هل هو شعور بالنقص في لغتنا

تاريخ النشر: 03/07/17 | 12:40

كم كتبت أن أحد أسباب ضعف العربية يعود إلى عدم توقير أهلها لها، بل نادرًا ما يحفل بها مجتمعنا بكافة شرائحه، ولا نكاد نجد من يوليها أو يولي أربابها أدنى تقدير- رغم أن القرآن نزل بها لعلهم يعقلون.

ضربت أكثر من مثل للدلالة على أن نسبة كبيرة من معلمي العربية لا يتذوقونها، ولا يتابعونها، ولا يمايزون بين أساليبها البلاغية، ولا يتقرَّون أصول نحوها وصرفها، بل لا نكاد نجد إلا القليل الأقل ممَن ينفرون ليتدارسوها، وليتفقهوا في معرفتها.
..
وجدت من يذهب مذهبي، ويضع النقاط على الحروف:
هو صديقي العالم علي القاسمي.
والقاسمي كاتب عراقي متعدد الاهتمامات: قاص، روائي، مترجم، ناقد. وهو باحث أكاديمي متخصص في المعجمية والمصطلحية، وله عشرات الكتب.
ولد في بلدة الحمزة في محافظة القادسية- العراق سنة 1942، ويقيم في المغرب منذ سنة 1978.
..

في حوار أجرته معه د. سناء الشعلان، ونشر في عدد من المواقع كشف ب. القاسمي النقاب عن حقيقة “اعتزازنا” باللغة العربية في المحافل الدولية.

يقول:
“اللغة العربية هي إحدى اللغات الرسمية الست في منظَّمة الأمم المتحدة وفي جميع المنظَّمات الدولية الأخرى، منذ أوائل السبعينيات.
ولكن ممثِّلي البلدان العربية في تلك المنظَّمات لا يستخدمون اللغة العربية مطلقًا، بل يتشبَّثون باستخدام لغة مستعمِرهم القديم، الإنجليزية أو الفرنسية.
قبل بضعة أشهر قررتْ منظمة اليونسكو قبول فلسطين عضوًا كاملاً فيها. وسمعتُ مندوب فلسطين في هذه المنظمة بأُمّ أذني ورأيتُه بأمّ عيني، وهو يشكر المنظَّمة على قبول فلسطين عضوًا كاملاً فيها، ولم يتكلّم باللغة العربية- وهي إحدى اللغات الرسمية في اليونسكو، بل باللغة الفرنسية. وفي الوقت نفسه كان زميله مندوب فلسطين في منظَّمة الأمم المتّحدة بنيويورك يقدّم طلبه لقبول فلسطين عضوًا كاملاً فيها، باللغة الإنجليزية.
ما الرسالة التي يريد هذان المندوبان إيصالها إلى تلك المنظَّمات وإلى العالم؟

[……] * إنها نصيحة واضحة خالصة لجميع الطلاب الأجانب بعدم تعلُّم اللغة العربية، فلا فائدة تواصلية منها، بدليل أن ” العربي” نفسه لا يستعمل لغته الوطنية.
* نصيحة واضحة خالصة لجميع طلاب اللسانيات العرب والأجانب بعدم التخصُّص في الترجمة من العربية وإليها، بدليل عدم الحاجة إلى الترجمة من العربية وإليها في المحافل الدولية، لأنَّ المندوبين العرب لا يستعملون اللغة العربية فيها.
لو استخدم المندوب الفرنسي في منظَّمة الأمم المتحدة في نيويورك شيئًا من اللغة الإنجليزية سهوًا في خطابه، فإن حكومته ستطرده حالاً من وظيفته، تطبيقًا لقانون “حماية اللغة الفرنسية” الصادر عن الجمعية الوطنية الفرنسية سنة 1992، وهو تأكيد لقانون فرنسي صادر سنة 1792.”
..
..
يذهب بعض الكتاب إلى أن الأمر طبيعي، فالمغلوب مولع بتقليد الغالب- كما قال ابن خَلدون. لكني وجدت أنه لم يذكر اللغة فيما ذكر من نواحي التقليد التي فصّل فيها-
في الفصل الثالث و العشرين (الباب الثاني، ص 147):
“في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه و نِحلته و سائر أحواله و عوائده”.
ثم فإن هذا الحكم لم يكن دائمًا في التاريخ، فعندما غزا التتر الشرق لم نر هيمنة ثقافية أو فكرية لهم، بل رأينا أن التتر هم الذين أولعوا بتقليد العرب المحكومين، ودرسوا لغتهم، واعتنقوا ديانتهم، لأنهم رأوا أنهم أكثر حضارة وثقافة منهم.

ثم لماذا نستغرب ما قاله الأستاذ القاسمي، ونحن هنا في الجليل والمثلث والنقب نتباهى بإتقاننا العبرية، نكتب رسائلنا البلدية بها، نعلن إعلاناتنا بها، نخطب في المحافل وحتى العربية منها بالعبرية الفصحى؟
فهل العيب فينا ام في لغتنا؟
وإذا كنا ضعافًا ومحكومين سياسيًا فهل هذا مسوّغ لهيمنة اللغة الحاكمة، أو على الأقل لإقصاء العربية هويتنا؟
أم هو شعور بالنقص؟

ب. فاروق مواسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة