تسييس اللغة ومعركة السيطرة على الكلمات

تاريخ النشر: 23/04/12 | 13:27

أتساءل أحياناً، هل الكلمات هي مجرد وسيلة لنقل المعلومات والأفكار فقط ؟ فمن انجازات البشرية اللغة المكونة من كلمات، فهل يمكننا أن نعبّر عما يجول في خاطرنا بدون الكلمات؟ وهل الكلمات التي نستعملها خلال التعبير عمّا نفكر به هي مجرّدة واضحة وحيادية؟ بكلمات أخرى هل الكلمات يمكن تفسيرها بعدة اتجاهات وبشكل يتوافق مع مصلحة مفسرها أو من أوكل بتفسيرها ؟ وهل هي حيادية أن أنه يمكن قلب المعاني رأساً على عقب وتحويل الكذب الى حقيقة، والسلام الى حرب، والهجوم الى دفاع؟ وهل السياسة بمعزل عن هذا الموضوع؟ أم أنها تحاول السيطرة على الكلمات لتسخيرها في خدمة مصالحها وبالتالي تهيمن على الكتّاب والمفكرين أو بالأحرى تسهّل عليهم التسليم بالأمر الواقع وتزودهم بمنطقها بواسطة تسخير الكلمات لتنفّذ مخططاتها.

ان من يستمع للنشرات الاخبارية في وسائل الاعلام المختلفة ، يمكنه أن يلاحظ الاختلاف في استعمال الكلمات لذات الحدث والفئة. كما لا يختلف الأمر عندما تقرأ خبراً عن ذات الحادث في صحيفتين مختلفتين في مواقفهما السياسية . على سبيل المثال عندما تقرأ عن “تهويد الجليل ” في صحيفة ما ، تجدهم في صحيفة أخرى يطلقون على العملية ذاتها اسم “تطوير الجليل”. والمتظاهر المدافع عن حقه في التعبير في موقع معين ، يتحول الى مشاغب في موقع اعلامي آخر . وفي وسائل الاعلام الاسرائيلية تجدهم يستعملون كلمة התישבות بدلاً من كلمة התנחלות عندما يريدون التحدث عن الاستيطان ، وشتّان ما بين الكلمة الاولى والثانية من حيث المعنى ، فالاولى تؤكد مفهوم احياء قيم الماضي المشترك “البطولي” لدى الشعب اليهودي في هذه البلاد وتكرسه لخدمة أهداف سياسية واضحة .

إذاً تجري في وسائل الاعلام الاسرائيلية الرسمية عملية شحن للكلمات بهدف تسخيرها لخدمة الفكر الايديولوجي الصهيوني ، وبهدف اثبات حق الاسرائيليين بهذه الأرض، مثل تصويرهم للمنطقة في مراحل هجرة اليهود الى هذه البلاد قبل قيام دولة اسرائيل بأنها خالية من السكان ، وأن سكانها غير حضاريين . فعندما يقولون أنه لديهم قادة ، يقولون عن الفلسطينيين أنه لديهم وجهاء ، اليهود رجال أعمال والعرب تجار ، اليهود مستوطنون والعرب قرويون ، كما تم تحريف الأسماء وإطلاق اسماء عبرية على مواقع وقرى عربية . وأحياناً يبالغون في تحريف المعاني ، فالعربي الذي يدافع عن حريته يصبح معتدياً أو محرضاً ، أما اليهودي فيقوم بأعمال رادعة ووقائية دفاعاً عن النفس ، أما الاسرائيلي فلا يحرض إنما يشرح ويعرض مواقفه . وفي موقع “الجزيرة” تحول الجيش السوري بقدرة قادر الى قوات الأمن والجيش التابعين لنظام بشار الأسد ، وبالتالي نزع هذا الموقع الاعلامي ضمناً شرعية هذا الجيش حيث أصبح بنظره جيشاً لفئة معينة لنظام بشار الأسد ، أي أن بشار لم يعد رئيساً لسوريا . من جهة أخرى تعرّف “الجزيرة” من يقومون بأعمال قتل وتفجير في أحياء سكنية سورية بالهيئة العامة للثورة السورية ، واختلاق أسماء لهيئات قيادية مثل “المجلس الوطني السوري المعارض” .فهنا تعاملت “الجزيرة” مع دولة ذات سيادة كحركة فئوية تابعة لشخص ، أما المعارضة السورية فتم التعامل معها كجسم تمثيلي منظم له هيئاته ونظامه .

ان أسهل طريقة لتحريف معاني الكلمات هو التلاعب بصيغة الفعل، فعندما نكتب بصيغة المفعول (أي المبني للمجهول) ، عملياً نحن نحرر أنفسنا من مسؤولية ما حدث ، لأن الفاعل غير معروف . وباستعمال صيغة المجهول بشكل أو بآخر ننفي أننا قمنا بالفعل ، وبالتالي لا نتحمل مسؤولية أخلاقية للذي جرى . على سبيل المثال نسمع في وسائل الاعلام الرسمية الاسرائيلية “قتل (ضمة على فاء الفعل) محمد برصاص جيش الدفاع الاسرائيلي” .

قتل برصاص ، وكأن الرصاصة هي التي قتلت محمداً ، وننسى عندما نقرأ هذه العبارة أنه هنالك شخصاً يحمل البندقية وهو الذي شد على الزناد فانطلقت الرصاصة وقتلت محمداً . وأحياناً يتم اضافة أخرى على الجملة المذكورة كأن نقول “قتل (ضمة على فاء الفعل) محمد برصاص جيش الدفاع الاسرائيلي في أثناء تسلله باتجاه الجنود”. فهنا ننسى عملية القتل ويرتكز تفكيرنا بقضية التسلل ، ونحاول تحليل سبب تسلله.اذاً محمد المقتول هو المجرم ، وهو المعتدي لأنه هو المبادر ، وبهذا تم تبرئة الجنود وتحريرهم من مسؤولية القتل .

ومن الجمل الشائعة في وسائل الاعلام الاسرائيلية “قتل ( بضم فاء الفعل) جهاد نتيجة لإطلاق النار”. يا سلام! فهنا عندما نقرأ صيغة الخبر بهذا الشكل ، يخيل لنا وكأنه جرت عملية اطلاق نار ، وفجأة تدخل جهاد وأقحم نفسه، وهنا يتم الاستنتاج بأنه لم يكن القصد قتل جهاد، ولم يتم تصويب البنادق تجاهه ، إنما “بالصدفة”! أصيب جهاد، وبالصدفة قتل .

وبهذا أود أن ألفت النظر لهذه القضية الهامة ، التي إن لم نجابهها ستترسخ في أذهان قارئيها وسامعيها ، وبالتالي سترسخ ظاهرة التمييز العنصري وإلغاء الآخر . فمعركة السيطرة على الكلمات ، عامل هام للقضاء على تفاقم ظاهرة العنصرية في بلادنا ، وأعتقد أنه يجب التوجه للقضاء من أجل منع استعمال بعض المصطلحات العنصرية التي تجيز قتل الآخر ، وفي أفضل الحالات تخفف من حدته. وفي الوقت ذاته يجب أن نفكر مليّاً باللغة التي نستخدمها في حوارنا مع بعضنا البعض حول قضايا قد نختلف بوجهات نظرنا حولها ، وأكبر مثال ما يجري اليوم في سوريا ، كيف نتعامل نحن هنا مع الموضوع ، وكيف تتعامل وسائل الاعلام العربية معه.

تعليق واحد

  1. أخي الكاتب عفيف شليوط
    أثرت قضية مهمة محورها التلاعب باللغة ولكنني انبهك ان التلاعب والتبرير والتزوير تتم في جميع اللغات وليس فقط في اللغة العربية ،وفي مقالك هذا انت ايضاً حاولت تحسين صورة البشع المنفرد بالسلطة بشار الاسد.
    تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة