سوريا.. اخطر من حرب اهلية!

تاريخ النشر: 13/06/12 | 15:20

الجميع يفتي ويدلي بدلوه في سورية، وكل طرف يفسر الصراع وفقا لمنظوره الخاص، ويصدر تنبؤاته وفـــتاواه حسب تمنــياته، ولا نقول مصالحه فقط، والشعب السوري هو الخاسر الاكبر وسط هذه المعمعة، حيث تتواصل اعمال القتل والخطف في معظم انحاء البلاد ويسقط القتلى بالعشرات.

ايرفيه لادسو رئيس عمليات حفظ السلام في الامم المتحدة افتى بأن ما يجري حاليا في سورية من صدامات بين القوات الحكومية والجيش السوري الحر هو حرب اهلية، وقال ان الحكومة السورية فقدت مساحات واسعة من اراضيها لصالح المعارضة وتحاول استعادتها.

ومن المفارقة، وما اكثر المفارقات على الساحة السورية هذه الايام، التقاء الحكومة والمعارضة على رفض هذه الفتوى حيث رفضها الطرفان، واكدا ان ما يجري في البلاد ليس حربا اهلية، فإذا كانت الامم المتحدة على خطأ فما هو الصحيح اذن؟

وزارة الخارجية السورية على لسان متحدث باسمها قالت ان وصف المسؤول الأممي ‘لا ينسجم مع الواقع ويتناقض مع توجهات الشعب السوري، لان ما يجري هو حرب ضد مجموعات مسلحة اختارت الارهاب طريقا للوصول الى اهدافها، وان من واجب السلطات التصدي لها وبسط سلطة الدولة على كامل اراضيها’.

الهيئة العامة للثورة السورية رفضت بدورها فتوى الامم المتحدة، وقالت في بيان اصدرته امس ‘إن ما قاله مسؤول عمليات حفظ السلام في الامم المتحدة لا يعبر عن صورة الاحداث الجارية، ولا يعبر عن الشعب السوري وثورته السلمية’. وانتقدت الهيئة التصريح الاممي، معتبرة انه ‘مساواة بين الضحية والجلاد، وتجاهل لمجازر النظام الاسدي وطمس لمطالب الشعب السوري المشروعة بالحرية والكرامة’.

‘ ‘ ‘

انا شخصيا اختلف مع الحكومة والمعارضة والامم المتحدة معا، وارى ان وصف الصراع بأنه حرب اهلية هو وصف قديم انتهى عمره الافتراضي منذ اشهر، وان ما يجري في سورية ليس تطهيرا طائفيا فقط، وانما حرب اقليمية بالوكالة بين معسكرين:

الاول: المعسكر الروسي ويضم ايران وسورية وحزب الله وبعض الميليشيات الشيعية العراقية، ويحظى بدعم مباشر من الصين، وغير مباشر من الهند والبرازيل.

الثاني: المعسكر الامريكي ويضم دول اوروبا الغربية وتركيا، الى جانب المملكة العربية السعودية ودول الخليج، الى جانب دعم غير مباشر من الاردن.

جامعة الدول العربية وبدعم من دول عربية خليجية، وبعض اطراف المعارضة السورية كانت تضغط دائما باتجاه تدويل الأزمة السورية، وتدخل عسكري مباشر لإنهائها، على غرار ما حدث في ليبيا، ويبدو ان هذه الضغوط بدأت تعطي ثمارها هذه الايام، فقد باتت سورية محور صراع حقيقي للدول الكبرى، وخرجت الامور من دائرة سيطرة كلٍ من المعارضة والحكومة، بل والجامعة العربية ايضا.

بالأمس اتهمت السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية روسيا بتزويد النظام السوري بطائرات عمودية هجومية، ستستخدم في قمع الشعب السوري، فردّ عليها نظيرها الروسي سيرجي لافروف من طهران قائلا ان صفقات الاسلحة هذه تتم في اطار القوانين الدولية، وردّ الصاع صاعين باتهام الولايات المتحدة بتسليح دول في المنطقة.

صحيفة ‘الاندبندنت’ البريطانية المستقلة نشرت امس تقريرا مطولا اكدت فيه قيام المملكة العربية السعودية ودولة قطر بارسال شحنات اسلحة ثقيلة للجيش السوري الحر، تتضمن صواريخ مضادة للدروع ومدافع رشاشة وذخائر، عبر الاراضي والمنافذ الحدودية التركية، وعلى ظهر شاحنات عسكرية رسمية وبتنسيق مع حكومة السيد رجب طيب اردوغان.

في ظل هذه الحرب الباردة التي بدأت تدخل مرحلة السخونة تدريجيا، بات في حكم المؤكد ‘نفوق’ مبادرة كوفي عنان المبعوث الدولي، التي تتحدث نقاطها الست عن وقف فوري لإطلاق النار وسحب الآليات من المدن، والانخراط في حوار بين النظام والمعارضة، للتوصل الى مخرج سلمي للأزمة. فالمبادرة لم توقف اعمال القتل التي يرتكبها النظام، بل أدت الى حدوث مجزرتين هزتا ضمير العالم، الاولى في الحولة، والثانية في القبير، وكان معظم ضحاياهما من الاطفال، ذبحوا بطريقة وحشية همجية على ايدي ميليشيات تابعة للنظام.

ويمكن القول ايضا ان الحل اليمــــني لم يعد ممــــكنا في سورية، لأن النظام فيما يبدو بات مصـــمما، وبعد التصــعيد الاخير للهجـــمات من جــــانبه، على المضي في حلوله الأمنية الدموية حتى آخر الشوط، وايا كانت النتائج.

‘ ‘ ‘

الحوار بين المعارضة والنظام تجاوزته الأحداث، ولم يعد مفيدا بعد ان فلتت الأمور من الجانبين تقريبا. الحوار المثمر والفاعل بات عمليا بين القوى العظمى والاقليمية المتورطة في الحرب الحالية، وبالأحرى بين الولايات المتحدة زعيمة تكتل اصدقاء سورية من ناحية، والاتحاد الروسي الداعم الاساسي للنظام السوري من ناحية اخرى.

الجامعة العربية باتت خارج المعادلة كليا، ولم يعد في مقدرتها تنفيذ اي قرار يتخذه وزراء خارجيتها، بما في ذلك منع الفضائيات السورية من البثّ عبر اقمارها الصناعية. اما المعارضة السورية الخارجية التي اعتقدت انها باتت على بُعد بضعة امتار من كرسي الحكم قبل بضعة اشهر فإنها فقدت الكثير من وهجها لمصلحة المقاتلين على الارض، في صمود نادر ومثير للإعجاب.

وليم هيغ وزير الخارجية البريطاني كان مصيبا مرتين، الاولى عندما قال بالأمس ان سورية باتت على شفا الانهيار، والثانية عندما طار فجر اليوم الى موسكو لاجراء محادثات مع نظيره الروسي لافروف، صاحب الكلمة الأقوى في الملف السوري.

اسرائيل تراقب الصراع في سورية عن قرب وباتت قيادتها تشعر بالقلق، ليس فقط من مخزون الاسلحة الكيماوية السوري الاضخم في المنطقة، الذي من المحتمل ان يقع في يد جماعات اسلامية متشددة، وانما ايضا من وصول هذه الجماعات الى عمقها عبر الحدود السورية اذا ما تحولت سورية الى دولة فاشلة، على غرار العراق وليبيا وقبلهما افغانستان.

ايا كانت النتيجة التي ستنتهي اليها الاوضاع في سورية، فإن اسرائيل ستكون الخاسر الأكبر، وكذلك الدول التي لم يصل اليــها الربيع العربي بعد.

بقلم  عبد الباري عطوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة