“الاحتلال لا يعرف أعمارا. ما حدا صغير عالاحتلال”

تاريخ النشر: 15/06/16 | 8:08

وراء كل أسير قصة، قصته الفردية. لكن وراؤه أيضا حكاية بلده الخاصة، وداخل هذه الحكاية يكمن جانبا من جوانب خبث الاستعمار. نورهان وهدية، أسيرتان قاصرات، 17 سنة و15 سنة، تسجنهم قوات الاحتلال في سجن الشارون، صغيرتا الجسد، نورهان تحمل تقاطيع وجه واضحة، لكن تعابيره أقل وضوحا، عكس هدية الصغيرة، التي تحمل تقاطيع وجه ناعمة، مع تعابير أكثر وضوحا. دخلت اثناهمابحجاب طويل، وبصمت، تحول بعد قليل من الزمن لحديث لا يتوقف، ابتدأ بكيفية قضاء رمضان في السجن.

يبدأ الاحتلال بمحاولة إغتيال حلمهن، عند الإعتقال، لم تتعدى أعمارهم ال١٥ عاما، حتى صاروا جزءا من إحتلال إسرائيل لواقع الإنسان الفلسطيني وربما… لحلمه.

هدية وعرين ولما واستبرق وإسراء وملك وغيرهن، كانوا ضحايا الإعتقال، ضحايا “أمن” الاسرائيلي في بلادهن، ورفاهيته ضمن مشروع إحتلال وتطهير.

ناتالي أيضا تتواجد في المعتقل، لكنني مُنعت من زيارتها، مُصابة هي واثنتين من المعتقلات القاصرات ولا ندرى ماهية العلاج والمتابعة الطبية التي يخضعن لها، لم أتلقى سبب المنع، على الأرجح بسبب إصابتها. لكنني سأتابعهن.

نورهان، ابنة القدس، أو بالأحرى ابنة قرية كفر عقب، التي بترتها إسرائيل عن امتدادها الطبيعي مع القدس عبر جدار الفصل العنصري، وحولتها إلى مخزن بشري، تضاعف حسب بعض الإحصائيات 8 مرات !! (إحصائيات أخرى تشير إلى أقل من ذلك) خلال السنوات العشر الأخيرة، لتصل من 10 آلاف نسمة، إلى 80ألف نسمة! في “سباق مع الزمن لحسم مسألة التوازن الديمغرافي”، عبر آليات ماكرة لكن واضحة، لتفريغ القدس من سكانها.

بنايات شاهقة، تصل إلى عشرات الطوابق، مع تسهيلاتإسرائيلية، أنتجت فوضى كاملة في إعطاء رخص تستوعب المقدسيين، دون أي رقيب على الخدمات وكثافة السكان وانعدام البنية التحتية، بينما تتحول القدس إلى “مناطق خضراء” ممنوعة على البناء الفلسطيني، ومثقلة بالضرائب. يترك المقدسيون القدس ويرزحون إلى القرى الممتدة بينها وبين رام اللة، للحفاظ على الهوية المقدسية. مخطط التطهير العرقي هذا، لم يفرغ القدس من سكانها فقط، بل هدم بنية المجتمع الفلسطيني، الذي انتقل عاريا من بنيته ومؤسساته الثقافية والاقتصادية، فانتشرت المخدرات والسلاح والسرقات والشجارات المسلحة والاعتداء على الأملاك.

من هذه البيئة نبتت نورهان، لكنها لم تذهب للقدس لكي تطعن، بل لكي تهرب من “الضجيج”، إلى قدس خلت من ضوضاء الحياة!، ولكيتشتري الملابس، وتدخل الدكاكين، -نسيت أن أسألها لماذا لا يخيط لها أبوها الخياط ملابسها؟.

ذهبت نورهان في ذاك اليوم رفقة هديل، إبنة عمتها وصديقتها. إستشهدت هديل عواد، أخت الشهيد محمود عواد، الذي سبقها قبل ٣ سنوات. استشهدت، وسط صرخة نورهان.

تتذكرها نورهان بحزن، وبحزن مثله تتذكر كيف أطلق الجنود النارعلى هديل، دون إدراك الزمن والسبب، دون إدراك الفاجعة والسؤال.رأت هديل طريحة الأرض، تملؤ الدماء المكان، ثم شعرت نورهان بضربة من الخلف أفقدتها وعيها. دخلت المستشفى، وظنت أنها ستخرج منه إلى بيتها، لكنها فوجئت، بأن خرجت إلى المسكوبية ومن ثم إلى سجن الرملة، ومن ثم إلى سجن الشارون، في 23 تشرين ثاني. مع ذلك، هي تتعامل مع سجنها، كحالة عابرة جدا، وهي متأكدة أنها ستخرج سريعا، وبالتالي هي لا تتوقف كثيرا في الحديث عن السجن، وتطيل في الحديث عن رغبتها في أن تصبح ممرضة، وفي أن تأخذ رخصة القيادة.

مقابل البنايات الشاهقة التي تسكنها نورهان، والتي تصل إلى 16 طابقا، بعشوائية مدمرة، ومقابل بلدة تمت فيها آخر عملية هدم قبل أكثر من 15 سنة، وحيث يبني المقدسيون المهجرون من القدس دون حاجة حتى لتراخيص، في مخطط ذكي لتفريغ القدس، تسكن هدية، ابنة الخامسة عشر منطقة الغور، العوجا، أريحا، الذي تهدم فيها إسرائيل البيت والكهف، المنزل والخيمة. عمليات الهدم والإخلاء المتواصلة، أنبتت فتاة، لا تعرف أن تفسر حاضرها في السجن، وما الذي أوصلها إليه، لكنها تنتظر أن تخرج لتصبح “ناشطة في حقوق الإنسان”.
وفي الوقت الذي تتكلم فيه نورهان عن المستقبل أكثر بكثير مما تتكلم عن حاضرها في السجن، وتتعامل معه وكأنه محطة قصيرة وعابرة، واثقة من خروجها السريع، تتكلم هدية عن الأمن الوقائي ومفاعيله في حياة الفلسطينيين في أريحا أكثر بكثير مما تتكلم عن الاحتلال الإسرائيلي، لكنني وحرصا عليها، سأقتطع هذا الجزء من الحديث.
لا تشكو نورهان ولا هدية، من ثقل الحياة اليومية في السجن، ولا ندري، هل يعود ذلك بسبب وطأة الحياة تحت الاحتلال، أم بسبب إفطارات رمضان الجماعية، أم بسبب عناية لينا الجربوني، كبيرة الأسيرات من عرابة، ودينا واكد من طولكرم، الأسيرات البالغات اللواتي يعتنين بالقاصرات كالأمهات، “بدللونا كتير، بحاولو يحسسونا إنا مش بسجن”، تقول نورهان برضى.

ويوضحان أنهما منهمكتان في الدراسة التي تستهلك منهن ساعات طويلة خلال أيام الأحد والثلاثاء والخميس، ومنهمكات في المسابقات الرمضانية التي تشرف عليها البالغات، وفي لعبة “الريشة”، لكنهما سرعان ما تعترفان، بأنهما لا تستطيعان التغاضي عن شعور الظلم الذي اقتطعهما من عائلتهما ومن حياتهما الطبيعية، وعن شوقهماللعودة إلى البيت، وتشرحان الصعوبة البالغة التي تحتاجانها، لكي تظهرا لأمهاتهما خلال الزيارة، أنهما مرتاحتان وقويتان. “التصنع بالقوة أيضا قوة”، أقول.

وتمضي هدية -التي يبدو أنها تكبر سنتين خلال السنة- في حديثها: “في أريحا إحنا كتير منخاف، أكثر من رام-الله”، وتفسر لماذا، وتقول لي: “لا تكتبي”، وأطيع طبعا.وتُكمل، “لكنني أريد أن أعبر عن حقي، ولذلك سأعمل ناشطة في مجال حقوق الإنسان، أبوي بقلي إني قوية، عشان هيك ما خلاني أفتح فيسبوك”…. ” أبوي بخاف”، ومرة أخرى عند التفسير..تقول ” لا تكتبي”. و…أطيع.
“أبوي بقلي بعدك صغيرة، مش لازم تحكي. لكنني أجيبه أن الاحتلال فش فيو أعمار. ما حدا صغير عالاحتلال”.

كفر عقب، على حد تعبير أحد سكانها من المختصين النفسيين: ” ما زالت في مهب الريح، منطقة ما زالت تعتبر جزءا من القدس لكنها خارج الجدار، ويكتنف مستقبلها غموض مخيف”. لكن ثقة نورهان بمستقبلها تبدو أكثر وضوحا بكثير. هل سيكون المخطط الإسرائيلي بهدم تلك الثقة والمستقبل، أكثر قوة؟ هذا سؤال لن تجيب عليه نورهان وحدها.

حنين زعبي

7nenzo3be

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة