• لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    لماذا يا هذا؟

    “لماذا يا هذا” سلسلة مقالات تربوية تأخذ طابع “النقد الاجتماعي” … مع أنني شخصيًا أميل لزخرفة الكلمات الأدبيّة أكثر؛ لكنني، ربما بسبب ما أشهده من آفات اجتماعية متفاقمة؛ صرتُ أتوق إلى زخرفة الحياة بقيم تربويّة سامية، والدفاع عن الإسلام كأكبر قيمة فيها!

    في كل حلقة من حلقات هذه السلسلة، أفتتح الحديث مستشهدةً بحدث واقعيّ أو ما أسميه بـِ”لوحة اجتماعيّة”؛ أقوم خلالها بإلقاء الضوء على قيمة تربويّة معيّنة وإثارة تساؤلات الـ”لماذا” في الموضوع المطروح!

    الانضباط الذاتي:

    لوحة 1:

    “أبو سعيد” سائق لا يحترم القوانين أبداً؛ وبشكل خاص أثناء قيادة مركبته. في أحد الأيام، جلس “سعيد” برفقة والده السائق متجِهَيْن؛ لشراء بعض الأغراض للعائلة. قبل الانطلاق، طلب “سعيد” من والده أن يضع حزام الأمان! نظر “أبو سعيد” إلى ولده قائلاً باستهزاء:”شو يابا؟ أخذِتْ كم درس سواقة؛ صرت بدّك تعلمني؟؟ أنا صرلي شوفير أكثر من 20 سنة… بعدين، مش رح نلاقي “بوليس” تخافش!!”.

    في الطريق، لمح أبو سعيد إضاءة غريبة؛ لسيارة تقف عند حافة الطريق؛ اعتقد أبو سعيد أنها إنارة سيارة شرطة ترصد حركة السير. أسرع “أبو سعيد” وجلاً مرتعداً مرتبكاً إلى وضع حزام الأمان والتأكد بنظرة تفقديّة سريعة أنّ كلّ شيء “قانونيّ” وعلى ما يُرام! مرّ أبو سعيد بمحاذاة السيارة… وإذا بها مجرد سيارة “عادية” تقف عند حافة الطريق! نزع “أبو سعيد” حزام الأمان بثقة قائلًا لابنه:”مش قلتلك… الحمد لله مش رح نلاقي بوليس”!!

    لوحة 2:

    بدأت الحصة الثانية… الأستاذ سعيد لم يحضر بعد! مع أنّه ليس من عادته التأخر عن الحصص ولو لدقائق معدودة!

    استغل الطلاب الموقف! قاموا بفوضى عارمة في غرفة الصف…

    قلبوا الطاولات والكراسي، وصرخوا، وصفقوا … وخطّوا “خربشات” بذيئة على اللوح!

    طلبوا من أحد الطلاب “الملتزمين” أن ينتظر خارجاً ليرقب لهم الوضع… ما إن أشار إلى “خيال” المدير قادماً من بعيد… حتى رتبوا المكان وكأن لهم أيدي أوتوماتيكية!

    *****

    يؤسفني أن نشهد كثيرًا من اللوحات الاجتماعيّة التي تعكس ثغرات مؤلمة في مجتمعنا العربيّ، تتحدث عن نسائج الهجير في احترامنا لقوانين كثيرة هادفة ولقيم تربوية كثيرة في حياتنا؛ كفقدان الانضباط الذاتيّ عند الفرد والذي أحاول التحدّث عنه في هذا السياق.

    إن سمة الانضباط الذاتيّ مِنْ أكثر المقوّمات أهميةً في حياة الفرد؛ تقوم عليها حياته الشخصيّة ونجاحه في مسيرته كلّها وتُبنى عليها حياة المجتمع ككلّ، وأعرّفها بضبط النفس والسيطرة عليها من خلال “ضوابط ذاتيّة” يضعها الشخص عن قناعة؛ لضبط تصرفاته في إدارة شؤون حياته.

    إن التهاون والتقصير واللامبالاة هي مِن سمات الإنسان الأساسية، وترك النفس على هواها هو عمل مريح للفرد على المدى القصير، لكنّنا إن فكرنا في عواقب الأمور؛ وجدنا غير ذلك!

    فأين نحن من تلك الروادع والكوابح التي نضعها لأنفسنا طوعاً وقناعة ونتصرف حسبها ونضبط بها إيقاع سلوكنا؟ صحيح أن عدم انصياعنا “للضوابط الذاتيّة” التي نضعها لأنفسنا لن يقودنا إلى السجن أو سحب رخصة القيادة أو الخضوع لأيّ عقوبة في كثير من الأحيان، إلا أنه يقودنا لعقوبة كبرى لنا؛ كأمة إسلاميّة وكمجتمع عربيّ؛ وهي انتزاعنا من قائمة الأمم المتقدّمة وتقليل فرص نجاحنا وتطوّرنا!

    بالله عليكم! لماذا بتنا نحترم القوانين من وازع “الخوف” والرهبة فقط دون أن يكون لـِ”الانضباط الذاتي” أكبر نصيب في ذلك!؟

    لماذا نحترم القوانين في الأماكن التي نجد فيها ما “يخيفنا” ؟ لماذا لا نتصرف أينما كنا بالسلوك نفسه إيمانًا منّا بصحة ما نفعل؟ لماذا نحافظ على النظافة ونحترم الدَوْر في المؤسسات اليهودية مثلاً بينما لا نعدّ ذلك قانوناً مُلزماً وانتهاجًا منطلقًا من قيم تربوية سامية؛ بأماكن أخرى محليّة قريبة؛ كالبيت والمدرسة والشارع وصندوق المرضى في البلدة؟

    لماذا تصبح القيم الإنسانية والقوانين مجرد أسوار هزيلة تعلو على الأرض بضعة مليمترات؛ ندوسها دون أن ندري؟ لماذا نردّد قول الشاعر:نعيب زماننا والعيب فينا…ولا نحرّك ساكنًا؟

    لماذا لا نبصر أساسًا، أن احترامنا لقِيَمِنا الإنسانية والتربويّة هو احترام لذواتنا وأنفسنا قبل كلّ شي؟

    أترككم مع وقفات صادقة؛ مع أنفسكم؛ مع تلك “اللوحات” الواقعية من سلسلة “لماذا يا هذا؟” علّها تسلّط الضوء على مسألة اجتماعيّة هامّة وتفتح بأسئلة الـ “لماذا” أبواب تغيير نحو الأفضل!

    بقلم:أ.أنصار توفيق وتد

    لإرسال مواد لموقع بقجة على البريد الإلكتروني: [email protected]

    التعليقات

    1. موضوع رائع، يعكس واقعنا المرير؛ شكرًا لكِ أيتها الفاضلة…
      شكرًا لكلماتك….
      علّها تجد آذانًا صاغية لتجعل صاحبها يرتقي إلى سلّم التغيير نحو الأفضل، إن شاء المولى.

    2. تمتّعت بقراءة النص من حيث المضمون الهادف والاسلوب المشوّق!
      بوركتِ وإلى المزيد من هذا الإبداع.

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.