قراءة في “سلّم على السفارة” و”سيّدة من لاباز” لمنجد صالح

حسن عبادي| مخيم بلاطة - حيفا

تاريخ النشر: 07/03/23 | 13:10

المدبوزة

يسعدني أن أشارك ندوة أخرى في هذا الصرح الثقافي/ مركز يافا الثقافي/ مخيم بلاطة، وشاعِر أنّني صرت ابن بيت، وأن أشارك حفل إطلاق “سلِّم لي على السفارة” (قصص، 183 صفحة، تدقيق لغوي: جمعة الرفاعي، تصميم ومونتاج: سمير حنون، إصدار: الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافية للنشر والتوزيع) و”سيّدة من لاباز” (قصص، 114 صفحة، تصميم: شربل إلياس، إصدار: مكتبة كلّ شيء الحيفاوية) للكاتب منجد صالح، أو السفير منجد صالح كما يحلو له أن يُطلَق عليه.
وسمَها الكاتب أو الناشر “قصص” ووجدتها نصوصاً كُتبت بلغة جميلة انسيابيّة، سهلة دون تعقيدات وفذلكات، يبدو فيها متأثِّراً جدّاً بالأدب الواقعي في أمريكا اللاتينيّة، يتناول ظواهر اجتماعية متعدّدة ويطرحها بأسلوب الحكّائين السلس، وكأنّي به يسردها في ديوان الحارة، في سهرة عائليّة ليثير موضوعاً حسّاساً ليوصل رسالته بصورة مشوّقة جميلة.
أخذ الكاتب مواضيعه من نفسه ومن الناس وما يدور حوله، فبدت صريحة المعالم مشرّعة الأبواب ليسهل تناولها حتى على الذين هم أقلّ مقدرةً ومهارةً في الغوص إلى الأعماق، فجاء أجره الأول والأعظم تلك البهجة والمسرّة التي يشيعها في الروح شعوره بأنه قد خلق مخلوقًا وجميلًا، أكان ذلك المخلوق مقالاً أم قصّة أم نصّاً سرديّاً مفتوحاً، بغضّ النظر عن التجنيس، ليترك في القارئ نشوة وعبرة.
تتناول نصوصه الأمكنة بأسلوب وصفيّ جميل، متأثِّراً بأدب الرحلات، وكأنّي به يحمل قلماً وورقة ليسجّل/ يؤرّخ كلّ مشوار، وهذا ما أشاهده في تجوالي خارج البلاد، كلّ يدوّن ملاحظاته وانطباعاته وما يشاهده، ولمسته حين استضفنا إيفا شتال ومونيكا ماورير، وفي حديث لي مع الأصدقاء محمود شقير وأبو علاء منصور، وخربشات صديقي عادل الأسطة وغيرهم، ممّا يقرّب المكان، جغرافيّاً وتاريخياً وعادات وتقاليد، فيصف لنا شارع الشجر وحكايته، وأسماء المحلات التجارية والمعالم، وقرى فلسطين التي يمرّ بها.
تناول عادات الأكل والمأكولات والإيتيكيت، من الإكلير الفرنسي إلى الزواكي التركيّة إلى المنسف مع الجميد (لإيش الحكي، بظلّ المنسف أطيب) وتناول العقيقة والمولد وطقوسها الجميلة.
تناول بفنيّة الكورونا اللعينة وكيف تعامل معها أبناء المعمورة، من خلال قصّة حمّودة/ بطل أطول رحلة لعائلة حمّودة في زمن الكورونا (فهمت من سياق الحكاية أن حمودة ابن كاتبنا) وغيرها.
يحمل كاتبنا الهم الوطني ويعيش بين شعبه، رغم كونه عمل في السلك الدبلوماسي وتغرّب لسنين عديدة، وتؤلمه الحواجز المنتشرة في كلّ مكان لتنغّص على حياة الفلسطيني اليوميّة، فيرسم لنا “خارطة الطريق ” عبر حواجز مقيتة يتحكم بها المحتل عبر “الريموت كونترول”، إن صحّ التعبير: حاجز الكونتينر/ حزما/ زعترة/ عنّاب/ الزعيم/ الـ DCO/ عصيون وغيرها، عدا الحواجز الطيّارة، ناهيك عن المستوطنات التي توجع القلب حين تمرّ بها: معاليه أدوميم/ أريئيل/ يتسهار/ بيت إيل/ شيلو وغيرها
كما يتناول السراب الأوسلوي ووهمه، حين يصوّر الحوار مع حكم بلعاوي/ سفير فلسطين في تونس، في حينه:
“يا أخ أبو مروان، أعتقد بأن الاحتلال سيُجمّعنا ويضعنا في فك التمساح”.
فيجيبه حكم، بنبرته المُميزة سريعة الترددات، رافضاً ومستنكراً ومستهجناً ما يقوله، ويؤكد قائلا:
لا لا، هم الإسرائيليين ولمّا نضع رِجلنا على الشريعة (نهر الأردن)، هُمّ طالعين طالعين طالعين.
لكن تبيّن بالدليل القطعي والقاطع، أنّهم نازلين نازلين نازلين وباقيين باقيين باقيين وقاعدين قاعدين قاعدين ومُتمترسين مُتمترسين مُتمترسين، وليس طالعين!!!” (ص. 18-19 “سلّم على السفارة”).
وفي تجواله عبر العالم لم ينس الاستعمار الفرنسي الحديث النيّر في تلك الرحلة الداخلية (عابرة القارات) (ص.82).
يتناول الكاتب بلمسة وفاء أصدقائه د. نبهان عثمان، عليان الهندي، أحمد القسام، عبد السلام العطاري وغيرهم.
وكذلك الأمر بالنسبة للرموز النضالية؛ عاصم البرغوثي من كوبر، يحيى عياش من رافات، عمر أبو ليلى، مروان البرغوثي… وثائر حماد (عملية عيون الحرامية من سلواد، جاء ذكره 6 مرات في الكتابين – بالمناسبة، سأزوره يوم الأربعاء في سجن عسقلان).
يعرّج كاتبنا بلباقة على أمسيات ثقافية شارك بها، ومن كتابته نلمس أنّه يحثّنا على المشاركة؛ أمسية شعريّة لصديقه جمعه الرفاعي في مركز خليل السكاكيني، وأمسية إشهار “فدائي عتيق” للصديقة أسماء ناصر أبو عياش، وندوة شيراز عنّاب في طولكرم (لم تغب عنه طوشة المحافظ عصام أبو بكر وزياد جيّوسي) ورسائل إلى قمر هنا في مركز يافا الثقافي – مخيم بلاطة.
كاتبنا مثقّف وأمسى ذلك جليّاً حين تناول قصة “فرانسيسكا والموت” للكاتب أونيلو خورخي كاردوسو (ص. 91 + 157 في مجموعة “سلّم على السفارة”) (كان يتوجّب على الكاتب الانتباه أكثر حين تناولهما مرّتين مع ترجمات مختلفة في ذات الكتاب) وكذلك الأمر توظيفه لفيلم “عرض غير لائق” (Indecent Proposal) (بطولة روبرت ريدفورد وديمي مور) (ص. 37 – العرض بالتخلّي عن زوجته لليلة واحدة مقابل نصف مليون جنية إسترليني -“سلّم على السفارة”، وكذلك الثلاثة أوراق بنفس الاسم في قصّة المختار الداهية، ص. 47-48 نفس المجموعة– تشبه قصّة الدولار مع نفس الوجه، ويقولها بصريح العبارة: من يدفع أجر العازف يختر اللحن، وبالبمشبرَح: القوي يقرّر قوانين اللعبة).
وجدت النصوص “مدبوزة” (بالمناسبة؛ استعمل هذه الكلمة 17 مرّة) باللهجة العامية وبالأمثال الشعبية مما زادها جمالًا ونعومة وتقبلاً؛ في الأمثال جاء، على سبيل المثال: “وافق شنّ طبقة”، “فولة وانقسمت نُصّين”، “نسخة كربون”، “البسّة بتوكل عشاه”، “تراب المصاري”، “البلاد طلبت أهلها”، “الأقارب عقارب”، “على عينك يا تاجر”، “فارعة دارعة”، “البرد يقصّ المسمار”، “ضربت الطينة بالعجينة”، “شرب من حليب السباع”، “مسحوب من لسانه”.
ومن الكلمات العاميّة التراثيّة: مزنوق/ يُسهمِد/ يُسَفلِت/ عجقة/ الدوبارة/ محِلّة/ تبقّ بحصة/ ينعف/ إمّرمط/ مخردقة/ الغمّيضّة.
ملاحظات لا بدّ منها؛
1. لا يوجد تسلسل زمني في النصوص، بل هي كوكتيل ظريف من حيث كتابة كلّ نص، أو بالأحرى، الفترة الزمنيّة التي يتناولها في نصّه.
2. غياب الفهرست في مجموعة “سيّدة من لاباز”
3. أزعجني استعماله كلمة “زنجيّا” (ص. 31 “سيّدة من لاباز”) وكنت أتوخّى استعمال كلمة أسود لأنّها تجذّرت من النظرة الفوقيّة للبيض في أمريكا Negr بدل الأسود
(كم كنتُ محظوظًا حين خصّني الكاتب، برِفقة مركز يافا الثقافي، بإحدى نصوصه (رسائل إلى قمر إلى قمرين، ص.93 في كتابه “سيّدة من لاباز”)، برفقة أصدقائي الأسير حسام زهدي شاهين والكاتب فراس حج محمد)
وأخيرًا؛ أبارك لمنجد، كما يحلو لي ولأبناء بلدته أن أناديه، هذه الإصدارات، وشكرًا لك أبو حمودة/ أبو النصر على هذه التوليفة.
=========
[*] مداخلتي في حفل إشهار “سيدة من لاباز” و”سلِّم على السفارة” يوم السبت 04.03.2023 في مركز يافا الثقافي/ مخيم بلاطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة