أربع وصايا زوجية

تاريخ النشر: 17/02/16 | 3:54

يخطئ مَن يظن أن الطريق للوصول والحصول على السعادة الزوجية مفروش دوماً بالورود والرياحين، وواهم مَن يتصور أنه سيحقق هذا الوفاق الزوجي دون دفع الثمن من الزوج والزوجة معاً والذي يتوقف حصولهما على تلك السعادة على نظرتهما للزواج ابتداء ومدى استعدادهما للمشاركة في إنجاحه.

ولأن الطباع قد تختلف بين الزوجين، لذا فهما يحتاجان إلى قدر من الفهم المشترك لنفسيتهما حتى لا يتكدر العيش ولا تتنغص الحياة، فكان لابد من وجود ضوابط وحلول لبعض المشكلات حتى يعود الهدوء والانسجام والتفاهم بينهما.

ويحاول المربون دائماً أن يستخلصوا بعض الدروس النافعة من التجارب الواقعية لا يعتمدون فقط على الكلمات النظرية لكي يضعوا خلاصة خبراتهم وتجاربهم للعبور بالأسرة إلى بر الأمان فكان مما استخلصه المربون بعض الدروس النافعة كي تظل السعادة قائمة بين الزوجين وكان من هذه الدروس الواقعية ما يلي:
– خصوصية حل المشكلات بين الزوجين
لا يهدم العلاقة الزوجية شيء أسرع من تدخل أطراف خارجية وخاصة أهل الزوجين فتدخلهم المباشر والمستمر في حل المشكلات بين الزوجين لن يأتي بثمار مرضية وسيزيد الشقاق لغلبة الهوى على الناس، فنجد أكثر أهالي الزوجات ينحازون إلى موقفها ويدافعون عنها حتى وإن كانت هي المخطئة، وكذلك أهل الزوج لن ينصروا الزوجة حتى وإن كان الضرر الواقع عليها بين وجلي، ولا يستثني في التدخل إلا ما أمر الله به إذا وصل الأمر للتحكيم بينهما كما قال سبحانه(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنهمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً)، وأكثر هذه الأمور الخلافية بين الزوجين لو تناولها الزوجان بمفرديهما لكانت النتائج أفضل وسيعود الهدوء بينهما سريعاً، فالمودة والعشرة والنضج النفسي في العلاقة بين الزوجين يسمح لهما بتجاوز المحن والمشاكل ونسيانها والتغافل عما أوقعته من ضرر على نفس كل منهما، أما الأهل من الطرفين فلن يقدروا للزوجين تلك المشاعر ولن ينسوا تلك المشاكل بعد ذلك،وسيحملون بداخلهم ألماً لا ينتهي من زوج ابنتهم أو زوجة ابنهم وسيلاحقان الزوجان دائماً بتلك المشاكل كلما نسيها الزوجان، ومع أول خلاف قد يذكرهما الأهل بما حدث من مواقف محزنة وسيئة الأثر على نفسية كل منهما، وربما تدب الخلافات بينهما وتتفاقم المشاكل وتتسع رقعة الخلاف البسيطة إلى كوارث ومشاكل كبيرة قد لا تنتهي.

– الاحترام المتبادل
يتصور بعض الناس خطئاً – وربما من تأثير الإعلام على تشكيل تصور الشباب المقبل على الزواج – أن الأساس الأول الذي تُبنى عليه البيوت هو الحب، وبدونه لن تقوم للبيوت قائمة، وقد استخلص المربون من فهمهم لكتاب الله أن البيوت تُبنى على المودة والرحمة وأنها تتخذ عمادا لها تعمر به ألا وهو الاحترام المتبادل بين الزوجين، فكل إنسان صغيراً كان أو كبيراً، يحب أن يتعامل باحترام وتقدير ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، فالجميع على حد سواء في الحقوق والواجبات، وكما يحب الزوج أن يُعامل باحترام وتوقير داخل بيته من زوجته وأبنائه، كذلك تحب الزوجة أن يكون لها حق الاحترام والتوقير والتقدير من قبل زوجها وأبنائها.
فالاحترام بين الزوجين هو القيمة الأساسية التي يجب المحافظة عليها وعدم التفريط فيها أبداً بغض النظر عن الحب أو الإمكانيات المادية.
قد يضيع الحب أو قد تختفي ملامحه ويضعف أثره بين الزوجين في خضم المشكلات التي يعانيها كل منها ورغم ذلك تستمر الحياة الزوجية بينهما ولكن إذا مُس الاحترام بينهما أو تصدعت أركانه لن تقوم للبيت قائمة.

