قراءة في رواية "حدائق الرئيس"

تاريخ النشر: 24/10/13 | 4:19

تعد رواية (حدائق الرئيس) ثالث عمل روائي في مسيرة محسن الرملي، الكاتب والمترجم والباحث العراقي المعروف، المقيم في مدريد، فقد نشر سنة 2000 روايته الأولى (الفتيت المُبَعثر)، التي ترجمت إلى الانجليزية تحت عنوان (Scattered Crumbs) ونشر بعدها سنة 2009 روايته الثانية (تمر الأصابع) التي صدرت بالاسبانية أولا ثم بالعربية ثانيا، وهي رواية لقيت الكثير من الاستحسان من القراء والنقاد على حد سواء، كما كانت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية2010.

رواية (حدائق الرئيس) الصادرة مؤخراً عن دار ثقافة في أبو ظبي والدار العربية للعلوم في بيروت رواية لها طابع خاص، فهي تختلف كل الاختلاف عما هو متعارف عليه في التقاليد الروائية العربية. صحيح أن الكثيرين ممن كتبوا عنها صنفوها ضمن الرواية التاريخية أو رواية الديكتاتورية المعروفة بأمريكا الجنوبية، ولا نكاد نشك في ذلك حالما نعلم أن كاتبها دكتور في الأدب والفلسفة وعارف جيد بالأدب العالمي: تاريخه ومذاهبه ومدارسه.

لكن النظر إلى الرواية من هذه الزاوية فحسب من شأنه أن يشنج قراءتنا ويكبل تفكيرنا، مما سيفوت علينا فرصة الاستمتاع بعوالم أدب عظيم، يمتد خارج التاريخ والجغرافيا متجاوزا إياها إلى ما هو إنساني كوني وإلى هم وجودي أعمق.

لعل المتصفح لما كتب، إلى حدود الساعة حول الرواية، سيجد، بدون شك، أن أغلبها يتخذ المقطع الأول من النص منطلقا له. وهي بداية الحكي حيث يقول الراوي: "في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها،…" وهي الصيغة نفسها التي سنجدها في الفصل 27، ما قبل الأخير، حيث يكرر: "في هذا البلد الذي لا يزرع فيه الموز، استيقظت القرية على تسعة رؤوس من رؤوس أبنائها في صناديق موز…".

تشكل هذه العبارة، بداية النص ونهايته في الوقت ذاته. فالقارئ المتأني سيلاحظ كيف أن الكاتب ابتدأ الرواية من نهايتها تقريبا، حيث توقف عند مرحلة أخرى من تاريخ بلده العراق، ألا وهي تاريخ الامبريالية الأمريكية وهم السيطرة على الشرق الأوسط والصراع على الثروة النفطية.. ولعل هذا ما يشير إليه بالموز وصناديق الموز، إذا ما عدنا إلى الوراء قليلا، وتأملنا في سياسة الولايات المتحدة بأمريكا الجنوبية وتاريخ شركاتها الأسود هناك من أمثال يونيتد فروي كنبني.

لست هنا بصدد التحليل التاريخي للرواية، فكل همي هنا هو توضيح كيف أن الديكتاتورية ليست الثيمة الرئيسية في النص، بل هي أداة أو فرض من فروض السياق التاريخي الذي تدور فيه الأحداث. فلا يمكن الحديث عن تاريخ العراق الحديث دون المرور بفترة حكم صدام حسين وما عرفته من مد وجزر.

إذا ما عدنا إلى نقطة البداية/ النهاية، ودققنا قليلا في العبارة : "في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها،…" فإن الثمية التي تسترعي انتباهنا بعد مسألة الموز التي تحدثنا عنها، هي الموت، والطريقة البشعة التي انتهت بها حياة تسعة أشخاص من سكان القرية.

لعل هذه الثيمة هي المنفذ السليم إلى عمق رواية محسن الرملي، خاصة عندما نتأمل الكم الهائل من الشخصيات التي لقيت الحتف نفسه، وإذا ما محصنا ودققنا في طباعها وطرق عيشها وتفكيرها ومواقفها، فسنجد حتما أن القاسم المشترك بينها هو: العبث، الرغبة، التحدي، التمرد، الموت، وهي مواصفات تتقاسمها أيضا الشخصيات التي لم تلق حتفها في النص.

هي الكينونة إذن في شموليتها، أو فلسفة العبث المتمثلة في الصراع القائم بين الوجود والعالم المشترك. أللامنطقي يجر الشخصيات ومن ثم القارئ إلى التساؤل عن جدوى الحياة أو فيما إذا كانت الحياة تستحق أن تعاش؟

أسئلة تكرسها الرغبة في الوضوح والصفاء، كما يكرسها السأم والضجر من التكرار والنمطية، غير أن النهاية (الموت) المجهولة، والذهول الذي تخلفه في النفوس، غالبا ما يفضحان عبثية الحياة.

عالم في حالة سؤال مستمر ودائم هو ما يطرحه الروائي العراقي محسن الرملي في روايته حدائق الرئيس، سائرا على نهج عمالقة المذهب الوجودي العبثي من البير كامو وجون بول سارتر وارنيستو ساباتو وغيرهم، منطلقا من عراق مظلم في اتجاه عالم أكثر ظلمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة