دراسة نقدية لديوانين الشاعر الأستاذ نظير شمالي

تاريخ النشر: 16/04/15 | 10:00

مقدِّمة: الشَّاعر ” نظير شمالي” من الشعراءِ المحليِّين المبدعين والمتميِّزين فنيًّا على الساحة الأدبيَّة للمحليَّة. يكتبُ الشِّعرَ العاميَّ والفصيحَ والقصَّة القصيرة والمقالة َ الأدبيَّة والإجتماعيَّة والفلكلوريَّة الأدبيَّة وينشرُ إنتاجَهَ الإبداعي في الكثير من الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المحليَّة منذ أكثر من ثلاثين سنة وقد أبدعَ في جميع الألوان والفنون الادبيَّة… أصدرَ حتى الآن ستة مؤلفات، وهي: 1 – ديوان شعري بعنوان: “أستقبل الفارس الحزين في مدن الغربة ” – سنة 1976.
2 – مجموعة قصصيَّة بعنوان: ” التقيّ، في ظلال المدينة الميِّتة ” – 1981.
3 – قصَّة للأطفال بعنوان: ” طمع إبن عازف الرَّباب ” – 1989.
4 – حقَّقَ الأعمال الشِّعريَّة للشَّاعر العكّيّ المرحوم ” خليل الأيُّوبي ” تحت عنوان: ” خليل حسن الأيُّوبي شاعر في الظلّ “- 1992.
5 – ديوان ” أشعار عاميَّة ” – سنة 1997 – إصدار ” دار الأسوار للنشر- بإدارة ” يعقوب حجازي “.
6 – ديوان ” الآخرون وأما في معطف الحزن الأخير (1999) – إصدار ” دار عكا للنشر “- بإدارة: ” نوال وشاحي منصور”.

والشَّاعر نظير شمالي رغم مقدرتِهِ ومكانتهِ الشعريَّة والأدبيَّة الفذة لم يُرَكَّز عليهِ الأضواءُ، كما يجب، من قبل وسائل الإعلام، ولم يكتب عنهُ النقاد المحليُّون، كما أنهُ بدورهِ متواضعٌ جدًّا لا يسعى ويركضُ وراءَ الشهرةِ وتسليط الأضواء، ويتركُ أعمالهُ وكتاباتهُ هي التي تتحدَّثُ عنهُ. وأنا من خلال قراءتي لديوانيه الأخيرين تفاجأتُ كثيرا كيف أنَّ شاعرا محليًّا في هذا المستوى الإبداعي المُمَيَّز تضاهي كتاباتهُ إبداعات كبار الشُّعراءِ المحليِّين والشعراء الكبار في العالم العربي لم يحظ َ بالشُّهرةِ والإنتشار حتى الآن كما يجب.

مدخلٌ: سأبدأ مقالتي النقديَّة بديوانهِ ” أشعار عاميَّة ” – إصدار ” دار الأسوار عكا – بإدارة يعقوب حجازي “. وهذا الديوان يقعُ في 80 صفحة (حجم وسط)، جميع قصائده باللهجةِ العاميَّة المحكيَّة القريبة للفصحى كُتبت على نمط شعر التفعيلة، ويتناولُ فيه جميعَ المواضيع: الإنسانيَّة والوطنيَّة والعاطفيَّة والإجتماعيَّة.. ويتطرَّقُ في كتاباتهِ إلى أجواء مدينتهِ ” عكا ” التي احتضنت طفولته فعشق حاراتها وبسطاءَها الذين أحبَّهم كثيرا. وسأتناولُ بعضَ القصائد من هذا الديوان مع الدراسةِ والتحليليَّة وسأبدأ بقصيدةِ ” دَقَّ المسَا أبوابي ” وهي مهداة ٌ إلى زوجتهِ ” سهيلة ” (زوجة الشاعر)… في هذه القصيدة يستعملُ الكثيرَ من التعابيرَ البلاغيَّة الجديدة َ المُبتكرة، وهي زاخرة ٌ بالصُّور الشِّعريَّةِ الجميلة المزخرفة، يتحدَّثُ فيها عن الزهور والزعتر والجبال والميجنا والعتابا وينقلنا إلى جوٍّ رومانسيٍّ شفاف حالمٍ ولذيذ، يقولُ فيها:
(” دّقَّ المَسَا أبوابي // قلبي وقلبك عَ دروبِ الوَفا تاهو //
وطيفِكْ وَشم مرسومْ // وصوتِك هدهَد جفوني مع النسمات //
عَ جبالنا الخضرا المتوَّجه بزعتر وزهورْ //
عتابا حنونه وميجنا الرّعيانْ //).

تحليل النصّ: ربَّما يكونُ أوَّلَ شاعر يستعملُ هذا التشبيه والتعبير ” دَقّ المَسا أبوابي “…أي أنَّ المَسا في مجيئهِ وقدُومِهِ فكأنَّهُ يقرعُ البابَ ويدخلُ…والمَسا هنا قد يرمزُ فيهِ إلى الكثير من الأشياء، وليسَ بشرط أن يكونَ الليلُ بحدِّ ذاته…. فربَّما الحزن أو الوَهن والتَّعب، أو جيل الكهولة والشَّيخوخة (الكبر)… وغيره. وهذا المَسَا جاءَ من تلقاءِ نفسِهِ دون أن يُدعَى وقرعَ البابَ دونما استئذان، ثمَّ يُعطينا صورة ً شعريَّة ً أخرى جميلة وهي: ” قلبي وقلبك عَ دروب الوفا تاهُو “، فهما (الشاعر وزوجتهُ) معا في قمَّةِ الوفاء والإخلاص والإنسجام قطعا شوطا ودربا طويلا شائكا في الوفاءِ والتضحيةِ لدرجةٍ انهما تاها في هذا الطريق القويم الواسع (نموذج لقمَّةِ التضحية والوفاء)، كما أنَّ طيفَ حبيبتِهِ (زوجته) هو كالوشم المحفور لا يمحوهُ الزَّمنُ، فطيفها في بالهِ وفكرهِ وخيالِهِ طول الوقت… وهذه الصُّورة ُ الخلابة ُ قد تبدو بسيطة وعاديَة لبعض القرَّاء ولكن لم يستعملها أحدٌ قبله بهذا الشكل. ثمَّ ينتقلُ في القصيدةِ إلى صوتِ الحبيبةِ (زوجته) فقد هدهدَ صوتُها جنتهُ مع النسماتِ التي على الجبلال الخضراء المتوَّجة بالزهور والزَّعتر، وصوتُها عتابا حنونة وميجنا الرّعيان. إنَّهُ تعبيرٌ وتشبيهٌ من واقع وصميم تاريخنا وتراثنا العربي الفلسطيني المحلِّي، فهما (الشَّاعر وزوجته) جسمٌ وكيان واحد تجذرا وتعمَّقا وتصوَّفا بمحبةِ وعشق الأرض، وتجسَّدا الوطنَ والأرض وبكلِّ ما تنبتهُ الأرضُ من زعتر وزهور ونباتات. ثمَّ ينتقلُ في مقطع آخر من القصيدة فيقول:
(” دقَّ المَسا أبوابي // والشَّمس خلف أكتاف الجبل غابتْ //
من دمعة حزن خايف تحرقْ خدودكْ //
شُو بتحرقني الدَّمعات // شُو بتكويني دمعاتِكْ // “)
… أي عندما جاءَ المساءُ وقرعَ أبوابَهُ… أبواب العمر المُشرعة، فالشَّمس خلف أكتاف الجبل غابت.. فكأنَّ الجبل لهُ أكتاف فتوارت شمسُ عمرهِ وراءَ أكتافه، وهو يخشى ويخاف على حبيبتهِ من الدَّمع الحارق.. ويقفُ القارىء هنا حائرا فلا يعرفُ أيَّ دمع هذا، ثمَّ ينتقلُ الشَّاعرُ إلى جملةٍ جديدة حيث يقولُ: (“هذه الدَّمعات تحرقني كم تكويني دمعاتك “)… أيّ أنَّ دمعَ حبيبته يتناثرُ ويسقط على خدِّها فيحرقهُ هو أيضا ويكوي خدَّهُ، فيحسُّ بحرق الدُّمع..دموع محبوبتِهِ أكثر من محبوبتهِ نفسها.
وعندما قرَعَ المَسا أبوابَهُ بقيَ بطلَّتِهِ وقدومهِ (للمَسَا) قلقا والقناديل سهرت والنجومُ بعيونهِ ارتسَمت، وفي وقت قدوم المَسا ساعة َ الشَّفق (الأصيل) لونُ الأفق احمرَّ فكأنَّ خدوده (المساء) غارت حسدًا من خدود محبوبتهِ وأخذ َ عنها اللونَ الأحمر الورديّ وَحَلُمَ وتخيَّلَ الشَّاعرُ كأنَّها مرَّت بهذا المساء وبهذا الشَّفق، فقالَ لها: (” يسعد مساكِ “، ولكن أحلامها لم تطُلْ…وهذا المساءُ جاءَ بموجةِ الألم والحزن وبموجةِ دمع دفقت على أبوابهِ. وكلَّما يأتي مساءٌ هو يتذكَّرُ زوجتهُ / حبيبته – وتذبلُ جفونهُ في ذكرها ويحلمُ فيها دائما.
وبإختصار هذه القصيدة ُ جميلة ٌ جدًّا وعذبة ٌ وَمُترعة ٌ بالصُّور الحلوةِ والكلمات العذبة المُمَوسقة.
ولننتقل إلى قصيدةْ أخرى من الديوان وهي بعنوان: ” غريب ” – في هذه القصيدةِ يتحدَّثُ الشَّاعرُ عن البُعدِ والغربةِ، وكم هي صعبة ٌ وَمُرَّة ٌ الغربة عن الوطن ومسقط الرَّأس.. وفيها يُخاطبُ إنسانة ما وربَّما يعني بها الأرضَ، ويذكرُ بعض الشَّخصيَّات من معالم بلدتهِ مثل: أبو حسين الكندرجي وصندوق الخشب الذي يحمله، وأنهُ لا شيىء بقيَ لهم.. ويشيرُ هنا إلى عام النكبةِ والهجيج والتشَرُّد (عام 1948) ويخاف أن يرجعَ ويرى بيت الحبيبة حبيبتهُ وشبابيكها مغلقة، بعد الرَّحيل… ويتذكَّرُ محبويته التي هي كالأميرةِ وهو الشَّاطر حسن (قصَّة شعبيَّة) وقد تغيَّرت الأميرة ُ وهو صارَ غريبَ الأهل والدار يحملُ جرحَهُ معهُ… جرح الألم والتشرُّد. وتمرُّ السنون على هذا المنوال ويرجعُ من الغربةِ للفقر والظلم ويعرقُ ويتعبُ… وحتى الأحلام قد تبدَّدت ولم تعد هناك أحلامٌ ورديَّة تراودُ فكرَهُ وخيالهُ (صورة شعريَّة حزينة مُعبِّرة تجسِّدُ مآسي الكثيرين من اللاجئين الذين رجعوا إلى وطنهم ووجدوا كلَّ شيىءٍ قد تغيَّر).
وفي هذه القصيدة يُوجِّهُ الشَّاعرُ حديثهُ إلى أمِّهِ… الأرض، فيقولُ لها:
(” حتى الدَّمعة اليوم صارت رماد وهو غريب “… والمقصود هنا كلّ فلسطيني لاجىء وَمُشَرَّد، ولا يوجدُ من يرثي ويتحسَّرُ على حالِهِ ويبقى غريبا إلى آخرالعمر.. إنَّها قمَّة ُالمأساة..مأساة ُ الإنسان والشَّعب الفلسطيني في المَهجَر والشَّتات.

وأمَّا في قصيدةِ (“مدينتنا يا أمِّي والتاس “- صفحة 41 من الديوان) فيأتي فيها بالكثير من الصُّور الشِّعريَّة والتعابير البلاغيَّة الجميلة. وهي قصيدة وطنيَّة…ويعني بالمدينة مدينة “عكا ” التاريخيَّة التي صدَّت ورَدَّت نابليون بونبارت وجحافل الغزاة على أعقابهم خاسرين، وبقيت شامخة ً تعانقُ البحرَ وتعانق السَّماءَ والشَّمسَ والمجدَ طولَ الزَّمن. وهذه المدينة ُ يراها شاعرُنا أنها تبقى حنونة وأطفالها مثل نبتة الحبق، ولكن داخل عيونِهم عشعشَ الأسى والحزنُ، ويُخاطبُ أمَّهُ في هذه القصيدةِ فيقولُ لها: إنَّ فرحَتهم من فرحةِ الناس وأساهم من أسى المدينةِ، ومن العيون المحرومةِ من طلعةِ الشَّمس والحُريَّةِ،والميوعة كالأفيون. ويتحدَّثُ أيضا عن الفارق الطبقي في مجتمعِهِ حيث هناك أناس تحت مستوى الناس الآخرين معيشة وحريَّة ً.. ويرى أناسا يرتعونَ فوق أرقاب الناس. أمَّا القهرُ فقد عشعشَ في الصُّدور وطالَ البكاءُ… وَيُشبِّهُ الموتَ بالنسر الذي طالت جوانحهُ جوانحَهُ، ويرى أنَّ شريحة كبيرة من الناس تحصُدُ تعبَها وجُهدَها وكفاحَها شوكا وأسى، وأحلامهم كما هي “لقمة ُ خبز تسدُّ الرَّمق لشفافٍ محرومةٍ “.
ويُخاطبُ ترابَ وطنهِ – مدينته، فيقولُ:
(” يا تراب حَبِّيِتك وعشقت ناسَكْ // وبيوت ناسها عَمْ بتمُوتْ //
بجفوني للأبد انت // للأبد بجفوني // ونموت مثل هالناس //
وفي النهايةِ يقولُ: (“ما أحلى الموت عَ ترابك يا أمِّي //
ما أحلى الموت عَ تراب حارتنا / “).
… أي أنهُ رغم العيش الضنك والعذاب يتمنَّى الموتض بينَ أحضان أمِّهِ ” الأرض ” وبين ذويهِ وأهل حارتهِ وبلدتهِ وأقربائِهِ ولا يموتُ في الغربةِ وحيدًا. إنَّها صورة ٌ رائعة ٌ لصمود الإنسان الفلسطيني والتزامهِ بمبادئِهِ وعشقهِ والتحامِهِ وتشبُّثِهِ بالأرض والوطن.