– المشاركة في الهوايات
بعد الزواج بفترة تطول أو تقصر بالنسبة لكل زوجين قد تصبح الحياة الزوجية رتيبة وتمضي الأيام على وتيرة واحدة روتينية ويدب الملل إلى الزوجين ويصبح لكل منهما عالمه الخاص الذي يتقوقع داخله ويرفض بشدة دخول الطرف الثاني فيه لأنه يشعر بالراحة والسعادة وحده،وهنا نجد ضرورة تجديد الحياة بينهما وإضفاء روح جديدة حيوية تعيد للزوجين صلتهما ببعضهما وتساعد على الاندماج الفكري والمزاجي والعاطفي بينهما مرة ثانية حتى تكون سبباً في إعادة السعادة للأسرة بأكملها، فنجد أحد الحلول السحرية الاهتمام بالهوايات سواء كانت مشتركة بينهما أو يحاول كل طرف منهما تبني أفكار الطرف الآخر والدخول إلى عالمه الخاص ومشاركته فيه بحب واهتمام.

فما المانع من أن تهتم الزوجة بعالم الرياضة عموماً أو البورصة أو الإنترنت أو السياسة – طبعاً كل ذلك فيما لا محظور فيه شرعاً – إن كان ذلك سيقربها من زوجها فكرياً وحوارياً ويبني بينهما جسراً من النقاشات البناءة المشتركة ويقضي على مشكلة الخرس الزوجي التي يعاني منها كثير من الأزواج، وفي المقابل على الزوج تقدير هذه الخطوة من زوجته واستقبالها بصدر رحب وعدم ترجمتها إلى أنها تريد اقتحام خصوصياته أو التدخل في مختلف شؤون حياته،بل يفهم رغبتها ويستوعبها ويدعمها.

وعلى الزوج كذلك مشاركة زوجته في اهتماماتها محاولاً أيضاً لتقليل الهوة بينهما، وما أجمل أن يشترك الزوجان في هوايات واهتمامات مشتركة جديدة تجمع بينهما كزيارة دور الأيتام أو الجمعيات الخيرية أو دور المسنين، أو أن يجتمعا على ما يفيد دنياهم وأخراهم ويرضي عنهم الله عز وجل كحفظ القران الكريم أو تنمية مهاراتهما الفقهية أو اللغوية أو التقنية، فيتمكنا من إإقامة حوارات مشتركة جديدة تجمعهما دائماً وتبعد عنهما ذلك الملل الزوجي الذي ينشأ عن عدم تجديد كل منهما لأفكاره وعدم التخلي من كل منهما عن مواقعه التي يتحصن بها بعيداً عن الآخر.

– إجادة فن استخدام لغة الهدايا
للهدية وقع خاص ومؤثر على النفس البشرية عموماً، لما فيها من إظهار للتقدير والاهتمام والتفكير في المُهدى إليه بعد فترة ليست بالقصيرة للوصول إلى شيء ينفعه ويرضيه، وفيها إظهار للمحبة والرعاية، وقد أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم بالهدية لما فيها من تأليف للقلوب ولما تتركه من أثر إيجابي عميق في توطيد أواصر المودة والحب بين الزوجين، فكما روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تهادوا تحابوا)، فالمتأمل في الحديث تأملاً لغوياً يجد جواب الشرط يأتي مباشرة بعد فعل الشرط مباشرة دون أي فاصل بينهما، ولهذا دلالته على أن المحبة نتيجة حتمية للهدية وسريعة ومضمونة بلا تعقيدات.

وللهدية في الحياة الزوجية لغة خاصة جداً لا تحتاج للكلمات فلها مفعول السحر على توصيل الرسالة إلى مَن نريد، ففيها معان كثيرة تستطيع توصيلها، ففيها الشكر بعد مجهود كبير يعبِّر فيه الزوجان عن امتنانهما وتقديرهما لزوجه، وفيها الاشتياق بعد مرض أو حادث أو غياب طال أو قصر، وكذلك فيها الاعتذار عن خطأ ما، وهذا ما نجده عند الرجال أكثر منه عند النساء نظراً لطبيعة الرجل التي لا تقبل عادة أن ينطق بلفظ التأسف صراحة ويستثقل جداً أن يعتذر بالطرق المباشرة فتأتي الهدية كرسول بالاعتذار الضمني لشريكة حياته، وفيها تعبير عن الحب الذي يبدأ في التواري والاختفاء بعد سنوات الزواج والإنجاب ومشكلات الأبناء الكثيرة كما يسمى بالفتور العاطفي، فتأتي الهدية كنوع من المفاجأة للزوج فتكون بمثابة الومضة التي تنير قلبيهما، وتعبِّر عن مدى حب كل منهما للآخر، وللهدية والعطاء تأثيرهما على أشد القلوب بغضاً فتحيلها إلى أشد القلوب حباً ولها تأثيرها الشديد على الرجال فكيف بالنساء وهن أرق قلوباً وألين عاطفة.

ولقد استخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم – كثيراً جداً – الهدية كوسيلة من وسائل ترقيق القلوب واجتلاب المحبة لما علم من عظم تأثيرها فيقول صفوان بن أمية رضي الله عنه – وهو الذي ظل يبغض النبي صلى الله وسلم طيلة حياته -فيروي مسلم عنه قوله:(لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلىَّ).

258

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة