هما أحد تجلّياتها، لكن ليس فقط.

    الحظر الاجتماعيّ الذي فُرض ثلاث مرات تباعًا لفترات طويلة نسبيًّا أثقل على حياة الناس ونفسيّاتهم ومعنوياتهم. إذ برغم ضرورة التباعد الاجتماعيّ في ظروف الجائحة بوصفه وسيلة فعّالة للحدّ من انتشار الأوبئة ومعروفة في الثقافات القديمة والمعاصرة، فإنّ استخدامها بأيدي السلطة المركزيّة للتحكّم التفاضليّ بالسّكان وتقليص مساحات الديمقراطية والحياة بحسب عوامل الجغرافيا والقوميّة والعرق والطبقة الاجتماعيّة سُجّل هو الآخر، لتعاني منه الفئات المهمّشة والتي تعاني التمييز ضدها وتقاطعاته بشكل ممنهج. الحظر والتباعد الاجتماعيّان على مجتمع لا زال يمتاز بأسلوب حياة جماعيّ إلى حدّ ليس بضئيل، أقلّه في محيط العائلة والأصدقاء والبلدة، كانت لهما التأثيرات الأشدّ على الناس فيه. فالمعتاد/ة على الشيء ي/تفتقده عند زواله أو حظره، ولهذا انعكاساته النفسيّة عليه/ا.

    هذه الظروف الصحيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة المستجدّة أو المتفاقمة المذكورة باقتضاب أعلاه خلقت شعورًا بالعزلة والوحدة، بمفهوميْها المتناقضيْن، وزادت المعاناة الفرديّة والجمعيّة وبالتالي ضاعفت من أهمّيّة تبادل المعايدات والتمنّيات في الأعياد الرسميّة وفي المناسبات الخاصّة. ففضلًا عن الوظائف التقليديّة للمعايدات، هي تحمل اليوم الكثير من المعاني والرمزيّة في وجه الظروف المستجدّة والمتفاقمة وما أنتجت من تبعات . فهي تكسر العزلة، وبالذات في حال عدم المسارعة للخروج من التباعد الاجتماعيّ، وتُؤمِّل بالتغيّر للأفضل، وهي تعبّر عن وحدة وتكامل الشعب الواحد، في وجه انشطارات كامنة مقيتة. ولعلّ التعبير عن ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ تحديدًا إذ هي متاحة جعل المعايدات أكثر حضورًا ووضوحًا. هذان الحضور والوضوح البصريّان لهما من الفاعليّة في التركيز على ثبوت فكرة التكامل والترّاص بين أبناء وبنات شعبنا إزاء الظروف المذكورة ما يضاعف أهميّة تبادل المعايدات والتّمنّيات.

    يتبادل الناس المعايدات والتمنّيات في المناسبات الجمعيّة والجماعيّة والفرديّة توقًا منهم إلى تحقّق مضمونها، وفي أدنى حدّ أملًا في تغيير الحال إلى حال أفضل، وتحدّيًّا لظروف طارئة قد تقصر أو تطول. وعلى الرغم من ديباجيّتها، كونها عادة قوالب لغويّة جاهزة، فإن الشّحنات الموجبة التي تبثّها المعايدات والتمنّيات المتبادلة في هذه المناسبات وتحت هذه الظروف وشبيهاتها، تشحن الناس بأحاسيس طيّبة، وبالأحرى حين يلمسون صدقها أكثر.

    يبقى أن نرفق النوايا الحسنة والكلمات الطيّبة بأفعال، بالتزام عمليّ في كلّ موقع نجد أنفسنا فيه، تقرّبنا أكثر إلى تحقيق المعايدات والتمنيّات بأن نكون كل عام بخير.
    د.تغريد يحيى- يونس

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    1. لفتة جميلة د. تغريد! دائما سباقة ، توافينا بشرح وافي وكافي عن الظواهر الإجتماعية المختلفة ومسببابتها وعوارضها وكل ذالك…..شكرا لك ودمت ذخرا للجميع… ومصدر موثوق به ..

    2. سبّاقة أنت للقراءة والتعقيبات الطيّبة.
      حيّاك الله ورعاك، ريم العزيزة.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.