وفي قصيدةٍ أخرى من الديوان بعنوان (” كانت إلنا أرض ودار”- صفحة 55) وهي وطنيَّة وقوميَّة ومؤثرة إلى حدٍّ بعيد…يتحدَّثُ فيها عن الدَّار والأهل والأرض والوطن والأحباب، وكيف أنَّ الأهلَ والأحبابَ تركوا دورَهم وأرضهم ورحلوا مُشرَّدين رغم أنفهم. ويبدأ القصيدة َ بقولِهِ:
(” كانت إلنا أرض ودار // وحارة دائما عَمْ بتحلمْ //
تحت ندى الصُّبحيَّات // وبتلملم بجناحاتها زغارها //
كانت إلنا مدينة تغمرها الشَّمس بملايتها // وأجراس عَمْ بِتْدُق //”).

تحليل: إنَّ كلَّ من يقرأ مطلعَ هذه القصيدة يتذكَّرُ بشكل تلقائي أغنية فيروز (كانت لنا ضيعة ٌ إسمها بيسان) التي تتحَثُ عن رحيل أهل بيسان ونزوحهم (المدينة الفلسطينيَّة) عن أرضهم، وغيرها أيضا من المدن والقرى الفلسطينيَّة التي هُجِّرَ وتشرَّدَ أهلها. وفي هذه القصيدةِ يستعملُ نظير كالكثير من القصائد الأخرى الكثيرَ من التعابير البلاغيَّة الجديدة والصُّور الشعريَّة الجميلة الملوّنة، مثل: (وحارة دائما عَمْ بتحلم تحت ندى الصُّبحيَّات // وبتلملم بجناحاتها زغارها //)… فهذه الحارة ُ التي يتحدَّثُ عنها هي مثالٌ ورمزٌ للمحبَّةِ والوداعةِ والسَّلام وَمُمَيَّزة بالعلاقةِ الودِّيَّةِ بين افرادِها، فهي كانت دائما تحلمُ تحت ندى الصَّباح (جوّ رطب وَمُنعش) وكأنَّها في احتضانِها لسكانِها عصفورة ٌ تُلملمُ وتجمعُ صغارها بجناحاتها وتضعهم تحت أكنافها وحمايتِها…صورة ٌ شعريَّة ٌ جميلة ٌ للوداعةِ والمحبَّةِ التي كانت تغمرُ هذه الحارة َ قبل التشرُّد والهجيج. ثمّ ينتقلُ فيقولُ: (كانت إلنا مدينة تغمُرها الشَّمس بملاياتها وأجراس عَمْ بتدُق) ويقصدُ بالمدينةِ ليسَ مدينة عكا فقط بل الوطن جميعهُ وفلسطين كلّها (المدينة الكبيرة) بقراها ومدنها وأراضيها ووديانها وسواقيها وسهولها وجبالها، فهذه المدينة ُ كانت مثالا للحرِّيَّةِ والكبرياء، والشَّمسُ دائما تغمرُها بملايتِها وببرقعها، والأجراس دائما تقرعُ فيها وتعزفُ سيمفونيَّة َ المحبَّةِ والسَّلام. ويأتي ويقدِّمُ لنا ” نظير شمالي ” هنا بعضَ الصُّور المألوفة الدارجة والمنتشرة دائما في قرانا ومدننا العربيَّةِ الفلسطينيَّة.. وبأسماءٍ قد تكون صفات أصحابها ونوع عملهم ونوعيَّتهم مألوفة وموجودة في كلِّ قريةٍ أو ضيعةٍ فلسطينيَّةٍ، مثل: ” الشيخ عبده ” الذي يهبُ ليصلِّي الصُّبحَ ويلبسُ كبُّوتهُ ويُصَبِّحُ على الناس، ودائما يقولُ لهم: ” إنَّ الله دائما موجودٌ ولا ينسى عبيدَهُ “… ويرينا نظير كيفَ أنَّ الناسَ في هذه الحارة دائما تسبِحُ خالقها وباريها فهي مُؤمنة ٌ ونقيَّة ٌ تربَّت على الفضيلةِ والإيمان وتدوَِِّرُ (تبحثُ) فقط على لقمةِ الحلال والعيش الكريم الشَّريف، ولكن يقولُ نظير: (” بَسْ آه من كنَّا وكانْ //) وهنا نتذكِّرُ مطلع إحدى قصائد الشَّاعر العراقي الكبير ” عبد الوهاب البياتي” حيث يقول: (” بالأمس كنَّا.. آهِ من كنَّا ومن أمسٍ يكونْ //). ونظير جاءَ بعبارتهِ هنا بالهجةِ العاميَّةِ وبطابع آخر وبنكهةٍ فلسطينيّةٍ، ويتابعُ كلامهُ فيقول:(” كانت جفوننا بالخبز حلمانه //
وسنونيا تعشعش جوَّات الدَّارْ
والصُّبح عَ الطبقْ نُنظُرْ // وثياب المدرسة لونها لون السَّما “).
… إنَّها صورة ٌ شفافة ٌ بريئة ٌ للحياة ونمطِ الحياةِ في القرى الفلسطينيَّة… ثمَّ يأتي لنا بأغنيةٍ.. أنشودةٍ عاميَّة يغنيها للأطفال في المدارس، منها
(“يا مدارس.. يا مدارسْ // شو أكلتو ملبَّس خالصْ)
وبأغنيةٍ عاميَّةٍ أخرى ومطلعها:
(” حمامهْ حمامِهٍ ثلاث حماماتْ // واحدة بتصلِّي وواحده بتصومْ //).
هوَ يوظفُ هذه الأغاني الشَّعبيَّة المألوفة والمعروفة للجميع في قصائدِهِ، وقدوُفِّقَ في إدخالهَ، وكما أنهُ يُدخلُ الأكلات والحلويات الشَّعبيَّة في شعره، مثل:”العوَّامة “، وينتقلُ بشكل مباشر إلى موضوع النكبة والرحيل والنزوح عن الوطن فيقول:
(” كان إلنا وكان وكان // وعَ صوت ماردْ..من أرض ما عرفت
وعَ صوت مارد.. من أرض ما عرفت رحمه.. مرعوبين فقد كنا
كنا نحلمُ بالعوَّامه // والقطر عَ لسانانا ذابْ… //
ناس تركوا بيوت عَم بتحلم // وبيَّارات بتستنَّى القطفْ //
وناس بسجن كبير إستنُّو ا طلّة قمر //
قال الأرض إلها إله والدَّار // والسَّما حتى السَّما إلهْ //
وبالحارات علَّق مشانقْ // والراس بشِلنْ مبيوعْ //
سيوفنا من خشب وسيُوفُهْ بترويها رقاب مظلومِهْ //
وعَ الحيطان انكتب: اللعب ممنوع، والضِحك ممنوع //
والشَّمس، حتى الشَّمس مَمنوعَهْ!! // “).

إنَّ الماردَ هو المحتلَّ الذي جاءَ بشكلٍ تعسُّفيٍّ همجيٍّ واستباحَ وأخذ َ كلَّ شيىءٍ… أخذ ّ الأرضَ والدارَ وسلبَ الوطنَ جميعهُ وشرَّدَ الشَّعبَ، فكانَ جميع الأهل والناس في وطنهم يعيشون بوداعةٍ ومحبَّةٍ وسلام، والبعضُ كانَ يحلمُ ويفكِّرُ بكلِّ ما هو جميل ومفرحٍ ولذيذ.. وبكلِّ أكلةٍ ونوع طعام طيِّبٍ ولذيذ… وحتى العوَّامه (نوع من الحلوى الشَّعبيَّة)… وذلك قبل النكبة، ولكنَّ المارد الطاغي أو بالأحرى المحتلَّ أخذ َ كلَّ شيىء.. فالدَّار والأرض وحتى السَّماء صارت لهُ. ومنعَ كلَّ شيىء وفرضَ سلطتهُ وتعسُفهُ وجبروتهُ وظلمَهُ الرَّهيبَ على الذين بقوا في وطنِهم. وصادرَ كلَّ شيىءٍ يخصُّهُم من املاكٍ وأراضٍ وأنعام وحرَمهم حتى من اللعب والضحك والحُرِّيَّة، والحُرِّيَّة ُ يرمزُ لها الشَّاعرُ بالشَّمس ” فالشَّمسُ حتى الشَّمس ممنوعة ومحجوبة”.

وخلاصة ُ القول: إنَّ هذا الديوان ” قصائد عاميِّة ” – إصدار دار الأسوار – جميع قصائدِه جميلة ورائعة، ولو تناولتُ كلَّ قصيدةٍ على حدةٍ وكتبنا عنها بحثا مفصَّلا وتحليلا شاملا لكتبنا مجلَّداتٍ كبيرةٍ ولا ننتهي، فسأكتفي هنا بهذا القدر وسأنتقلُ سريعا إلى ديوانهِ الأخير وهو بالفصحى وعنوانه: (” الآخرُون وأنا في معطفِ الحزن الأخير ” من إصدار: ” دار عكا للنشر – بإدارةِ نوال وشاحي منصور – والديوان من الحجم المتوسط يقع في 151 صفحة مطبوع طباعة أنيقة وجميلة ومع تشكيل، والغلاف تحليه رسمة ٌ مُلوَّنة ٌ بالإضافةِ إلى الرسومات الداخليَّة الجميلة. ويقتتحُ ويستهلُّ الشَّاعرُ ديوانهُ بمقدِّمةٍ قصيرةٍ. وجميع قصائد هذا الديوان كتبت على نمط شعر التفعيلة، ولكنّ شاعرَنا لم يلتزم بوزنٍ معيَّن فدائما ينتقل من وزن لآخر حتى في نفس المقطع كما التقاسيم الموسيقيَّة حيث لا تلتزمُ بمقام واحد ولكننا نحسُّ ونشعرُ بموسيقى هذه القصائد (في الديوان) الداخليَّةِ الجميلةِ الأخَّاذة كما تطربنا وتأخذ ُ بألبابنا ووجداننا التقاسيمُ الموسيقيَّة ُ.

وهذا للديوانُ (الآخرُون وأنا) قصائدُهُ تتمحورُ وتدورُ في جميع المواضيع: الإنسانيَّة والوطنيَّة والغزليَّة والإجتماعيَّة والوصفيَّة والحكميَّة… إلخ، وأسلوبُ شاعرنا هنا متينٌ وجزلٌ وشيِّقٌ للغايةِ، وقصائدُهُ عميقة ٌ وزاخرة ٌ بالمعاني العظيمةِ ولكنها مُبهمة وغامضة في الكثير منها ويستصعبُ فهمها أحيانا. وهذا الديوان إذا قيَّمناهُ من جميع النواحي والجوانب: الفنيَّة والفكريَّة والمستوى والتجديد والأبعاد الإنسانيَّة والفلسفيَّة نجدُهُ من أحسن وافضل الدواوين الشعريَّة التي صدرت في الداخل من جميع النواحي. ويذكرنا الشَّاعرُ نظير شمالي في مستوى ونمط قصائدهِ بروَّاد التجديد والإبداع، مثل: عبد الوهاب البياتي، صلاح عبد الصَّبور، أحمد عبد للمعطي حجازي وسعدي يوسف… وغيرهم.. الذين يستعملون الكثير من التعابير البلاغيَّة الحديثة في قاموسهم الشِّعري ويغرقون في الرُّموز أحيانا والغموض والإيحاءات التي تحتاج إلى دارس وناقدٍ مُتعمِّقٍ في الشعر والنقد ليفهمَ ماذا يقصدونَ بالضَبط وليسَ بنويقدٍ سطحيٍّ لا يدركُ كنهَ ومعنى ما يقرأ فيُحلِّلُ ويُفسِّرُ وَيُنظِّرُ على هواه وحسب عقليَّته وأفكارهِ وثقافتهِ المحدودةِِ.
سأتناولُ بعضَ القصائد من هذا الديوان مع الدراسةِ والتحليل، كما فعلتُ في الديوان السَّابق (قصائد عاميَّة) وآملُ أن أوفَّقَ في إعطاءِ صورةٍ واضحةٍ عن الشَّاعر ومستوى شعرهِ وأبعادِهِ الفنيَّةِ والإنساننيَّة وتموُّجاتِها على جميع الأطر والإتجاهات والمسارات.. وأوَّلُ ما أستهلُّهُ القصيدةَ الأولى في الديوان بعنوان:(“مِمَّا يُغنيهِ أولادُ الفقراء ” – صفحة 7). وهذه القصيدةُ عميقة ٌ بالمعاني الجيليلة ومغرقة ومتسربلة ٌ بالرُّموز والإيحاءات والتعابير المطلسمة، ونجدُ فيها البُعدَ الإنساني الشَّامل والتراثي والوطني، وهي مُترعَة ٌ بروح الكفاح والتصدِّي، ينظرُ الشَّاعرُ فيها إلى الغد بمنظار حالم مُشرق، فيقولُ في القصيدةِ:
(” لأبي حكاياتٌ كثيرهْ // حول موقدِ للنار في أماسي الشِّتاء //
عن بطلٍ يولدُ في ليل الفقراءْ //
من تلال القمح ِ، من ملكوت هناك //
يأتي القمرُ القمرُ الضاحكُ بقبَّعةٍ خضراءْ
فحقولُ القمح تغنيكَ، يا نشيدَنا المُذهَّبُ يا قمرْ //
وبالحطبِ نأتي… نحتسي الشَّايَ السَّاخنَ عمَّا قليل //
وبالفرح ِ نحلمُ على جناح ِ حكايهْ // “).

تحليل النَّصّ يبدأ هذه القصيدة بأبيهِ الذي يعرفُ الحكايات الكثيرة َ، وأبيه يرمزُ بهِ إلى كلِّ أبٍ أو يرمزُ بهِ لقائدٍ من الشَّعب، فهذا الأبُ يسردُ حكاياته حول موقد للنار في أماسي الشِّتاءِ، ويتحدَّثُ دائما عن بطل ومُنقذ لهذا الشَّعب يُولدُ من ليل الفقراءِ ومن رحم المأساةِ ومن تلال القمح… يأتي من العذاب والفقر والشَّقاء والكفاح والحرب… من ملكوت المُعاناة… يأتي قمرًا ضاحكا بقبَّعةٍ خضراء، والقبَّعة ُ الخضراء إيحاءٌ ورمزٌ للخصب والغلال، فعندها تغني حقولُ القمح بعد أن تنمو وتكبرُ وتصبحُ على وشك الحصاد: ” يا نشيدَنا المُذهَّب يا قمر ” فهي كالقمر والنشيد المُذهَّب، لونها أصفر كسبائك الذهب، ثمَّ ينتقلُ الشَّاعرُ إلى الأولاد فيتحدَّثُ بلغتِهم فيقولُ: بالحطبِ نأتي لكي نضعَها فوق النار لمُقدةِ، ونحتسي الشَّايَ السَّاخنَ الموضوعَ عليها بعد قليل. ويحلمونَ (الاولاد) بالفرح والسَّعادةِ على جناح حكايةٍ تُتلى عليهم من لسان الأب. ثمَّ يُتابعُ الشَّاعرُ حديثهُ قيقولُ:
(” لأبي حكاياتٌ وحكاياتٌ //
تسمنُ الشَّمسُ في الغدِ القريب //
وتوزِّعُ الكعكَ ودفءَ الصَّيفِ // للجياع في البيادر المُثقلة //
في مُدن السُّعال تعشقُ الشَّمسُ صغارَ الفقراءْ // “).
يقولُ: إنَّ لأببيهِ الكثير من الحكايات وعلى لسان الأب يقولُ: لإنَّ الشَّمسَ تسمنُ (تتخنُ) في الغدِ القريب، والشَّمسُ رمزٌ للحريَّةِ والتحرُّر والإنطلاق. وربَّما يكونُ نظير شمالي أولّ شاعر قالَ عن الشَّمس إنَّها (تسمن) ووصفها بهذا التعبير، والمقصودُ بالشَّمس تسمن..أيّ أنَّ الحريَّة َ تنضجُ وتتحققُ وتنتشرُ فهي كالشمسُ وتغمرُ الجميعَ ويشعرُ الجميعُ بالسَّلام ويحسُّونَ بالرَّغدِ والشَّبع والحبور، حيث يُوَزَّعُ الكعكُ للجياع في البيادر المُثقلة بالآلام، ويشعرُ للجميعُ بدفءِ الصَّيف الجميل والطمأنينة في مدن المرض والسُّعال حيث تعشقُ الشمس (الحريَّة) فيها صغارَ الفقراءِ الذين يتوقونَ إليها وإلى السَّلام والشَّبع والإرتواء.

ويتابعُ نظيرُ حديثهُ فيقولُ: إنَّ القمرَ يولدُ من مفازاتِ الليل المُدلهمّ… أيّ انَّ الحُريَّة َ والسلام لا تأتي بالسُّهولةِ، بل تولدُ من جوف الظلام ومفازاتهِ وفي عزِّ ليل القهر والإستبداد…فهذا القمرُ والفجرُ الذي سيظهر سيحضنُ عيونا تحلمُ دائما بكلِّ ما هو جميل. ويقولُ نظير أيضا:
(” ونصيحُ يا رَغيفنَا الأخير // يا خُبزَنا الحريريَّ يا قمرْ //
أيُّهَا القمرُ الورديُّ يا قمَرُ // “).

فالقمرُ هنا هو كلُّ شيىءٍ جميل وإيجابي.. هو الفجرُ والحُرّيَّة ُ وهو السلام وهو القوتُ والطعام، وهو الرَّغيف الأخير الذي يسدُّ الرَّمق ويُنعشُ النفسَ التي على وشكِ السُّقوط والإنهيار والموت.

ثمَّ يتحدَّثُ في القصيدةِ عن خروفِ العيد وذبحه.. وَيُشبِّهُهُ بالشَّعب الفقير المظلوم وللمحكوم والضَّحيَّة الذي يخضعُ لمشيئةِ الجزار ومديتِهِ، ولكنَّ الزَّمانَ سيدورُ ويتحوِّلُ الضَّحيَّة ُ (الخروف) إلى القويِّ وصاحب القرار وصاحب السيَّطوة وسيتصَدَّى للظالم ولن يسمحَ لهُ بذبحهِ أو بالأحرى إستعبادهِ وإذلالِهِ…فهذا الخروف (الشَّعب) لن يبقى ملتويَ القرون مُطأطىءَ الرَّأس، بل قرونهُ ستغدو مسنونة وحادَّة ً ورأسهُ مرفوعا وسيكونُ جاهزًا للرَّدِّ على كلِّ محاولةٍ لإذلالِهِ أو للنَّيل منهُ… وفي نهايةِ القصيدةِ يقولُ نظير شمالي:
(” لأبي حكاياتٌ عن مدينةٍ مثلجةِ الحروف //
تولدُ الشَّمسُ… تنفضُ عن جفنِهَا الرَّماد //
يجتزُّ البطلُ رأسَ السُّلطانَ… يُولدُ النشيد //
ونحنُ لا نملكُ غيرَ الحكايا // نرشفُ الشَّايَ عمَّا قليل //
ونحلمُ حتى الصَّباح.. على جناح حكايةْ.. //).
وخاتمة ُ القصيدةِ تبشِّرُ بالتفاؤل وبالإنتصار على الظلم والإستبدادِ في كلِّ مكان وفي كلِّ بُقعةٍ من هذه الأرض. فالمدينة ُ هي رمزٌ للأرض وللشَّعب أيضا المطمئن من غدِهِ ومستقبلهِ وفجرهِ المشرق. فعروقهُ باردة ٌ (تشبيها واستعارة ً للتعبير عن الهدوء والإطمئنان والوداعة) وذلك لأنَّ غدَهُ ومستقبلهُ ومصيرَهُ مضمون وسعيد.. وأنَّ الشَّمسَ ستولدُ (وهي رمزٌ للحرِّيَّةِ والتحرُّر من الضيم ونير الإضطهاد والإستعمار)، وستنتفضُ هذه الشَّمسُ وسينفضُ هذا الشَّعبُ أيضا الرُّقادَ (النوم) عن عينيهِ، وسيجتزُّ ” البطلُ ” وهو الشَّعبُ العظيم الصَّامد والمُثابرُ والقويُّ رأسَ السُّلطان.. أي رأسَ الإحتلال والإستبداد وسيولدُ النشيدُ (نشيدُ الحُرِّيَّة والحياة الجميلة الهانئة من دون قيود).

ثمَّ ينتنقلُ ويرجعُ نظيرُ شمالي إلى خط ِّ ونقطةِ البداية.. بداية القصيدة ويرجعُ إلى الأطفال المُجتمعين حول الأب، فيقولُ على لسانهم: “أمَّا نحنُ فلا نملكُ غيرَ الحكايا وبعدها نرشفُ الشاي ونحلمُ إلى ساعات الصَّباح على جناح حكاية “. وهؤلاءُ الأطفال هم شريحة كبيرة ٌ من المجتمع (وليس الأطفال بالمعنى المُجَرَّد – الصِّغار في السِّن) بل الكبار والصثِّغار معا (المحدودون التفكير والأعمال والأحلام والطموحات من كبار وصغار في السنِّ) الذين يفكرون فقط في الأمور الغيبيَّة العقيمة والحكايات والأساطير القديمة والتاريخيَّة والماضي العريق برُؤيا متخلِّفة مُغلقة وسلبيَّة حيثُ تخدِّرُ مشاعرَهم وفكرهم ومسامعهم فيغطونَ في سباتٍ عميق ويعيشون للماضي فقط، ولا يفكرونم إطلاقا في إعادةِ التاريخ لصالحهم…وفي صنع تاريخ جديدٍ رائع لهم ولأمَّتِهم ليجاروا بهِ ركبَ التطوُّر والمَدّ الحضاري والعلمي في هذا العصر التيكنيلوجي (عصر الذرَّة والسفن الفضائيَّة) ويغرسوا بصماتهم لإبداعيَّة على كلِّ زاويةٍ وجدار في هذا العالم المادِّي ويمنعوا الإستعمار من إستغلالهم واستغلال وامتصاص خيرات بلادهم.. ولكن وللأسف هم يعيشونَ على أحلام الماضي فقط.

ولننتقل إلى قصيدةٍ أحرى من الديوان بعنوان:(” بطاقة حُبّ إلى عكا ” – صفحة 11)، فيقولُ فيها:
(” كيفَ أمحوكِ مكن مفكِّرتي عكا؟!! //
وأنتِ كلُّ أيام السنمة وفصولي الأربعة //
كيفَ وأنتِ للوجعُ، الفرحُ،، العشقُ، الحبيبَهْ //
إن غابت مقاتاها الظلُّ غاب // فالتصقي أكثر //
كوني وجعي، فرحي، شراييني وأكثر //
كوني طعنة ً وخنجَرْ //
إلتصقي أكثرْ.. // إلتصقي أكثرْ // “).
هذه القصيدة ُ جميلة ٌ ورشيقة يُبدي شاعرنا فيها مدى حُبِّهِ وهيامِهِ وتشبُّثِهِ والتصاقهِ بمدينةِ عكا – مسقط رأسِهِ قاهرة وداحرة نابليون بونبارت وكلّ الغزاة. فهذه المدينة ُ لا يستطيعُ أن يمحوها من ذاكرتهِ، فهي بالنسبةِ لهُ الطبيعة ُ والفصولُ الأربعة ُ (دورة الحياة) وبدونها لا توجدُ حياة ٌ ولا يوجدُ خصبٌ وعطاء، فهي الحياة ُ والموتُ والولادة ُ والسَّعادة ُ واليباسُ والخصبُ والغلالُ والحصادُ، فهي الوجعُ والفرحُ والعشقُ… هي الحبيبة والوطنُ فإذا غابت يغيبُ الظلّ وينتهي كلُّ شيىء فيريدُ أن يلتصقَ بها أكثرَ وأكثرَ ويتحدا ويذوبا معا في عناق ٍ أبديٍّ مثلَ زوج وزوجة وحبيب وحبيبتهِ، فيراها دائما دائما الوجعَ والفرحَ والشَّرايينَ التي تجري فيها دماءُ الحياةِ.. بل وأكثر من هذا… ويطلبُ منها أن تكونَ الطعنة َ والخنجر ليموتَ هيامًا في حبِّها ثمَّ يلتصق بها أكثر وأكثر.. ففي هذه القصيدةِ الصَّغيرةِ يعطينا صورة ً شعريَّة ً جميلة ً خلابة ً مبتكرة، وبكلماتٍ مختصرةٍ مستحدثة يحدِّثنا عن مدينتهِ – وطنهِ – عكا ومدى حبِّهِ لها ومكانتها في نفسِهِ وضميره ووجدانهِ، وضمير كلِّ إنسان فلسطيني وطني ملتزم يعرفُ قيمة الأرض والوطن ويعرفُ قيمة َ بلدهِ ومدينتِهِ التي احتضنتهُ بين أكنافِها.

ولننتقل إلى قصيدةٍ اخرى بعنوان: (” أكونُ معكِ ” – صفحة 85)، يقولُ فيها:
(” أن أكونَ معكِ معناهُ أن أحتضنَ جزيرةً خضراء //
تعبقُ بالأزاهر والنَّدَى // “).
مجهولة َ البكارة ما عرفها قبلي أحدٌ //
ستائرُها ضفائرُ الصَّباحْ // “).

وهذه القصيدة ُ غزليَّة ٌ ذات طابع إنسانيٍّ وطنيٍّ، ويخاطبُ حبيبتهُ حيث يقولُ لها: إذا كنتُ معكِ معنى هذا أنني أحتضنُ جزيرة ً خضراءَ تعبقُ بالأزاهر والنَّدى…أيّ في عناقهِ للحبيبةِ يُعانقُ الخصبَ والغلالَ والزَّهرَ والنَّدَى، فحبيبتهُ هيَ كلُّ شيىء.. هي الطبيعة ُ وسحرُها وبهاؤُها، وهي العطاءُ والخصبُ، وهي السَّعادة ُ.. وهذه الجزيرة ُ لتي يحتضنها من خلال وجودِهِ مع حبيبتِهِ، مجهولة البكارة لم يعرفها أحدٌ قبلهُ ويكتشفُ مفاتنها ومحاسنها وستائرَهَا من ضفائر الصَّباح.

ويقولُ أيضا فيها (النصَّ الحرفي):
(” أن أكونمَ معكِ معناهُ أن أضمَّ فيكِ مدينة ً غجزيَّة //
سماؤُها موجة ٌ من بحار عينيكِ //
لا تعرفُ النومَ ساعة ً // ولا تجدُ غير لغة َ العشَّاق //”).
… أي وجودهُ مع فتاتِهِ فكأنهُ يضمُّ مدينة ًغجريَّة ً سماؤُها زرقاء كالموج.. وهذا الموجُ كشعاع ساحر من بحار عين حبيبتهِ التي لا تغفى ولا تجيدُ غيرَ لغة َ الحُبِّ والعشق، وبوجودهِ مع محبوبتِهِ يشعرُ كأنهُ يُعانقُ محورَ الدنيا وأنَّ الكواكبَ ومحورَ الكون يدورُ لأجلِها.. وأيَّامهُ لولاها (الحبيبة) لكانت سدًى. وأن يكونَ مع حبيبتِهِ فمعناهُ أنَّهُ سَيشَطِّبُ على دفاتر أجزانِهِ مثلَ أطفال الغجر. وهذه الحبيبة ُ هي الحياة ُ والتي تطرقُ نافذة َ عمرهِ لينهضَ ويُواكبَ تيَّارَ الحياة الصَّاخب. وحُبُّهُ لها هو جنونُ الجنون فيقولُ لها في نهايةِ القصيدةِ:
(” أن أكونَ معكِ فمعناهُ أن أجَنَّ بكِ أكثرَ //
وأن أباركَ هذا الجنون // “).
وأمَّا قصيدتهُ (” خربشات عن امرأةِ الثلج وأشياء أخرى ” – صفحة 54) فهي قصيدة ٌ طويلة ٌ يتحدَّثُ فيها عن عدَّةِ مواضيع، فهي قصيدة ٌ غزليَّة ٌ ووطنيَّة ٌ وتحوي في طيَّاتِها الكثير من الأمور، ولكنها مُغرقة ٌ بالغموض والرُّموز والإيحاءات فيخاطبُ فتاتهُ فيها فيقولُ:
(” أبحثُ عنكِ حتى تهرمَ ايَّامي //
حتى يقاعدَ آخرُ عرق ٍ وأعرفُ أني ضيَّعتُكِ //
فبحثي عنكِ صارَ اشتهاءْ //
وإن لقيتُكِ.. أغمض عينيَّ وأمحوكِ // وأنشر أشرعة َ السَّفرْ //
أخافُ البوحَ باسمِكِ لي // فكوني لوحة ً مجهولة َ الألوان //
فيكِ مسافرًا أظلُّ ولا ينتهي سفري //
فظلِّي فوقَ مداركي مجهولة َ الملامح والغات //
سيِّدتي المجبولة ُ من تقلُّبي وجنوني//”).

الشرح – يقولُ: إنَّ فتاة َ احلامِهِ التي يريدُها سيبقى يبحثُ عنها حتى تهرمَ أيَّامُهُ ويتقاعدُ حتى آخرُ عرق ٍ فيهِ (التقاعد عن العمل في جيل الشَّيخوخةِ)، وجاءَ بهذا التعبير والإستعارةِ فشبَّهَ العروقَ بعمر الإنسان وهي أيضا تتقاعدُ، وفي النهايةِ يعرفُ أنَّهُ ضيَّعَ فتاتهُ فبحثهُ عنها هو اشتهاء وإذا لقيها سيغمضُ جفنيهِ ويمحوها من ذاكرتِهِ وينشرُ أشرعة َ السَّفر، فهو يخافُ البوح باسمِها ويطلبُ منها أن تكونَ لوحة ً مجهولة َ الألوان مجهولة َ المعالم، وسيظلُّ مسافرا فيها ولن ينتهي سفرُهُ. فهي فوق المدارك…فوق إدراكهِ ومجهولة الملامح واللغات.. ومجبولة بغرابةٍ من تقلُّبهِ وجنونهِ…هذه الحبيبة ُ هي الوطن والإنتماء وهو يُحبُّها حُبًّا ليسَ عاديًّا بل كالمستحيل وهي ليست كالنساء، وطفلة حيث يراها صغيرة وليِّنة (من شدَّةِ المحبَّة) – وهذا التشبيهُ قديمٌ – ولكنَّها ليست كالأطفال. ويقولُ لها أيضا:
(” أبقيك من جذور الأرض، من جزر العجاب //
من دمعةِ طفلٍ من ساحاتِ الحرب //”).

ولكنَّهُ يلتقي بها في الغد فيراها تافهة ً كغيرها من النساء فيخافُ أن تكونَ امرأة ً ليست كما حلمَ بها.. ليست الوطن والإنتماء والهويَّة. وكما أنَّهُ ينتقلُ في القصيدةِ إلى القضايا الإنسانيَّة والوطنيَّةِ، ويتحدَّثُ عن الظالمين االذين يرفضون َ السلام فيقول: (” مَن ياحُمَاة َ العدل // يرفعُ صوتهُ مرَّة ً //
يرفضُ أفيونَ السلام والقتل المُلفق؟!! //
بنصفِ صوتٍ بنصفِ حركةٍ؟!! // فأصابعُ الجريمةِ استطالتْ //
ومجلسُ (الأمن) يرفعُ كأسَ الخيانة // وأكادُ أبكي في عيون الناس //
فالحُزنُ في مدينتي المَخبوءَةِ بلا مرفإ والناسُ بلا عيون// “).. إلخ.
يقولُ: إنَّ حماة َ العدل همُ الذين يغتالونَ العدالة َ ويرتكبونَ الموبقات والمظالم.. فأصابعُ الجريمةِ استطالت كثيرا، وجلسُ الأمن هو رأس الخيانة والتآمرعلى الشُّعوب الضعيفة المُضطهدةِ والمُستعمرة وقضاياها. فالحُزنُ عظيمٌ في مدينتهِ (وطنهِ) التي ليسَ لها مرفأ للسلام. والناسُ بلا عيون ولا ينظرون إلى الجرائم التي تحدثُ في وضح النهار.. فهنالك الكثيرُ من القتلى والكثيرون بلا وطن وبلا مأوى على هذه الأرض، فالإنسانُ الفلسطيني اللاجىء وحيدا يبقى لا قطار ينقلُ أحزانهُ ويعيدُ الجنودَ القتلى ويُضمِّدُ أحزانَ الوطن. تحيَّة الشاعر (الأرض والوطن) وجهها يُرى كطفلةٍ تبكي منابتَ الزيتون ولم تبكها كلمات مجلس الأمكن المُشوّه، وما زالَ ” نيرون ” (رمز الظلم ويقصدُ الدولَ العظمى والغربيَّة التي بإمكانها تغيير الأوضاع) يعزف على لحن الجريمةِ، وروما تحرقُ كلَّ يوم… أي انَّ الحُرِّيَّة والعدالة َ تغتالُ وتموتُ كلَّ يوم. إنَّ قلبَ شاعرنا (الإنسان المُشرَّد) قد نزفَ حتى النهايةِ ونسي معنى الفرح. فالإنسانُ الفلسطيني اليوم غريبٌ لا يفهمُهُ أحدٌ وأنَّ بلادَهُ نازفة ٌ ولا يوجدُ من يبكي ويرثي للنازحينَ ولتراب الوطن المسلوب، ومجلسُ الأمن ما زالَ يرفعُ كأسَ الخيانة ويشربُ نخب الجريمة والتآمر ويوقعُ بالدم المُراق ” السلام المُلفق ” على أهوائهِ. ويقولُ نظيرُ في القصيدةِ أيضا:
(” معذرة ً حُماة َ الوطن سماسرة َ الوطن //
دفتري لم يعُدْ لي // أضحَى وجعَ الزيتون // كيفَ أسبلُ الأجفانْ //
لم تعُدْ لي أرضٌ وللعصافير وطن ْ //
ودمي مسفوكٌ هُنا فوقَ نظاراتٍ مذهبيَّه // “)… إلخ.
يُخاطبُ هنا القادة َ والمسؤولين السَّماسرة الذين يتآمرون ويخونون الوطن، وأنهُ لم يعُد شيىءٌ…لا وطن ولا شيىءٌ، والعصافيرُ المهاجرة يوجدُ لها وطن، وأنَّ دمَهُ ما زالَ مسفوكا.
ونجد في هذه القصيدةِ بعضَ التكرار في المعاني والنبرات والعبارات الخطابيَّة والمنبريَّة المباشرة بطابع وأسلوب كلّه تحدِّي وعنفوان.
ويقولُ في نهايةِ القصيدةِ:
(” ساهرًا أبقى // أرقبُ العُمَّالَ والجنودَ القتلى… يعلو الصَّفيرْ //
ترحلُ قُطرٌ زاحفه // أبصقُ أفيونَ القضاةِ والعدل المُلفق //
مَن يفاوضُ عن لحمهِ الموجوع؟!! //
لا يُساومُ عاشقٌ على وطنْ // لا يُساومُ عاشقٌ على وطنْ //
ومجلسُ التحشيش سيريقُ من الدَّم فيضَ نهر.. أبصق قهوتي..
… أبصقُ قهوتي… وأهجرُ الجريدَهْ // “).. إلخ..
أيّ أنَّ الإنسانَ الفلسطيني يبقى ساهرا يرقبُ كلَّ سيىء يتعلَّقُ بقضيَّتهِ ومستقبلهِ… والقطارات تبقى زاحفة (قارات السنين والأيام)، وما من جديد، ولا توجدُ هناك عدالة ٌ فكلُّهُ ملفق. ويتساءلُ شاعرنا باستغراب: من يفاوضُ لحمَهُ الموجوع.. أيّ بالرغم من كون الشَّعب الفلسطيني يئنُّ من شدَّةِ العذاب والألم فهيهات يُهادنُ أو يساومُ على لحمِهِ وكيانهِ ومصيرهِ ومستقبله.. حيث يقولُ:
(” لا يساومُ عاشقٌ على وطن // لا يُساومُ على لحمِهِ وطنْ //)
فالإنسانُ العاشق للأرض والوطن (الإنسان الفلسطيني) مستحيلٌ أن يساومَ وَيُفرِّط َ بشبر واحدٍ من ترابهِ، فالوطنُ جزءٌ من العاشق والعاشقُ جزءٌ أساسيٌّ منهُ، فهما جسمٌ وكيانٌ واحدٌ والوطنُ لا يُساومُ على لحمِهِ النازفِ الموجوع. وأمَّا مجلس (التحشيش) فيريقُ الدَّمعَ الكاذبَ ويُظهرُ الحججَ الخرقاء وهو أصلُ كلِّ البلاء… والقضيَّة ُ ما زالت مُعلَّقة ً لم تحلّْ إلى الآن حَلاًّ جذريًّا عادلا وإنسانيًّا.

خاتمة ٌ: في نهايةِ البحث أريد القولَ: إنَّ الديوان الأخير ” الآخرون وأنا في معطفِ الحزن الأخير” فيه الكثير من القصائد الجميلة الرَّاقيةِ العميقةِ بمستواها ومعانيها الرئعة وتحتاجُ إلى دراساتٍ طويلةٍ متعمِّقة، ونظرا للإختصار إكتفيتُ بهذا القدر، وآملُ ان أكونَ قد نجحتُ وأعطيتُ صورة ً مقبولة ً وواضحة ً وَمقنعة ً للقارىء عن الشَّاعر ومستوى كتاباتهِ.
وكلمة أخيرة: أحبُّ الإشارة َ والتوضيحَ أنَّ شاعرنا ” نظير شمالي ” يعتبرُ في نظر الكثيرين وفي نظري من الشُّعراء المحليِّين الأوائل المُبدعين وتضاهي كتاباتهُ كتابات كبار لشعراء في الوطن العربي ولا يقلُّ مستوى إبداعيًّا وتجديدا عنهم. ولكنَّ شاعرَنا لا يسعى ويتلهفُ وراءَ الشُّهرةِ، وكما أنَّ النقادَ أو النويقدين المحليِّين (لا يوجدُ عندنا نقدٌ محليٌّ علمي وموضوعي ونزيه بالمفهوم الحقيقي للنقدِ محليًّا إذا إستثنيتُ ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط يكتبون النقد وهم معروفون). لم يكتبوا عنهُ إطلاقا، وربَّما لأنهُ شاعرٌ وأديبٌ مُبدِعٌ ولأنَّهُ إنسانٌ وطني ملتزمٌ ومبدع ٌ، وهم (النقاد المحليُّون) معظمهم معروفون بتذبذبهم واذدنابهم السُّلطوي، ويكتبون بما يتلاءَمُ مع الجهات التي يخدمونها…مع المخطط السُّلطوي..والأجهزة السلطويَّة أسيادهم.. ويحاولون دائما أن يُشهروا الشُّعرورين والكتيِّبين المُستكتبين المتطفلين والمتسلقين على الدَّوحةِ الأدبيَّة المحليَّة وهم ليسوا كتابا ولا شعراء إطلاقا.. الذين راضية ٌ عنهم السُّلطة وتحاول إشهارهم وإبرازهم وتسويقهم بأيِّ شكل.كان. وأنا بدوري تفاجأتُ كثيرا عندما قرأتُ أشعارَ ” نظير شمالي ” (ديوانيه الأخيرين) وفهمتُ مضامينها ومستواها، فكتبتُ عنهُ بمحبَّةٍ، بما يُمليهِ عليَّ ضميري ووجداني وإيماني ولأجل التزامي ومبدئي وانتمائي القومي العربي الفلسطيني، بالرُّغم من كوني لم أكن أعرف الشَّاعر والأديب ” نطير شمالي ” شخصيا من قبل. وأنا بدوري دائما أكتبُ عن الشعراء والأدباءِ المٌبدعين القوميِّيبن المتميِّزين فنيًّا، الذين عُتِّمَ عليهم من قبل وسائل وأجهزة إعلاميَّة مشبوهةٍ صفراء ونويقدين مأجورين ومدسوسين.
وأخيرا وليسَ آخرًا: إنَّ شاعرَنا ” نظير شمالي ” مهما كتبنا عنهُ لا نستطيعُ أن نعطيه حقه وما يستحقه، فهو يُعتبرُ في طليعةِ الشُّعراءِ والأدباء المحليِّين المُبدعين والمتميِّزين فنيًّا بحقٍّ وحقيقة.. الذين طوَّرُوا الشِّعرَ والأدب المحلي ورفعوا مستواه إلى القمة وإلى سماء الإبداع فشاعرُنا جاءَ بكلِّ ما هو جديد ومستحدث وبأجمل الصور الشعريَّة الجديدة المبتكرة والتعابير البلاغية الخلابة وبالرُّموز والتجليَّات المُوحاة من التاريخ والتراث ومن نمط ومحيط الحياة والطبيعة الخلابة، وبما يتلاءَمُ ويتناغمُ مع طبيعةِ عصرنا الحديث وفكرنا ونمط حياتنا وتوجُّهَاتنا الإنسانيَّة وتطلُّعاتنا القوميَّة والمصيريَّة والعلميَّة الشَّاملة.
ونتمنَّى من الشَّاعر نظير شمالي أن يُتحفنا ويثرينا دائما بالكثير من الإصدارات والإبداعات – الشعريَّة والأدبيَّة.

حاتم جوعيه – المغار – الجليل

7atemjo3eh

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة