في «حضرة» اللاعنف

تاريخ النشر: 07/07/14 | 3:17

من الحقائق الجديدة التي أفرزتها حركة الاحتجاج الواسعة التي شهدها العالم العربي، هي إمكانية التغيير بواسطة المقاومة اللاعنفية، أي بالوسائل السلمية الطويلة الأمد، إلى أن تستجيب الحكومات للإرادات الشعبية، فتتنحّى أو تستقيل أو تجد فرصة مناسبة للتسوية السياسية والانتقال من طور نظام شمولي أو استبدادي أو فردي إلى نظام جديد عبر التحوّل الديموقراطي، كما حصل في أوروبا الشرقية، خصوصاً في بولونيا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الديموقراطية.
لعلّ الشباب المتمرد الطامح إلى التغيير المدني، الرافض للشرعيات القديمة والباحث عن «شرعيات جديدة»، يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً مع فشل التجارب العنفية وانتشار الفوضى وتشظي المجتمعات وانقسامها، أن إنجاز عملية التغيير يحتاج إلى كفاح سلمي وتراكم طويل الأمد، يستخدم جميع الوسائل اللاعنفية، بحيث تضطر الحكومات في نهاية المطاف إلى الاستجابة، بتجاوزها أو انزياحها عن مواقعها.
تلك إحدى ثمرات موجة التغيير التي بدأت في أوروبا الغربية، خصوصاً بانتهاء الاستعصاء في البرتغال وإسبانيا واليونان في أواسط السبعينيات، ثم في أواخر الثمانينيات في أوروبا الشرقية وبعض أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، وكان من المؤمل أن تصل إلى العالم العربي، لكنها انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط لأسباب تتعلق بمصالح القوى الدولية من جهة، وعدم نضج أدوات التغيير بالرغم من التضحيات الكبيرة التي قدّمتها شعوب المنطقة.
لقد أدرك الكثير من النخب بسليقتها الثورية ورغبتها الحقيقية في التغيير أن طريق العنف لن يوصلها إلى أهدافها المرجوّة. فالعنف يولد العنف، وعنفان لا يوصلان إلى السلام، خصوصاً مع ما ينتجه ذلك من ردود أفعال وضياع منجزات وتهديد لكيانية الدولة واندلاع للحروب الأهلية.
وإذا كانت ثقافة العنف هي القاعدة السائدة على مدى التاريخ، فإن ثقافة اللاعنف تحتاج إلى بناء طويل الأمد لنقضها، واعتمادها الأخيرة بديلاً منها. ولا بدّ من وجود دعاة لها، مؤمنين برسالتها، بحيث تتحوّل القوة الكامنة في الإنسان من العنف إلى اللاعنف، ومن الاستخدام الخشن إلى الاستخدام الناعم، بحيث يمكن للاعنف أن ينتصر على العنف، داخل الإنسان أولاً ومع الآخر ثانياً.
يقول بوذا: إذا رددنا على الحقد بالحقد، فمتى سينتهي الحقد؟ ذلك هو جوهر الفلسفة اللاعنفية التي اتبعها المهاتما غاندي. فعبر مقاومته اللاعنفية استطاع الانتصار على أعتى امبريالية في زمانه، وتمكّن من تمريغ هيبة بريطانيا العظمى بالوحل. هكذا حرّر بلاده بوسائل سلمية وبأقل خسائر بشرية، مُحرزاً استقلالها، وواضعاً إيّاها منذ ذلك الحين، العام 1948، على طريق الديموقراطية والتعددية والتسامح والتعايش وقبول الآخر. لهذا، لم يكن عبثاً أن يردّد غاندي مفهومه للتسامح على نحو واقعي بقوله: «لا أحبّذ التسامح، لكني لم أجد وسيلة أفضل منه».
وإذا كان نيلسون مانديلا رمز التسامح والتسامي على جراحه ورفضه للانتقام والثأر، فإنه بحسب قوله لا يريد أن يعيش في الماضي. هكذا تمكّن من تقديم تجربة نموذجية للعالم، فخطت جنوب أفريقيا بعد انتخابات تاريخية لكل الأعراق والأقوام واللغات والسلالات، نحو التسامح والعيش المشترك والتطور الحضاري والتواصل الإنساني، وأصبح مانديلا رمزاً راهناً ومستقبلياً لفكرة اللاعنف، خصوصاً أنه جرّب العنف، لكنه انحاز إلى نقيضه وتمسّك به مكتشفاً جدواه الإنساني الباهر.
لقد ربط عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة قبل أكثر من سبعة قرون بين الظلم والخراب، مثلما ربط بين العدل والمساواة والعمران، ولا يأتي ذلك إلا باعتماد السلم وسيلة للتغيير والتراكم والبناء.
إن خيار اللاعنف هو خيار الوعي الإنساني الحضاري الراقي، ضد سلطة العنف التي تمثل الإكراه والقسوة، فيما يُفترض بسلطة الحق أن تكون العقل والضمير. واللاعنف بحسب جين شارب كبير باحثي «مؤسسة البير اينشتاين» في بوسطن، هو ممارسة حضارية تفرض على الجهة التي تعتمدها حل مشاكلها وصراعاتها مع الآخرين بانتهاج أساليب إنسانية سلمية.
ويحتاج طريق اللاعنف شجاعة عالية وطاقة كبيرة في الرد على العنف، بالمقاومة السلمية، وإذا كانت هناك أهداف إنسانية نبيلة، فلا بدّ أن تكون الوسيلة إنسانية ونبيلة أيضاً. هكذا تتماهى الغاية مع الوسيلة، وهما كالبذرة للشجرة على حد تعبير غاندي، الأمر الذي يحتاج فيه المرء إلى مران طويل ومغالبة للنفس ورياضة روحية وعقلية ونفسية لإعادة بناء ذاته ولإقناعها بخيار اللاعنف، تارة بالقول لا لعنف الآخرين وأخرى لا لعنف الذات. وبالطبع، فإنه يحتاج إلى تربية وتنشئة طويلة، ليس أقل منها ما بذله المربي التشيكي الكبير كومنسكي من أجل إعادة إحياء وبناء اللغة التشيكية الجديدة قبل أكثر من ثلاثة عقود.
إن مناسبة الحديث عن اللاعنف هو التكريم ذو اللمسة الإنسانية الذي نظمته «جامعة اللاعنف»، لشخصية اجتماعية متميّزة، انتقلت من القناعة بالعنف إلى الإيمان بنقيضه، هكذا بدأ حديثه موسى فريجي بتواضع الكبار ليقول: إن هزيمة 1967 دفعته للتفكير بجميع الوسائل للردّ عليها، بالعنف وبغيره، عبر دعمه لمنظمات المقاومة الفلسطينية منذ وقت مبكر، ولردّ العنف بالعنف. لكن التحوّل في حياته حصل، حينما تعرّف على المفكّرة التربوية أوغاريت يونان والمفكر اللاعنفي وليد صليبي (رئيسي «جامعة اللاعنف»)، فبدأت مسيرة حياته تتجه من تأييد العنف لاسترداد الحقوق إلى اللاعنف، الوسيلة التي وجدها أكثر نجاعة للدفاع عن الحقوق. هكذا كانت معاناته الأولى من خلال التفكير بمقاومة الاحتلال «الإسرائيلي» وتحرير فلسطين، ولكن هذه المرّة باللاعنف، ودليله العملي هو انتفاضة الحجارة الجبارة التي أقلقت «إسرائيل» وفنّدت الكثير من حججها على المستوى العالمي.
دوائر ثلاث كانت تشغل موسى فريجي رجل الاقتصاد والسياسة والنشاط الإنساني. الدائرة الأولى هي كيف يجسّد المقاومة اللاعنفية في مواجهة كل تراث «إسرائيل» العنفي المنفلت من عقاله، وهو سؤال كبير ويحتاج إلى زمن للاجابة عنه، لكنه اقتنع به وعمل من أجله.
والدائرة الثانية هي إيمانه بالتسامح، وهذا يعني عدم التمييز والاعتراف بالآخر واعتماد التنوّع والتعددية والدفاع عن الحقوق، بل التمسك بها، وليس كما تذهب الفكرة الدارجة عنه التي تتصور ذلك نوعاً من المساومة والتخاذل والعفو عن الارتكاب.
والدائرة الثالثة هي المشترك الإنساني الذي آمن به والذي عبّر من خلاله عن قناعاته بالمسـاواة بيـن البشر بغض النظر عن طوائفهم وقومياتهم وأفكارهم وجنسهم ولغتهم ولونهم وانحدارهم الاجتماعي.
بقلم عبد الحسين شعبان – السفير

sdd

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة