رؤيا طائر فلسطيني راحل…"قراءة في قصائد الشاعر سامي مهنا"

تاريخ النشر: 29/09/12 | 4:34

إن الحفر في تضاريس الشعر الفلسطيني المعاصر يكشف لنا عن أسماء شعرية كثيرة، تمكنت من النفاذ إلى جوهر الشعر باعتباره تعبيراً عن حاجة الإنسان إلى معانقة المطلق واكتشاف أسرار الوجود بما فيه من تناقضات وصراعات وغموض ، ولا شك أن الحالة الفلسطينية الفريدة بمعاناتها وهمومها وصيرورتها التاريخية قد تركتْ بالغ الأثر في نفوس شعرائها، فرفدتهم بفلسفة تأملية عميقة تناغي الجرح وتداعب الأمل، وتصنع من الأسوار وحقول الزيتون مادتها؛ للتحليق في عوالم شعرية تتسم بالطرافة والابتكار والاندماج مع أشياء الوجود ومفرداته؛ لخلق اللغة الشعرية المتفردة، فكان الوطن جزءاً لا يتجزأ من ذواتهم ومخيلاتهم وهواجسهم كما لو كان باعثهم إلى فضاء الشعر ومحرك أصابعهم للإبداع وملهمهم للكتابة، فلم يكتفوا بتوجيه القصائد له وبإنارة زواياه المعتمة، بل انغمسوا في متعة الشعر الذاتي والوجداني والروحي متفننين في مناحيه ومنعطفاته، هذا إلى جانب تميزهم الفني وتمثلهم المواصفات الجمالية للقصيدة العربية قديماً وحديثاً، فلم تكن الكتابة الشعرية الفلسطينية متميزة في موضوعاتها فقط، بل وفي عناصرها الفنية من تصوير قوي وانزياحات بعيدة وتشكيلات لغوية وبنائية متطورة، وهكذا أسهم الشعراء الفلسطينيون إسهاماً مذكوراً في الحركة الشعرية العربية المعاصرة بل كانوا قلبَها ومصدر إشعاعها وأحد بواعث ارتقائها وانطلاقتها في دنيا الحداثة شكلا و مضمونا. من هؤلاء الشعراء يبرز في المقدمة الشاعر سامي مهنا أحد شعراء الداخل الفلسطيني وبالتحديد في قرية البقيعة من الجليل الأعلى، فقد أصدر أربعة دواوين شعرية آخرها ” تلاوة الطائر الراحل” في شهر آب الماضي، والتي سنختار منها بضعة قصائد لنقرأها في هذه المحاولة النقدية بهدف الاقتراب من فضاءات هذا المبدع وما تحمل من تجربة غنية ورؤية عميقة وبحث مستمر عن السحر الكائن فيما وراء الكلمات، كما نكتشف فيها تعدد روافد الشاعر التي صبتْ في تجربته الشعرية، وبلورتْ رؤاه وتصوراته وأشكاله الفنية .

يبرز الشاعر سامي مهنا في المشهد الثقافي المعاصر بمساهمات متنوعة شعرية وإعلامية وتنويرية، فهو ليس شاعراً فقط بل شخصية وطنية متسلحة بالشعر، متجذر في الأرض؛ للحفاظ على هويتها وثقافتها واعتبارها، متخذا من الشعر واحد من الأسلحة التي يدافع بها عن الوجود أمام كل محاولات اقتلاع الذاكرة وتغييب الهاجس الوطني، وإشاعة ثقافة اليأس والإحباط والاستسلام. وقد أدتْ جهوده الوطنية إلى المشاركة في تأسيس اتحاد الكتاب العرب الفلسطينيين في الداخل، الذي صار رئيسا له، بقصد توحيد صفوف شعراء الداخل الفلسطيني والحيلولة دون التشتت الذي لا يخدم الهوية والثقافة الفلسطينية، ومن أجل توصيل أصواتهم إلى العالم معلنة ثباتهم وصمودهم وتجذر الروح الفلسطينية في مكنوناتهم، كما أنه يعد ويقدم البرنامج الثقافي والأدبي ” كلمات” في إذاعة الشمس العربية التي تبث من إذاعة الناصرة، وحرّر الزاوية الأدبية والثقافية في موقع عرب 48 على الإنترنت، عدّة سنوات، وله أنشطة أخرى كلها تجعل منه شخصية وطنية، وهو أحد رموز الثقافة الفلسطينية المعاصرة.

لقد انطلقنا في هذه الدراسة المتواضعة وفي جعبتنا عشرة نصوص تنتمي للمجموعة الشعرية الجديدة ” تلاوة الطائر الراحل” للشاعر سامي مهنا، والتي تمثل قمة النضج الفني الذي وصل إليه الشاعر، كما تمثل حسب ما يشي به العنوان رحيل الشاعر المجازي إلى آفاق رحبة جديدة، وكما ارتبط رحيل الطيور بين الفصول بالبحث عن أماكن جديدة للعيش أو الطعام أو الماء، فالشاعر يرحل أيضا من تجربة إلى تجربة؛ للاقتيات بوهج الشعر وأناقة المعنى، معلنا ميلاد زمن شعري جديد، ولكنه رحيل يعكس غربة الذات وضياعها وبحثها عن ملاذ، هو تحليق في سماء أخرى ولكنه مَشوب بالحزن والقلق، على عادة الشعراء الذين يكثرون من توظيف دلالة الرحيل في قصائدهم لتصوير قسوة المكان والزمان وأنهما لا يتسعان للأحلام ولا مفر من الهجرة إلى أمكنة وأزمنة أخرى لإيجاد الدفء الذي تهدأ فيه الروح، فنحن إذن أمام عنوان موح نسمع فيه تلاوة وغناء الطائر / الشاعر في أجواء الشعر وهو ممعنٌ في رحيله اللامتناهي ، مما يقرب إلينا دلالات قصائده ومراميها.

إلا أن قصائد الشاعر سامي مهنا لا تسلم أعنتها بسهولة، ولا تكشف عن أبعادها إلا بكثير من الجهد والتمعن، بقصد الوصول إلى سراديبها وسبر أغوارها، وما ذلك إلا ميزة للشاعر تعطي فنه طابع الإبهار والإذهال، والإيحاء، وتدفع المتلقي إلى مقاساة متعة الغموض والإبهام والغوص في المجهول؛ ليؤدي كل ذلك في النهاية إلى الوصول لحقيقة المعرفة، فالقصائد التي تسلم نفسها من أول نظرة تكون عادةً أقل قيمة وجودة من الناحية الفنية، ولنأخذ من شعره الذي بين أيدينا قصيدته” لا أريد منك سوى نفسي” التي تبدأ بهذه السطور :

ضعْ وردةً بيني وبينكَ

واحتضنْ ضَوءاً تهافتَ

من جموحِ الموجِ…..

في هذا المدى القُدْسِيِّ

يحتفلُ المكانُ بعاشِقينِ تَدَرَّجا شغفًا

كعزفٍ يرتقي بالروح نحو الانخطافْ

ضع وردةً فوق انكسار الضوء

في صَحوِ النَّبيذِ…..لنرتقي

ونقولُ ما لا يَنتقي

الوعيُ المرتَّبُ بالشَّذى العفَويِّ

في خفقاتنا

وَندُّلُ فوضى القلبِ للنبعِ الخفيِّ

لنفترشْ نهرًا يهُبُّ

على نواحي الرّوحِ في فيضِ الضِّفافْ

إن القراءة الأولى لهذه السطور تنبئ بأننا أمام شاعر يستخدم اللغة استخداماً خاصاً، فهو اختيار فنان ينتقي من معجم اللغة مفردات الحياة والذات ويكسوها أرديةً جديدةً، ويخلع عليها عواطفه، متماهياً مع الأشياء المحيطة به؛ ليؤثث منها عالمه الشعري، فالشاعر يُكثر استخدام كلمات الطبيعة بحمولة إضافية تعطيها دلالات وأبعاداً رمزية، تغذي الفكرة التي يريد تمريرها للقارئ، فنرى في هذا النص ألفاظا، مثل: الوردة/الضوء/الموج/النبيذ /الشذا/ النبع/ النهر/ الضفاف، وهي كلمات تغادر حقلها الأصلي الذي هو الطبيعة الذي احتفل به الرومانسيون؛ لتستقر في حقل الذات الشاعرة التي تنظر إلى الكائنات بفلسفة وتأمل، فليس هذا النص إلا حواراً داخلياً بين الشاعر وذاته، يصور فيه اللحظة التي يعيشها بكل شغفها وحبها ووجدها وقلقها وتطلعها وانتظارها، وهذه الوردة التي يطلب الشاعر من ظله أن يضعها بينهما ليست سوى رمز للأمل المتجدد الذي يكافح الجدب في الحياة والإرادة ، وإن كانت للوردة دلالات أخرى يستخدمها كل شاعر حسب الدفقة الشعورية التي تحددها الملابسات المحيطة بانفجار القصيدة، وهنا يعتبر الرمز إحدى الخاصيات التي تميز كل شاعر عن غيره وتسم ملامحه الفنية، وفي خضم هذا الباب نلج موضوع التناص الذي نادى به النقاد، وتعريفه: يرى ميخائيل باختن أن التّناص: تداخل السياقات ووجود علاقة بين نص قديم وآخر جديد، وترى جوليا كرستيفا أن التّناص: لوحة فسيفسائية من الاقتباسات, وكل نص هو تشرُّب وتحويل لنصوص أخرى، ولقد وظّف شاعرنا سامي في نصه الأدبي النصوص التراثية الإنسانية التي تغني تجربته الشعورية وتوفر له طاقات إيحائية واسعة، والتناص أنواع، ومنه التناص الأدبي.

فمحمود درويش يقول مثلا( في ديوانه حبيبتي تنهض من نومها) :

اﻟورد ﻤﻨﻔﻲ ﻋﻠﻰ ﺼدرﻫﺎ

واﻟورد ﻤﺤروق ﻋﻠﻰ ﺼدرﻫﺎ

ويقول سميح القاسم في قصيدته غوانتنامو:

من أرهبَ النسمةَ الوادعَهْ

ومن أرعبَ الوردةَ الطالعهْ

فالواقع الصعب الذي يعيشه شاعرنا، وما فيه من ظلم اجتماعي، وتسلط سياسي، يضغط على الشاعر بأحاسيسه المرهفة وبمنظار شعوره الرقيق، فتتولّد الأفكار وتغتلي العواطف فتهيج عاطفة الشاعر وتحاول الابتعاد أكثر عن اللفحات الحارة لتلك الهموم إلى غزل رقيق ليتلهى به وينسى الوقع المر،ّ وليخفف عن النفس عذاباتها، فتنطلق بهذه السطور الشعرية الرقراقة.

.ويقول بعد ذلك :

واحتضنْ ضوءاً تهافت من جموح الموج.

إنها دعوة لمعانقة الضوء الذي انفلت من جموح موج هادر جبار يذكرنا فيه الشاعر سامي بقول امرئ القيس :

وليل كموج البحر أرخى سدوله = علي بأنواع الهموم ليبتلي

إلا أن الموج جاء في سياق يمتزج فيه الهدوء والصخب ، فهناك الاحتضان والضوء فالجموح فالموج، وهي تشي بحركات سريعة أو عملية انتقال مفاجئة من حالة إلى حالة لعلها ذاك الرحيل الذي وسم الشاعر به مجموعته الجديد ( تلاوة الطائر الراحل) أو دلالة على اعتناق البياض وتطويع السواد الجامح لخلق مرحلة جديدة. وفي جو ملحمي ينقل الشاعر خطابه من الأسلوب الإنشائي إلى الأسلوب الخبري.فإذا كان الأول الذي جاء على صيغة الأمر يترجم انفعال الشاعر، فإن الثاني يُخبر عن القضية التي حركته لإنتاج الموضوع، وهو هنا احتفال عاشقين تدرجا شغفاً في هذا المدى القدسي مثل معزوفة سحرية ترتقي بالروح في الأعالي .وهكذا يعلن الشاعر عشقه لمحبوبته.

وتقولُ لي: اكتبني

بريشةِ شطحةٍ

عُلْويةٍ

صوفيةٍ

عبثيةِ الأجواءْ

فأقولُ: علّيني إلى قممِ الهوى

فالشِّعرُ لا يتنفّسُ الإلهامَ

إلاّ في السَّماءْ

فهنا يبدأ الحوار بين الشاعر ومحبوبته، فالشاعر يقول: “فتقول لي…..وتقول أي المحبوبة”، حيث لجأ إلى تقنيات فنية مستمدة من الفنون النثرية السردية، فاستخدم الحوار، ولجأ إلى التداعي الحر من خلال اعتماده في نسج القصيدة على الذاكرة والحواس والخيال، ومكّنت هذه التقنيات بأن جعلت بناء القصيدة يقترب من البناء الدرامي ، وهذا الحوار بين الشاعر والمحبوبة يذكرنا بالحوار الذي جرى بين امرئ القيس ومحبوبته:

تَقُولُ وقَدْ مَالَ الغَبِيْطُ بِنَا مَعـا = ً عَقَرْتَ بَعِيْرِي يَا امْرأَ القَيْسِ فَانْزِلِ

فَقُلْتُ لَهَا سِيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـه = ُولاَ تُبْعـِدِيْنِي مِنْ جَنَاكِ المُعَلَّـل

والشاعر يلجأ للتشبيه والمجاز والكنايات والتشخيص والتجسيم، فالريشة قدسية لها أجواؤها الصوفية ، وللهوى قمم كما الجبال، نعم، إنها صور جديدة ومبتكرة

وهذا تناص أدبي ، والتناص يثري الأدب ويمده بعناصر القوة والجمال.

ثم يعمد بعد ذلك إلى تقديم رؤياه للواقع وسبل تجاوز أزمته بالارتقاء بالوعي والوصول بالقلب المتشتت المتكسر إلى ينبوع الهدوء والسكينة، بلغة جديدة وقصيدة جديدة، فالمحبوبة مصدر إلهام يستمد الشاعر منها عزمه ومضاءه وعذب تعابيره وأفكاره، فيقول :

وأريدُ أغنيةً تتمِمُ دورةَ الوهميِّ في العاديِّ

كي أجدَ احتمالاً للقصيدةِ في الرُّؤى

وأريدُ وجهَكِ كي أرى لغتي الجديدةْ

وأريدُ صوتكِ كي أرى الأسماءَ في الأشياءِ

كي أتنفّسَ البرَّ المُشعَّ على عيونِ غزالةٍ

وأضيع كالسحبِ الشريدهْ

وهنا يلجأ للتصوير بصور جديدة مبتكرة، فهو يريد صوت المحبوبة ليصل به لحقائق الأشياء، ويصور البر بكائن حي يتنفس، ويشبه المحبوبة بالغزالة، ويشبه نفسه بالسحب، وهذه الانزياحات تضفي جمالها على النص بلغة موحية

إننا هنا أمام شاعر وموقف ورؤية وفلسفة ورقة وعشق، اختزل في قصيدته صورة الشاعر عذب العواطف رقيق المشاعر ، وبهذا الأسلوب يجسد شاعرنا تطور القصيدة العربية الحديثة شكلا ومحتوى، ونجح في تقديم إبداع موسوم بطابعه الخاص يسير فيه على خطى كبار الشعراء، إلا أنه يجدد فيه بما امتلك من إحساس قوي برقة العواطف تماما مثلما امتلك بالكلمة سلاحا لفرض الوجود وتأكيد الصمود والإيمان بالحرية الانعتاق .

ومما يثير الإعجاب في تجربة الشاعر سامي مهنا قدرته على التنويع في كتاباته الشعرية والتنقل بسلاسة بين أجناسها، فقد كتب قصيدة التفعيلة الحديثة بجودة عالية كما ظهر في القصيدة السابقة واستجاب لكل شروطها الشكلية من ضبط التفعيلات وتوزيعها على أسطر حسب الدفقات الشعورية ، وتنويع القوافي، وأجاد أيضا في القصيدة العمودية ، وفي قصيدة النثر وفي الومضات الخاطفة، وبذلك وقف موقفاً وسطاً بين المتخاصمين على ماهية الشعر والأجناس الأحق بامتلاك صفة الشعرية ، وأكد أن الشعر لا يرتبط بالأشكال بالضرورة، وإنما بما يحتوي عليه من عناصر فنية كالخيال وجمال الرؤية وموسيقى الصورة والانزياح اللغوية، فكتب شعراً عصرياً يواكب تطور الحداثة الشعرية، دون أن يهمل القديم ، في استعمالاته وأشكاله الكلاسيكية ، وليس أدل على ذلك من تمسكه بهويته وتراثه ووقوفه أمام كل محاولات التغريب واقتلاع الذاكرة العربية التي يتعرض لها فلسطينيو الداخل .نجد هذا في قصيدته ” جمال ينحت قصيدة “المنتمية لديوانه الجديد، وهي على البحر الطويل موحدة القافية والروي، وتحمل شتى فنون البلاغة العربية التي تضفي على القصائد مسحة من رونق وجمال، ولكن الشاعر جعلها قصيدة قديمة برؤية حديثة ولغة موحية مبتكرة، يقول الشاعر في مطلع قصيدته العمودية المؤلفة من ثلاثين بيتاً :

جمالُ الصِّبا يسطو فتُسبي البصائر ويصطادُ قلبي الصَّبَّ حُسْنٌ يُجاهرُ

ولا يتسع المقام لي في هذه العجالة إلّا أن ألقي بعض النظرات الخاطفة السريعة المختصرة في هذه الأبيات التي تثبت أن شاعرنا طويل النفس، يصل مرتبة فحول الشعراء، لما في هذه الأبيات من انزياحات وتصريع واستعارات وتشبيهات وكنايات، ففي البت الأول: يصور لنا شاعرنا الصبا بصورة إنسان جميل يسطو ويأسر البصائر، ويصور قلبه بالصياد يحسن الصيد فيصطاد الجمال، وفي البيت تصريع يزيد الموسيقا جمالا على جمال، ويقول:

أردتُ بليـلِ الهـجرِ راحةَ مقلتي خُذلتُ فشوقُ الجَفنِ صحوٌ وماطرُ

ففي هذا البيت مجاز مرسل فقد أسند الهجر لليل ، مجاز مرسل علاقته الزمانية، وفي عبارة):راحة مقلتي) مجاز مرسل علاقته الجزئية فقد أسند الراحة للمقلة، وفيه تشخيص وتجسيم واستعارة، فالجفن صوره بصورة عاشق يشتاق، وما أعذبها عبارة: صحو وماطر، ففيها كناية عن الشوق في حالتي: الهدوء بلقاء المحبوبة، وفي حالة الهيجان بالبعد عنها ، وهذا أيضا طباق، ويقول:

وإنَّ هـواها كالجهـاتِ مُعانـقٌ وجودي ووجداني فكيـفَ أغـادرُ

ففي البيت ترادف بين كل من”الهوى” و” والجدان”، وفيه تلاعب بالألفاظ بين كل من”وجودي” و”وجداني” جناس ناقص، ويتنقل الشاعر بين أسلوب الإنشاء والخبر، فاستخدم الأسلوب الخبري؛ لتجسد مدى تقديره لمشاعره وأحاسيسه، ، ولتأكيد ذاته وارتباطه بحبه وبوطنه وأمته، فشاعر الغزل عندنا يفر بمشاعره في لحظة شعوره بالعجز وعدم القدرة على التغيير من واقع كتبته الأقدار علينا، وفي البيت استعارة وتشخيص فالهوى يشبهه الشاعر مرة بالجهات ومرة أخرى بإنسان يعانق، وينتقل الشاعر لأسلوب الإنشاء ب”كيف” والاستفهام يفيد الاستنكار، فلا يقبل الشاعر مغادرة من يعشق، متشبث بمحبوبته كما أنه متجذر في أرضه ووطنه، ولله درك شاعرنا عندما تصل لقولك تشدو وتقول:

وكفُّ الجمـالِ المسـتبيحُ دماءنا يصـوغُ الحلا حُلْمًا فيُسحَرُ ساحـرُ

وها نحن أمام صورة عذبة رخيمة، فيشبه الشاعر الجمال في صور إنسان له كف، يضرب بها ويستبيح دماء العاشقين، ويولد الإلهام ويصنع بالقوة الحلا والأحلام والآمال، فهو كالساحر يسبي العقول ويأسرها. ُ

فالعشق عنده رحلة طويلة لا نهائية يعبُر العمرُ في مسالكها إلى أجل معلوم ، فهل يستطيع مواصلة السير في منعرجاته وهو راحل لا محالة؟ إنها إشكالية فلسفية تطرح بقوة من قديم الزمان عالجها الفلاسفة والشعراء من جميع نواحيها ثم جاء

وهكذا أبان عن مهارة لافتة في توظيف البلاغة واستحضار التراث لكتابة إبداع يجمع بين الأصالة والحداثة دون تنافر بينهما، وهذا مما يحسب للشاعر سامي مهنا الذي لم يُصغ للأصوات الداعية إلى الاستغناء عن القديم وقطع الصلة به لدخول مرحلة الحداثة الشعرية، بل ظل متمسكا بموروثه الثقافي معتزاً به مستلهماً إياه في معانقة عوالم جديدة، وكما كتب القصيدتين التفعيلية والعمودية بمهارة واقتدار فقد نجح في كتابة ومضات نثرية لا تقل جودة وإبداعاً (إنّ هذه التوقيعة موزونة- على تفعيلتين من البحر البسيط، مضافٌ للتفعيلة الثانية فُ، فأصبح مسافعلن فاعلاتُ

.يقول في ومضة عنوانها “يا خالقي”:

مَنْ أكونُ

وكلُّ يومٍ هجينُ

تخلقني كلَّ يومٍ فكرةٌ

وتصوغني الرؤى والجنونُ

يا خالقي من أكونُ

إن الشاعر لا ينفك يطرح الأسئلة الوجودية، التي تشي بحيرته والتباس الأشياء المكتظة أمامه، وبعضها يتصل بالعملية اللاشعورية الكامنة وراء الإبداع، فهو إنسان متجدد تخلقه الأفكار والرؤى والجنون، كل يوم بصورة جديدة،مما يجعله يطرح الأسئلة عن ماهيته، ولا شك أن كل شاعر له طبيعة خاصة تميزه عن الآخرين، فهو يعيش ليبدع ويحلم ويتأمل في مسرح الجمال، وتنغمس كل حواسه في جواهر الأشياء، فلا غرابة في أن يشبه بعض الشعراء أنفسهم بالأنبياء؛ لتميزهم واختلافهم، فالشعر شكل من أشكال النبوة يتجلى حين يتلقى الشاعر ما يشبه الوحي أو الإلهام، في خطرات وجمل فنية كما لو أنه يتصل بطاقة روحانية تضخه بالمفردات وتجعله يستنطق الجماد ويتغلغل في صميم الموجوات..:

يقول في قصيدة أخرى عمودية على البحر الخبب عنوانها ” الشاعر ” منشورة في ديوانه الجديد مختصراً طقوسه في الكتابة الشعرية، وهو يكابد حرقة المعنى ويصطدم بالوجود المتوحش:

وجْدًا يقتربُ ويغتربُ

كالشّمسِ يضيعُ ويقتربُ

يتناقضُ مثلَ مزاجِ الماءِ

فيبردُ يفترُ يلتهبُ

يبكي فرِحًا من عشقٍ

يبتسمُ بشفةٍ تكتئبُ

ينقطعُ يهاجرُ منتميًا

يحيا في النّورِ ويحتجبُ

يجتازُ الوهمَ تخيّلُهُ

ولنورِ النجمةِ ينتسبُ

الملاحظ في هذه الأبيات المقتطفة من قصيدته أن الشاعر يكثر فيها من الأفعال المضارعة التي تدل على الحيوية والاستمرارية والتجدد ، فقد استعمل : يقترب / يغترب / يضيع/ يتناقض /يبرد / يفتر/ يلتهب / يبكي / يبتسم / ينقطع/ يهاجر/ يحيا/ يحتجب/ يجتاز/ ينتسب، وكل منها فعل مضارع فاعله ضمير مستتر يعود على الشاعر، وقد استخدم الشاعر هذه الأفعال ذات الحركة الزمنية لتأتي منسجمة مع السياق العام لرؤيته وفلسفته، فالشعر عنده استمرارية لا تكلّ ولا تمل وعطاء لا نهاية له، وهو رسمه لملامح هذا الشاعر الذي ليس إلا نفسه، يصوره في حركية لا تتوقف، فهو يقترب ويغترب في وقت واحد مستعينا أسلوب الطباق، كالشمس التي تغرب فتختفي من الأجواء وإذا بها تعود في حُلّة جديدة، إن هذا الاغتراب الذي يسجله الشاعر يعتبر من خاصيات شعراء هذا العصر ولا يرتبط بالمكان ضرورة، فقد يمتد إلى الذات والروح حين يشعر الشاعر بالضياع والتيه وفقدان البوصلة التي تهديه إلى سعادة فكرية وهدوء بال، ولا شك أن الشعور بالاغتراب يتعاظم أكثر لدى فلسطينيي الداخل الذين تحولوا من أصحاب أرض إلى ضيوف غير مرحّب بهم في بلدهم، وهذا أقسى أنواع الاغتراب المكاني الذي يفجر إبداعاً من نوع خاص، هذا ما نقرأه في الأبيات الموالية، حين يتحدث الشاعر عن انتقاله من حالة إلى حالة في جو من المتناقضات التي تعتبر سِمة الوجود، فالحياة مليئة بالمتناقضات التي تفسر الحقائق وتزيل عنها كل غموض، كما أنها لصيقة بالشعراء لوقوفهم بين نظرات مثالية وواقع يعادي المثالية وينبذها، وبين أحلامهم الكبيرة وعالم لا يسعُها، فعلى ذلك جاء تصوير الشاعر في الأبيات بأنه كان يتحرك بين حالات متعددة متناقضة،فهو يقترب ثم يغترب .يبرد ثم يلتهب.يبكي ثم يبتسم.يحيا في النور ثم يحتجب في الظلمة، ولقد حفلت هذه المقطوعة بأصناف متعددة من علم البديع، فجانس بين كل من”يقترب”و “يغترب” وطابق بين كل من”يبرد”و “يلتهب” وبين”يبكي” ويبتسم” وبين” يبتسم” و”يكتئب” وهناك ترادف بين كل من”ينقطع” و”يهاجر”.إن الشاعر كان دقيقاً وهو يفضي بأسراره تجربته كإنسان وشاعر للقارئ فيعزف على الوتر الحساس لدى كل الشعراء في كل زمان ومكان، وكان اختياره لبحر الخبب في قصيدته هذه موفقاً فهو بحر راقص سريع الحركة وفيه خفة، فتمكن الشاعر من خلق انسجام وطيد بين شكل قصيدته ومضمونها.

من خلال الأمثلة التي استشهدنا بها من شعر سامي مهنا، يتضح أن قصائد الشاعر تنتمي إلى ما سُميَ في الحركة الحداثية بشعر الرؤيا، وهو ضرب من الشعر الجديد يكسر المألوف والمتعارف عليه في الشعر القديم، يقدم فيه شعراء الحداثة موقفاً جديداً من العالم والأشياء، ويقرؤون العالم قراءة جديدة باحثين في بواطن الأشياء قبل ظواهرها، وكما قال أدونيس أحد رواد شعر الرؤيا في كتابه “زمن الشعر” فخير ما نُعرّف به الشعر الجديد هو أنه رؤيا، والرؤية بطبيعتها قفزة خارج المفهومات السائدة ، هي إذن تغيير في نظام الأشياء، وفي نظام النظر إليها” ويتجلى في أن “نرى في الكون ما تحجبه عنا الألفة والعادة، أن نكشف وجه العالم المخبوء، أن نكتشف علاقة خفية، وأن نستعمل لغة ومجموعة من المشاعر والتداعيات الملائمة للتعبير عن هذا كله”،ولعل هذا ما يجعل شعر الرؤيا غامضاً عصيّاً على التفسير مرتبطاً بذات الشاعر وأحلامه الخاصة ومستويات رؤيته، محمّلاً بالكثير من الرموز والانزياح وعناصر تشكيل اللغة والصورة ، ومهمة النقد الحديث هي محاولة الاقتراب من عوالم هذا الشاعر/ المختلف ومن ذاته الفريدة ،لاستخراج دلالات صوره ورموزه ، إذ أن الوصول إليها ليس بالسهل ولا المتاح غالباً، فيظل المعنى في بطن الشاعر كما يقال كواحد من الغيبيات التي لا يدركها إلا الشاعر نفسه خالق الفكرة والصورة، يقول شاعرنا في قصيدة “معنى لا يدخل في ثقب قصيدة” إحدى ثمرات ديوانه الجديد :

هكذا سِرْ

بلا جهةٍ دونَ سِرّْ

كاشفًا ورقَ الأسئِلةْ

تائهًا…

لا جوابٌ ولا مُعضِلة

يسقطُ اللّفظُ مَيْتًا

على مسرحٍ للخيالْ

إن اندماج الشاعر في تيار شعر الرؤيا يظهر جلياً انطلاقاً من العنوان الذي يفترض فيه أن المعنى لا يدخل ثقب قصيدة، وهو ما يطرح التساؤل عن حجم هذا المعنى الذي يجب أن يكون بالضرورة واسعاً مترامي الأطراف ويأتي تشبيه القصيدة بالإبرة طريفاً وباعثاً للتفكير في وجه الشبه بينهما .

إنها رؤيا الشاعر القابض على جمرة المعنى الذي يقف أمام القصيدة بذهول متهيباً الدخول إليها حتى إنه يحس بأن بابها أصغر من ثقب إبرة، حتى إذا دخلها سار فيها بلا وجهة تائهاً يحمل ورق الأسئلة دون أن يجد جواباً، فيا لها من معضلة لا حل لها، حتى إن الألفاظ لتختنق وتموت في هذا العالم الغريب المكتظ بالمفارقات والمفاجآت والأبواب المغلقة، غير أن في القصيدة ترياقاً مضاداً للألم والقلق، والألم يداوي الشاعر به عذابات الروح، ويقول في بعضٍ من ذلك :

هكذا، طافَ عطرُ الكلامِ على

شهواتِ الورقْ

حينَ غنّى الفؤادُ

على غصنِ حُلْمٍ فنامَ الأرَقْ

ومثل رواد شعر الرؤيا يجعل الشاعر سامي مهنا ذاته في قلب كل خطاباته الشعرية، فهي حاضرة بصيغ الماضي والحاضر والمستقبل يدخل معها في مناجاة أو يقرأها أو يستحثها في عالم خاص به صنعه عن طريق الحلم والخيال، وفيه يقيم صلة حميمة بالكائنات والأشياء فيعمد إلى مؤانستها ويصادقها ويعشقها ويستمع لها ويلمّ بأفكارها، يناغي صبحها ونسمتها وأفقها وغيماتها ووقتها وربيعها وزهورها، كما يظهر في قوله في قصيدة تفعيلية عنوانها ” نافذة “:

بيني وبين الصُّبحِ

نافذةٌ

أصادقُ نسمةً

ووشاحَ أفْقٍ

تسردُ الغيمات قصةَ موعدٍ

فأصافحُ الوقتَ الجميلْ

بيني وبين الحُّبِ

نافذةٌ

أُطلُّ على الرّبيعِ بعينِ

مَن عشقَ الزهورَ

ولوّعتْ أحلامَهُ

أحلامُها عندَ الرحيلْ

ويتخذ من التفاصيل الصغيرة موضوعاً للفلسفة والتأمل والتفكير العميق، مستنطقاً الأشياء في جو من الحلم والرؤيا، ويقول في قصيدة “تفاصيل الجمال”: تفاصيلُ الجمالِ عديدةٌ

عينانِ تنتقيانِ قافيةَ التأمّلِ والحنينْ

عينانِ تحترفانِ أحوالَ التشتُّتِ والسُّكونْ

نهرانِ خضراوانِ

كالعشبِ المُدوّنِ في كتابِ حديقةٍ

أفقانِ زرقاوانِ كالموجِ المتوّجِ

باشتهاءاتِ الوصولِ

إلى شواطئَ حلمهِ المفتونِ بالأقدارِ

لو تسطو على صمتِ السنينْ

وفي قصيدة أخرى بعنوان ” سدم المجاز ” يبدو غارقاً في التفكير باحثا في ميتافيزيقا الوجود، وما فيه من مسائل عويصة، كأنه فيلسوف مكبّ على مائدته والدنيا كلها لا تسع لعقله الكبير:

للوهمِ رحلتُهُ الطَّليقةُ

في احتمالاتِ الحقيقةِ

واشتعالِ السُّلَّمِ المنسيِّ

في الذّكرى البَعيدةْ

وانتظارِ تداخلِ الأحلامِ

في طُرقِ التَّمنّي

واختصارِ الدَّربِ

في سُبُلِ التّحسّسِ

والنّهاياتِ الجديدةْ

وهكذا يظهر أن الشاعر سامي مهنا قد جعل ذاته محور كتاباته الشعرية، فهي منطلق الإبداع عنده ومصدره في كل ما يسطر من خيالات وأمنيات وانتقالات مستمرة بين المشاعر والعواطف، مجسداً صورة شاعر الرؤيا أصدق وأوضح تجسيد، ولا يعني ذلك أنه غفل عن وطنه أو نسى قضيته وصراعه في الوجود، فلا نعدم إشارات بين الحين والآخر في قصائده لبلدته، وبلدته ترمز لكل زاوية من زوايا فلسطين ولكل حبة تراب فيها ويلمح لمأزق السلام الصعب، فهو يقول مثلا مضفياً طابع التقديس على بلدته- وكما أسلفنا سابقا إلى كل حبة تراب في فلسطين، فبلدته جزء، وفلسطين كل، وهنا مجاز مرسل علاقته الجزئية، يقول:

بيني وبين الله

نافـــذةٌ

أُسمّيها الجليلْ

ويقول في إشارة خاطفة في سياق وجداني وذاتي وبلغة رمزية مبرزاً صعوبة أو استحالة تحقيق السلام :

الشّمعُ في أجوائِنا يسقي النبيذَ توهُّجًا

والنّورُ في وَجْدٍ يَذوبْ

لا شيءَ يُنذِرُ بالحيادِ على مَصَبِّ النَّهرِ

لا صبرًا يُبشِّرُ بالسَّلامْ

ورغم قلة هذه الإشارات فإن شعره يحمل سمة فلسطينية خالصة بروح الوطن الجريح، حروفها وآفاقها وفضاءاتها ،فكانت فلسطين موجودة دائماً في قصائده بشكل أو بآخر، فلم يختلف عن أكبر الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين كان الوطن مكوناً جوهرياً في تجاربهم الشعرية، فقد كان الجرح الفلسطيني موشوماً في ذواتهم، يمزج أرواحهم بالهم والقلق واليأس والأمل والانتظار، ويدفعهم إلى الإنتاج الغزير ذي الجمالية الفائقة، فالجرح يخلق الشعر، والشاعر والألم يصفي المشاعر ويطهرها، وهكذا رأينا الشاعر سامي مهنا في ديوانه الجديد وهو يتلو أغاريده مستمتعاً على مذهب الفن للفن بالكلمة المعبرة الرقراقة في سبيل الجمال وسعادة الروح والوجدان.

بقلم الشاعرة ايمان مصاروة, القدس

تعليق واحد

  1. […] رؤيا طائر فلسطيني راحل…”قراءة في قصائد الشاعر سامي مه… “تلاوة الطائر الراحل ” للشاعر سامي مهنا […]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة