دراسة أدبية لقصيدة ميسر

تاريخ النشر: 16/10/15 | 8:48

هذه قراءة أدبية لقصيدة مُيَسَّر التي كتبت بقلم الشاعر د. فاروق مواسي :

تدعو لعُرسِ ابْنَتِها
– تزفُّها
ببسمةٍ حزينةٍ مودِّعَهْ
زغرودةٍ مبحوحةٍ مُوَجَّعَهْ
وآهَةٍ مُرَجَّعَهْ
عينين تبحثانِ عَن منارَةٍ
غريقةِ السَّنا
يدٍ تَلَمَّسَتْ
تَوَجَّسَتْ
تراجَعَتْ
ولونُها الباهتُ لا يقولُ إذ يقول-
اِمْرَأةٌ أنْهَكَها الداءْ
شبابُها لم يُجْدِهِ الدُّعاءْ
فأصبحتْ حكايةً مُرَوِّعَهْ
تردَّدَتْ
واستدركتْ:
” لكنها العروسُ ضَجَّتْ بالحياهْ
رغم نواقيسِ المماتْ
حاملةً لآلئَ الدُّموعْ
لتنجِبَ البنين والبناتْ
كأمِّها ستعشقُ الحياهْ
كأمِّها
ستعشقُ
الحياهْ
…………..
لا يستوي الأدب نشاطاً إنسانياً حتى يعبر عن ضمير الإنسانية، ويستبطن مكنوناتها، ويستخلص منها الفائدة والموعظة، والأثر الخلاق الذي يؤثر في ضمير الأجيال المتتابعة. ولذلك نجد من الأدب وفنونه ما يخلد خلود الزمان، ومنه ما يذبل فيؤول إلى الأفول على مديات زمانية متفاوتة.
وتأتي قصيدة مُيـسَّــر” ” للشاعر الفلسطيني فاروق مواسي لتعبر عن تجربة إنسانية من نوع مختلف، أو نادر، ولكنه يقع من الإنسانية في الصميم، ويلخصها الشاعر بقوله: “ميسّر قريبة لي أصيبت بالمرض العضال فأنهكها وأهلكها قبل أكثر من عقدين، وأصابها ما أصاب غيرها، ورحلت إلى الرفيق الأعلى كما رحل غيرها، فكل من عليها فان. ولكن الطريف في حكايتها أنها دعت إلى زواج ابنتها في ساعات احتضارها، وامتزج الغناء بالبكاء”.
وبقدرته على التصوير بالبارع بالكلمات، والسرد الشعري الماتع، استطاع الشاعر أن يمهد لهذه الحكاية المؤثرة تمهيداً فيه الكثير من التشويق القائم على المفارقة بين حزن الأم وعرس البنت وفرحها، بين دعوتها إلى عرس ابنتها وبسمتها المودعة للحياة وزغرودتها المفعمة بالوجع، المتلفعة بالآهات:
تدعو لعُرسِ ابْنَتِها
– تزفُّها
ببسمةٍ حزينةٍ مودِّعَهْ
زغرودةٍ مبحوحةٍ مُوَجَّعَهْ
وآهَةٍ مُرَجَّعَهْ
عينين تبحثانِ عَن منارَةٍ
غريقةِ السَّنا
يدٍ تَلَمَّسَتْ
تَوَجَّسَتْ
تراجَعَتْ
ولا يترك الأمر مفتوحاً على التفسيرات المختلفة دون أن يشير إشارة مباشرة إلى السبب في ذلك كله، وهو المرض العضال الذي ألمَّ بالأم، ولم ينفع معه دواء ولا دعاء، فأصبحت موضوعاً لحكاية مُروِّعة:
ولونُها الباهتُ لا يقولُ إذ يقول-
اِمْرَأةٌ أنْهَكَها الداءْ
شبابُها لم يُجْدِهِ الدُّعاءْ
فأصبحتْ حكايةً مُرَوِّعَهْ
وفي موقف إنساني يدعو إلى التأمل في ضرورة إعلاء شأن الحياة وتقديسها، والإيمان بأهمية استمرارها والعمل من أجله، حملت البنت أخلاق أمها ومبادئها السامية بعيداً عن النفعية والأنانية، لتؤسس بيتاً تستمر فيه الحياة عبر الأجيال:
لكنها العروسُ ضَجَّتْ بالحياهْ
رغم نواقيسِ المماتْ
حاملةً لآلئَ الدُّموعْ
لتنجِبَ البنين والبناتْ
كأمِّها ستعشقُ الحياهْ
كأمِّها
ستعشقُ
الحياهْ

إن الشاعر فاروق مواسي، وهو من الجيل الشعري الرائد إلى القصيدة المعاصرة بما تحفل به من مقاييس الشعرية العربية الملتزمة بشروط الموسيقى بنوعيها الداخلية والخارجية، يؤكد التزامه بقضايا الإنسان، وبأهمية أن يكون الشعر موئلاً لها، ومعبراً عنها أصدق تعبير، ليؤدي مهمته الفاعلة في المجتمع والحياة.

بقلم: د. مقداد رحيم- جامعة المستنصرية (العراق)

2

‫2 تعليقات

  1. رحمك الله جدتي انت شخص عزيز علينا ، صحيح انني لم اراك لكنني سمعت الكثير عنك من امي التي دائما تدعو لك بالرحمه والمغفره .

  2. اسأل الله ان يجمعنا بالغاليه في جنان عرضها السموات والارض :)!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة