رواية”الحصاد” وحبّ الأرض

تاريخ النشر: 10/02/15 | 18:17

صدرت رواية الأطفال”الحصاد” للأديب المقدسي جميل السلحوت بداية هذا العام عن منشورات جمعية الزيزفونة لتنمية ثقافة الطفل، وتقع الرواية التي قدّم لها الدكتور الأديب طارق البكري في 46 صفحة من الحجم المتوسط.
لا يعشق الأرض إلا من داعبت أنامله ذرّات ترابها، واشتم عبق تربتها بعد هطول زخّات المطر عليها. ولا يمكن أن يحبّ الأرض إلا من تمرّغ بتربتها؛ حملها بيديه وجعلها تهطل على جسده، فأصبح التّراب والتّبر عنده سيّان، واندمجت روحه بروح الأرض، وتناغمت حركاته مع نباتاتها التي تربو إذا اهتزت ذرات التراب. فلا يمكن لأحد أن يدّعي حب الوطن إذا انعزل عن تراب الوطن. فالشّهداء هم أولئك الذين خرجوا من هذه التّربة ثم عادوا إليها واندمجوا في أديمها عندما دعتهم لنصرتها.
يحاول الكاتب، في هذا الكتاب الموجه للأطفال، أن ينمّي لديهم حبّ الوطن والارتباط به، وأن يلفت نظرهم إلى العدوّ المتربّص بهم وبوطنهم ويشحذ هممهم نحو مقاومة هذا العدوّ. لكنّه لا يفعل ذلك مباشرة، وإنما يبدأ بترسيخ حبّ الأرض لدى الأطفال، عن طريق إظهار العمل في الأرض كمتعة كبيرة لا تضاهيها متعة أخرى. يحمل أرواحهم لتعيش تلك اللحظات التي يختلط فيها عرق الإنسان مع أديم الأرض؛ يعمل ويكون العمل لذّة، يعطي ويكون العطاء همّة عالية، يتعب لكنّ التّعب ليس ممزوجا بالملل بل بالمتعة، ويكون مقدمة للحصول على خيرات الأرض.
يتنقل الكاتب خلال المواسم الزراعيّة المختلفة، يعطي لكلّ منها شكلها المحبب الممتع: فمن حراثة الأرض والطفل الذي يتوق لدفع المحراث إلى زراعة الحبوب والبقول، ثم زراعة الخضروات، ثم موسم الحصاد وقطف الخضروات. ولا ينسى الكاتب جمال الطبيعة والنباتات البرّيّة التي تزّيّنها، وتلك التي تشكّل غذاء للإنسان الذي يعرف أسرارها.
يقود الكاتب عائلة الطفل محمود والطفلة رباب في رحلة ممتعة في أحضان الطبيعة، يصفها بدقة متناهية بكلّ تفصيلاتها، يجعل الطفل القارئ لها يحلّق في هذا العالم الممتع، ويتوق إلى هذه الرّحلة بعيدا عن الأماكن المعتادة للرّحلات. تفكّر المدرّسة أن تقوم برحلة مشابهة لطلابها، ولكن هل ستستطيع المدرّسة القيام بتلك الرّحلة في العام الدراسيّ القادم كما خططت لها. ينتظر القارئ بشغف، لكنّه يدرك في نهاية الرّواية أنّ ذلك لن يحدث، فتلك الأرض تجرفها آليات الاحتلال قبل نهاية العام.
لا يفوت الكاتب أن يصطحب الطفل محمود إلى المسجد الأقصى، فيربطه بالقدس كما ربطه بالأرض، لكنّه لا يستطيع دخول المسجد عندما يصدّه ووالده جنود الاحتلال. وهنا يتنبه الطفل إلى خطورة هذا المحتل الغاصب، الذي يقطع طريق المؤمنين، ثم ما يلبث أن يعتدي على الأرض وتلتهمها مغتصباته.
وهنا يقود الكاتب الطفل ليتساءل عن الفرق بين أبناء الوطن وبين الأعداء. الأعداء يعيشون على هذه الأرض التي اغتصبوها من أصحابها، ولكن هل هم مرتبطون بها؟ هل يشمّ الطفل اليهوديّ تراب الوطن كما يشتمه أطفالنا؟ هل يأكل اليهوديّ الخبّيزة والذُبّيح ويستخرج الفريكة من القمح الأخضر؟ كلّ هذه التساؤلات تجعل الطفل أكثر ارتباطا بأرضه، وأكثر إصرارا على إخراج هذا العدوّ الذي لا ينتمي إليها ولا يفهمها.
هذه الرّواية، وبهذا الأسلوب، تفوق كثيرا منهاج التربية الوطنيّة التي يضطّر فيه التلاميذ لحفظ عدد كبير من النباتات البرّيّة والأماكن التي لم يروها ولم يعلموا قيمتها لدى الإنسان الفلسطينيّ. فالفرق بين الفلسطينيّ والصهيونيّ هو الارتباط بهذه الأرض وتناغمه معها وفهمه لها وفهمها له، وكأنّهما شيء واحد، أمّا ذاك الدّخيل فهو يستغلّ كرمها إذا زرعها ويدمّرها، ويبقى غريبا عنها حتى ولو ولد فيها.
في هذا الكتاب، يعرّف الكاتب الأطفال بكثير من النباتات البرّيّة التي تنمو في فلسطين واستعمالاتها، فهو يذكر الخبّيزة و الذَبّيح والحمّيض والعكّوب والهندبة والحويرنة وغيرها من النباتات البرّيّة. ثم يعرّف الأطفال ببعض الأدوات التي كانت تستعمل في الرّيف مثل المحراث والفأس والمنكوش والصّاج وخريطة القماش والسّقا وغيرها.
ولا يفوت الكاتب التّعريض ببعض القضايا الاجتماعيّة، فهو يشير إلى عمل المرأة المتواصل في الحقل والبيت، وعدم إعانة الرّجل لها حتى ولو كان لديه الوقت والقدرة للقيام بهذه الأعمال، وكذلك التّفريق في المعاملة بين الأولاد والبنات. فالكاتب لا يريد للأطفال أن يغفلوا عن هذه الحقائق، أو أن يتخيّلوا أن العالم الذي أخذهم الكاتب إليه هو عام خياليّ يبتعد عن الواقعية.
الكتاب يخلو من الرّسومات المعتادة في كتب الأطفال. قد يكون للرّسومات دور كبير في دفع الطفل لقراءة الكتاب، ومساعدته في فهم محتواه. لكنّ افتقار الرّواية للرّسومات يترك المجال للطفل ليتخيل الأرض كما يشاء، وهذا يضيف متعة إلى القراءة، ولا يوجد رسومات تضاهي الخيال الخصب.
ينهي الكاتب روايته بطريقة ذكيّة جدّا، فبعد أن يربط الأطفال بالأرض ويحبّبهم بها ويجعلهم يتوقون لزيارتها ومداعبة ذرّات ترابها، وينتظرون العام القادم بلهفة حتى يرتحلون إليهـا، تأتي آليات الأعداء وتبدأ بتجريفها لتوسيع المستعمرات الصهيونيّة، فيدمّرون الحلم البريء الذي نشأ في نفس الطفل. فينهض الطفل ليذود عن هذا الثّرى الطاهر ويعيد للطبيعة بهجتها عندما يعود الحق إلى أصحابه.

بقلم:عبدالله دعيس

01

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة